الاجتهاد لعامة المسلمين وليس العلماء فقط! لماذا رفض المفكر الهندي محمد إقبال المدارس الفقهية؟ (2)

عربي بوست
تم النشر: 2024/02/09 الساعة 12:00 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2024/02/09 الساعة 12:00 بتوقيت غرينتش
الشاعر والمفكر محمد إقبال/ الشبكات الاجتماعية

مبدأ الحركة في بناء الإسلام

إن أطروحة إقبال في الاجتهاد لم تكن منفصلة عن قناعته الفكرية أو السياسية، أو يمكن القول إنه لم يقرأ التراث الإسلامي إلا ليحاجج على أطروحته الفكرية، ولهذا سنجده يرى أن مسألة الاجتهاد هي روح الدين الإسلامي، وهذا ما جعله يطلق عليه مبدأ الحركة في الإسلام، حيث إنه يرى أن الإسلام هو نظام ديناميكي وليس نظاماً ستاتيكياً، وذلك انطلاقاً من مبدأ الاجتهاد نفسه، غير أنه يلاحظ أيضاً أنه وإن كان يعود إلى التراث الإسلامي، إلا أنه يختزل فيه الكثير، ولا يقبله بكليته.

في كتابه المترجم إلى العربية تحت عنوان "تجديد التفكير الديني في الإسلام" يقدم إقبال مناقشة عميقة للكثير من القضايا في الحضارة الإسلامية، وفي كتابه هذا تبرز أطروحته وموقفه من الحضارة الإسلامية، كما أننا نجد قناعاته حول مجموعة من الأمور، منها قضية النبوة، الوحي، التجربة الدينية، ويلاحظ بشكل لافت طغيان النظرة الفلسفية على مقاربته للحضارة الإسلامية، لكن الفكرة المؤسسة والمؤطرة لمشروعه الفكري، هو ما سماه بمبدأ الحركة في بناء الإسلام.

لكن ترجمة عنوان الكتاب قد لا يسلمها الكثير، وخاصة إذا ما استحضرنا العنوان بالإنجليزية، وهو the reconstruction of religious thought in Islam، ترجمة هذا العنوان بتجديد ربما يتوافق مع بعض الأطروحات التي تنادي بالإصلاح والتجديد، لكن ربما المعنى المراد هنا هو إعادة بناء الفكر الديني، مما يعني تصحيح المسار لا أقل ولا أكثر، وهذا ما يتوافق مع رؤية المؤلف الذي يرى أنه كانت هناك عدة أمور هي التي ساهمت في تقهقر وضع المسلمين، وإلا فإن جوهر الدين مخالف لذلك، وخاصة المبدأ الذي أعجب به إقبال وهو مبدأ الحركة.

يقول إقبال مبيناً هذا الأمر: "الإسلام بوصفه حركة ثقافية، يرفض ما اصطلح عليه القدماء من اعتبار الكون ماراً ثابتاً، ويصل إلى قول بأنه متحرك متغير"، كما سلف، فإن هذا الاقتباس هو في الحقيقة يبرز تأثره بفكر أرسطو، الذي يرى أن الموجودات متحركة، وهي فاعلة في الزمان، وذلك بخلاف رأي أستاذه أفلاطون الذي آمن بعالم المثل واعتقد العكس من هذا الأمر، أي أن الموجودات ساكنة، والزمن هو الفاعل فيها، وخير مثال يرى إقبال أنه يجسد هذا الأمر هو مبدأ الاجتهاد في الإسلام.

غير أن إقبال في الحقيقة لا يرى ذلك الفصل بين المثل والواقع، بل يرى أنهما شيء واحد، وذلك يتمثل في الإسلام في الجانب الروحي، حيث إن الإسلام يدعو الإنسان إلى التوفيق بين المادي والروحي، إذ إن الإسلام ينكر أن تكون القرابة المادية هي الأساس بين الأشخاص، إذ قرابة الدم أصلها مادي، والمادي مرتبط بالأرض، وبالتالي فالإسلام يجعل القرابة الروحية أولى.

في تفصيله لمبدأ الحركة في الإسلام ينطلق إقبال من مسألة تاريخية يرى أنها مهمة، وهي مسألة التدوين، حسب رأيه، فإن هذه الفترة التي لم تعرف التدوين، لم تكن تعرف جموداً، حيث  إن هذا المبدأ الذي دعاه بمبدأ الحركة في الإسلام كان هو الممثل لروح الإسلام، ولذلك كانت هناك اجتهادات، مما ساهم في ظهور كثير من المذاهب الفقهية، والتي يرى فيها أنها خير ممثل لهذا الأمر، غير أن القرون التي ستأتي بعد ذلك، والظروف التي عاشها المسلمون، ستقضي على هذه الروح، وستساعد في تخلف واقع المسلمين.

وبالتالي فالحل للإشكالات التي كانت مطروحة في زمنه يكمن حسب رأيه، في إعادة بناء ذلك التفكير الديني الذي تفرق في المذاهب حتى تلاشى، إذ يدعو إلى العودة لقراءة ظاهرة التجربة الدينية كما مثلتها النصوص، وليس إلى قراءة الوقائع التاريخية، حيث إن تلك ما هي إلا إمكان من إمكانات كثيرة تتضمنها التجربة الدينية كما جسدها الوحي، القرآن والسنة.

وعن التقسيمات المعروفة في مسألة الاجتهاد، فهو يقصد الاجتهاد المطلق، وهو الاجتهاد خارج المذاهب الفقهية، ويرى أن هذا النوع من الاجتهاد هو الموافق لروح القرآن، كما يرى أيضاً أن هذا النوع من الاجتهاد وإن أقره علماء المسلمين إلا أنهم وضعوا له شروطاً جعلت من المستحيل تحققه على أرض الواقع، وفي نظره هذا ما أدى إلى الجمود أيضاً، بالإضافة إلى ما سماه بظهور الحركة العقلية في الإسلام، ويقصد بها المذاهب الفكرية أو الفرق الإسلامية.

كما أنه يرى أن قضية الاجتهاد لا تقتصر على فرد معين، بل يرى أن الاجتهاد يمكن أن تقوم به مؤسسة تشريعية، تتضمن خبراء من عدة تخصصات، شرط أن تكون هذه اللجنة التشريعية تضم عارفين ومختصين من مختلف المعارف، وخاصة إلمامهم بالواقع السياسي والتغير الاجتماعي، وقد استشهد في كتابه بعدة تجارب، خاصة تركيا التي كانت تعرف تحولات عميقة آنذاك، ومسألة إلغاء الخلافة على وجه الخصوص.

أفاق الأطروحة

هذه الأطروحة كما سبق توضيح ذلك جاءت لتتجاوز الإشكال الذي كان يعيشه العالم الإسلامي مطلع القرن التاسع عشر والذي استمر إلى الآن، حيث كما سلف كانت هناك محاولة لتجاوز عنق الزجاج، وذلك بمحاولة الإجابة عن الإشكالية الأساسية التي كانت تواجه العلماء والنخب في العالم الإسلامي، وكما ذكرت سابقا فإنه كانت هناك ثلاثة تيارات رئيسية، ممثلة في الشيخ، الليبرالي، التقني، حسب تصنيف بعض المفكرين للوضع الفكري، إن سلم له ذلك التقسيم.

ويمكن التساؤل هل استطاع صاحب هذه الأطروحة تجاوز الإشكال، أم تر أن أطروحته ظلت حبراً على ورق، ثم هل هذه الأطروحة قابلة للتنزيل أم هي تفتقد الشروط الضرورية لتنزيلها، استطاع اسم إقبال إلى جانب آخرين أن يصمد طوال القرن العشرين،  وما زالت أفكاره إلى جانب آخرين تناقش إلى اليوم، لكن الإشكالية التي كانت مطروحة ما زالت أيضاً، بل ربما اليوم قد اتسع الخرق على الراقع.

عند التمحيص في هذه الأطروحة يمكن القول إنها ببساطة تفتقد شروطا معرفية ضرورية، صحيح أن طموح إقبال كان هو تجاوز الصراع الواقع بين الشرق والغرب، لكن هذا الصراع قديم في الزمن، قد يتمظهر في صور معينة، حسب الحضارات التي تسود هنا أو هناك، لكنه لا يمكن تجاوزه بسهولة، ثم إن الأطروحة نفسها هل هي فعلاً حيادية أو تحاول التوفيق، أم تر أنها انتصرت لطرف على آخر.

يبدو أن إقبال وكما هو واضح من كتاباته وأفكاره، انتصر للغرب على حساب الحضارة الإسلامية، حيث كما سلف، فإن قوله بمبدأ حركية الإسلام يعني أنه منتصر لفلسفة معينة، وهذا قد يثير الكثير من الأسئلة، ولا يسلم هذا الأمر، فهو لا يختلف في الحقيقة عن الأطروحات الداعية للقطيعة مع التراث، حيث إن قوله باستدعاء روح الإسلام، أو روح الحضارة الإسلامية، قد يعني تجاوز الحضارة الإسلامية، وخاصة إذا ما استحضرنا آراءه في مسألة التجربة الدينية وقضية النبوة، مما يعني أن إقبال لم يعد أن انتصر للجانب الفلسفي في الحضارة الإسلامية، وهذا الذي جعله يرفض المدارس الفقهية، من غير الاطلاع على إرث الفقهاء حتى، بل لمجرد الإيمان بيوتوبيا ربما يصعب إيجاد سند لها في الواقع.

ثم هناك أمر آخر يبدو أنه مثير للتأمل في فكر إقبال، فهو وإن كان معجباً برواد النهضة، مثل هيجل وفختة وغيرهما، إلا أنه معجب أيضاً ببعض المفكرين الذين اعتبرهم أنهم ثوريون أو جسدوا مبدأ الحركة الذي ادعى أن الإسلام يدعو إليه، مثل ابن تيمية وابن عبد الوهاب، لكن هل كان يعرف ما آثار أفكار هؤلاء على بلاد المسلمين في القرن العشرين والواحد والعشرين، هل كان يتوقع ظهور حركات تمارس العنف بالاستناد إلى الإسلام وتستند في تفسيراتها وتأويلها للنصوص الدينية على تفسيرات هؤلاء؟

وهناك أمر آخر يبدو مثيراً للتساؤل في فكره، وهو استناده للتجربة المسيحية، بل قد يمكن القول في الحقيقة هو حاول استعارة التجربة التي خاضها فلاسفة النهضة فيما سمي بالإصلاح الديني، وتطبيقها حرفياً على التجربة الإسلامية، ويبدو هذا جلياً في استشهاده بالتجربة التاريخية التي خاضها الرومان مع الديانة المسيحية، في محاولة منهم للتوفيق بين الديني والدنيوي أو الزمني، ولهذا نجده ينتصر لهذا الرأي لكنه يقول إن الإسلام خلاف ذلك، لكن حينما يمثل على ذلك، يظهر أن فكره في الحقيقة متأثر أكثر بتجارب الفلاسفة الغربيين أكثر من العلماء المسلمين.

ويتضح هذا أكثر عند حديثه على تاريخ الفقه الإسلامي، فأطروحته في ذلك هي الأطروحة التي روج لها المستشرقون، من أن الإسلام تأخر تدوينه، وأن ما دون ما هو إلا وجهة نظر في الدين من وجهات نظر أخرى أيضا، ربما لم تستطع مقاومة التغيرات التاريخية فتلاشت واندثرت، وهذا يعني أيضاً أن النص مطواع ويمكن ملاءمته مع جميع الظروف، ويمكن إيجاد فيه جميع الأفكار أيضاً، وهذا ما صرح به أحد المستشرقين، وحاول تطبيقه المستشرق الشهير جولد زهير، في كتابه مذاهب التفسير الإسلامي.

عند الوقوف على سيرة إقبال وطبيعة تكوينه، وكذلك عند اهتماماته ومؤلفاته، يبدو أن الواقع السياسي الذي عاشه كان له تأثير على تشكل أفكاره لا محالة في ذلك، كما أن هذه الأطروحة تبرز جلياً إعجابه وتأثره بالحضارة الغربية أيضاً، وخاصة بالفكر الليبرالي، واهتمامه بشكل خاص بالجانب السياسي، أو بالتجربة السياسية للمسلمين، على غرار آخرين سواء ممن عاصروه أو جاؤوا بعده، حيث كانوا يرون التغيرات التي تحدث في العالم الإسلامي، ومن ثم لم يكن يهمه غير البحث عن النموذج السياسي الأمثل، أو على أفكار من النموذج السياسي تساند أطروحاتهم.

إقبال كان مناصراً للتجربة الليبرالية، ومن دعاة تبني الدولة القومية الحديثة، وما أطروحته هاته إلا خير بيان على ذلك، وخاصة في دعواه إلى تأسيس مجلس تشريعي يمارس الاجتهاد، والذي ربما يقصد به هو المؤسسة التي تسهر على سن القوانين في الدولة الحديثة، كما أنه لم يقل بحصر الاجتهاد على العلماء، بل هو لعامة المسلمين المؤهلين، أو هو يكون لنواب الأمة الممثلين لها، تحت إطار أن ما رآه المسلمون حسناً فهو حسن.

خاتمة 

هذه الأطروحة يبدو أنها غير واقعية، تجاوز جميع المدونات الفقهية بدعوى الرجوع إلى النصوص واستلهام روحها، في الحضارة الإسلامية يبدو أنه صعب التحقق، فهذه المذاهب الفقهية ليست أفكاراً اندثرت في التاريخ، بل جزء من الهوية الاجتماعية للمسلمين في مختلف بلدان العالم، ثم إن هذه الفكرة لم تؤد إلا إلى الفوضى في تفسير النصوص، وتشريع العنف باسم الدين، لكن هناك جانب مهم فيها، وهو الدعوى إلى جعل مؤسسة تمارس الاجتهاد، والدعوى إلى إحيائه أيضاً، على أساس أنه يمثل حركية الإسلام ومرونته، في دعوى لتجاوز التقهقر الذي كان يعيشه المسلمون في مختلف بقاع العالم.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال مقالاتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: [email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

سفيان الغانمي
كاتب رأي مغربي
تحميل المزيد