جيش فاشل وصمود أسطوري وثقة في إرادة الله وتدبيره!‎

عربي بوست
تم النشر: 2023/12/06 الساعة 14:34 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2023/12/06 الساعة 14:34 بتوقيت غرينتش
قوات الاحتلال الإسرائيلي في غزة/رويترز

بعد مرور أكثر من شهرين على معركة طوفان الأقصى ظهر جلياً فشل الجيش الإسرائيلي في إدارة المعركة ومسارها ولم ينجح عسكرياً في تحقيق الأهداف المعلنة، فعلى المستوى الميداني نجح جيش الاحتلال الإسرائيلي في تدمير ودمار ومجازر وإبادة للمدنيين في غزة، وأصبحت غزة منطقة منكوبة لا تصلح لحياة من ينجو من المجازر، ونجح نتنياهو في انتزاع لقب "جزار غزة"، منتظراً مصير جزار البلقان، كما وصفه الرئيس أردوغان.

وفي داخل غزة نزح أكثر من مليون وثماني مئة ألفٍ نزوحاً داخلياً للبحث عن مكان يصلح للحياة.

لقد عجز العالم كله في مهمته التي تسارع من أجلها في القضاء على حماس وحركات المقاومة الإسلامية في غزة، واعترف الرئيس الفرنسي ماكرون بصعوبة الحرب في غزة واستحالة تحقيق الأهداف بالقضاء على حماس، وإذا كان هذا هو الهدف، فإن الحرب يمكنها أن تستغرق عشر سنوات من أجل تحقيق ذلك الهدف.

أما منحنى التوافق الأوروبي والأمريكي الرسمي في دعم الاحتلال الإسرائيلي فقد بدأ في التراجع، ولم يصبح متطابقاً بعد استمرار الخسارة العسكرية في الميدان مع استمرار المجازر الإنسانية في غزة، وبصورة خجولة دون التخلي عن دعم الاحتلال الإسرائيلي تغيرت التصريحات الرسمية المعلنة من وزارة الخارجية الأمريكية ووزارة الدفاع، بينما لن تتخلى الولايات المتحدة الأمريكية عن دعم إسرائيل رغم تغير لغة الخطاب الإعلامي العسكري. 

بعد فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق الأهداف المعلنة قبل الهدنة عادت الضربات الجوية المتصاعدة أكثر دماراً وسعاراً وجنوناً، خصوصاً بعد التمركز والتموضع الخاطئ للقوات المسلحة الإسرائيلية والتي كانت صيداً سهلاً للمقاومة؛ حيث تم قتل أعداد كبيرة جداً في أماكن التمركز والتموضع الجديد؛ وقد حاولت إسرائيل التوصل إلى هدنة ولو ليوم واحد لسحب قواتها المتورطة في غزة، لكن المقاومة الإسلامية في غزة رفضت تلك الهدنة. 

المقاومة الإسلامية في غزة قد صنعت المعجزة من المستحيل وحققت نجاحات كبيرة ومعجزات عسكرية غير مسبوقة وتفوقاً ميدانياً كبيراً، لكن في المقابل هناك موقف عربي ودولي متخاذل وخائن إلى أقصى حد ويُحمل المدنيين في غزة ما لم يستطيع أن يتحمله بشر!

لقد سقطت على غزة جميع أنواع الأسلحة والقنابل الاهتزازية والذكية والارتجاجية والضوئية والفوسفورية والإسفنجية وكل الذي أنتجته مصانع الأسلحة في أمريكا ولم تتم تجربته من قبل، قد تم تجريبه على غزة وشعبها.

لن يتغير رأينا حول معركة طوفان الأقصى؛ حيث إنها الضربة الاستباقية الموجعة والمؤلمة التي فرضت واقعاً جديداً على الأرض وانتصرت المقاومة الإسلامية في فرض واقع جديد ومختلف وبعثرة كل المخططات الاستيطانية والاستعمارية، وأوقفت التطبيع المجاني من الدول العربية لإسرائيل وإعادة طرح القضية دولياً وإقليمياً.

إن نتائج الحرب في غزة سوف تتغير معها الأوضاع بالمنطقة بكاملها وطرفي المعركة يدركون أنها تحولت إلى معركة صفرية، لا بدّ أن تختلف نتائجها وتداعياتها عن المواجهات السابقة، ولكن لا بد من وقف لهذا السعار والجنون غير المسبوق من الجيش الإسرائيلي المحتل ومحاولة إيجاد حل لوقف تدهور الحالة الميدانية للمواجهة.

واضح من تلك المعركة أنها ليست كسابقاتها من مواجهات، وأنها حملة صليبية يشترك فيها الأمريكان وبريطانيا وأوروبا وإسرائيل مجرد كومبارس ونتنياهو مجرد عسكري يدير تلك المعركة، وكلما زادت مدة الحرب كلما تقلصت الفرص لتحقيق انتصار يغسل حجم العار والدمار والخسائر وتهشم أنوفهم، ونظن أن نجاحهم أصبح من المستحيل. 

حتى الأنفاق التي يختبئ فيها المجاهدون غير الأنفاق التي يمكن أن تدمرها كل تلك الإمكانيات والقدرات العسكرية المهولة؛ حيث إنها فاشلة حتى الآن ميدانياً وعسكرياً، ويصرح قادة الحرب في إسرائيل بأنها أنفاق غير مسبوقة وغير عادية، ولا نعلم عنها شيئاً ولا ندري أولها من آخرها ولا بدايتها من نهايتها.

إنهم في مواجهة المقاومة الشبح الذين يشعرون معها بالعجز والتقزم والإنهزامية التامة، وحالة من اليأس والإحباط واستمرار الخسائر والتورط في وحل هزيمة مؤلمة وانسحاب قوات الاحتلال من شمال قطاع غزة وهروب جنود وكبار الضباط من الميدان. 

ورغم ذلك، فإن ما يحدث ميدانياً من استهداف إسرائيل للمستشفيات والأبنية المدنية وقتل وإبادة للمدنيين والأطفال والنساء والصبيان، شيء في منتهى البشاعة والفظاعة لا يتحمله بشر، كيف يمكن تصور ذلك وإلى متى نطلب من أهل غزة الصمود والثبات وإلى أي حد يستطيعون، لم يعد هناك مكان آمن يمكن النزوح إليه أو الاحتماء فيه، وأصبح الجميع مستهدف دون تمييز، ولا رحمة ولا إنسانية.

تحكي إحدى الصامدات عن ثباتهم:

"لم يتبقَّ حل أمامنا سِوى الصمود في بيتنا وسط الموت المحيط بنا والفَزع، ليس لأننا أساطير لا نخاف ولا نُحب الحياة، فنحن دمٌ ولحمٌ مثلكم تماماً نشعر نفزع نبكي نخاف، نحن مُجبرون على الصمود حتى النصر أو الشهادة، دعواتكم لنا". 

ريناد علاء البطة.. خان يونس الصّامدة.

وبعد كل ذلك الصمود من ناحية، وذاك الفشل والهزيمة من ناحية أخرى، فإنه لا تزال أمريكا تخطط لترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار، ترتيبات أمنية واستخبارية ذات بعدين؛ أحدهما ترتيب داخل غزة بوضع قوة دولية أمنية أممية مع إجراء إصلاحات هيكلية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وتسليمها القطاع رغم التأكد من صعوبة المهمة، أو الضغط على سكان القطاع في جنوب غزة لتجاوز الحدود مع مصر، وإجبار مصر على قبول لاجئين من باب إنساني وإفراغ القطاع من السكان.

تلاشت كل أهداف الحرب المعلنة، ولم يتبقّ منها غير هدف التهجير، لكنه سوف يكون أمراً غير يسير، وأمام تلك المشاهد المليئة بالدماء والأشلاء والإبادة، تنفطر قلوبنا جزعاً وتنهمر أعيننا دماً ودمعاً، وربما نقول في أنفسنا ألماً: أينَ الله؟ ولماذا لا ينتقمُ لغزَّة؟!

روى مسلمٌ، وأحمدُ، والنّسائيُّ، وأبو داود، من حديث أبي هريرة، أنَّ النبيَّ ﷺ جاءَه ناسٌ من أصحابه فقالوا: يا رسولَ اللهِ، نجدُ في أنفسِنا الشيءَ نُعَظِّمُ أن نتكلَّمَ به، ما نحبُّ أنَّ لنا الدُّنيا وأنَّا تكلمْنا به!

فقال لهم النَّبيُّ ﷺ: أوَقَدْ وجدتموه؟

قالوا: نعم!

فقال لهم النّبيُّ ﷺ: ذاك صريحُ الإيمانِ!

يقول أحد الدعاة إلى الله:

الأزماتُ والفِتنُ ملعبُ الشّيطان، وفُرصتُه السّانحة ليُفسدَ على المُؤمنِ إيمانه، ويعبث بمقامِ اللهِ في قلبه، ونحن بشرٌ في نهاية المطاف، تخفى علينا حكمة الله جلَّ في علاه في بعض الأمور، وليس لنا من الأمر إلا ما نُشاهده، وتدور في العقل أسئلة، يخاف المرءُ أن يتحدّث بها، ويدفعها بالاستغفار، وهذا ليس من نواقض الإيمان بل من كماله، فكلما غابتْ عنكَ الحكمة فسلِّمِ الأمرَ لصاحب الأمر، هو أعدل وأرحم من أن يُراجع في قضائه، أو أن يُسأل عمّا قدَّره في ملكه، وكُلنا عبيدٌ في مُلكه.

إنَّ الأشياء تُؤخذُ بمحصّلتها النهائية وليس بظرفها الحالي، فلو شهدتَ فرعون يُلقي أبناء الماشطة في الزيت المغلي حتى تطفو عظامهم، ثم يُلقيها معهم حتى تطفو عظامها أيضاً، لسألتَ سُؤال العبد المُتلهّف للانتقام:

أين الله؟ ما ذنبُ الأطفال أن يُقتلوا بهذه البشاعة؟ ولمَ لا يدفعُ عن هذه المسكينة؟

ثم ما الذي حدثَ بعدها؟ 

فرعون أطبقَ الله تعالى عليه البحر وهو خالدٌ مُخلّد في النّار، والماشطة وأولادها شمَّ النبيُّ ﷺ ريحهم في الجنة ليلة المعراج!

لو أنفذَ اللهُ تعالى انتقامه عند كلّ ظلمٍ لانتفى مبدأ الامتحان في الدُّنيا من أساسه.

ولو ربحَ الحقُّ كلّ جولةٍ في صراعه مع الباطل لامتلأتْ صفوفه بعُبَّاد النّتائج!

ولكنَّ الله تعالى أراد هذه الدُّنيا زلزالاً للقلوب، وصاعقةً للمبادئ.

فإنْ لم يكُنْ عدوانٌ وإجرامٌ فكيفَ سيُمتحنُ العبادُ بفريضة الجهاد، ثمّ ينقسمون إلى مجاهدين ومتخلّفين، وإلى مُناصرين ومُخذّلين، وإلى مُنفقين في سبيل اللهِ وباخلين في سبيل الشّيطان!

إنَّ مخاضَ امرأة واحدة يصحبه طلقٌ وألم ودم، هذا والميلاد طفل! فكيف بمخاض أُمّة كاملة والميلاد ميلاد عزٍّ ودولة.


إنّكَ لو كنتَ في قريشٍ حين أوتدَ أبو جهلٍ لسُميّة في الأرض وربطها ثمّ أنفذَ فيها حربتَه لقلتَ كما تقول الآن: أين الله؟

وإني أسألكُ: فأين سُميّة الآن وأين أبو جهل؟!

وإنكَ وقتذاك لو رأيتَ بلالاً على رمضاء مكّة والصخرة على صدره، وأميّة بن خلفٍ يطلبُ يأمره أن يذكر اللاتَ وهُبل، وهو يُرددُّ بما بقي فيه من نفسٍ: أحدٌ، أحد!

لقلتَ: أين الله الأحد؟!

وإني أسألكَ الآن: فأين بلالٌ الآن وأين أُميّة!

ثمَّ وإن كنتَ لا ترى من النّصر إلا ما يكون في الدُّنيا، فأنتَ وقتذاك ما كنتَ تحسبُ أن نصراً سيأتي! ولكنك تعلمُ الآن أنّ مكّة قد فُتحت، دخلها الذين كانوا يُعذّبون فيها من أبوابها الأربعة في وضح النّهار!

إنَّ للرّب الحكيم توقيته في الحوادث، فإن فهمتَ فالزَمْ، وإن لم تفهَمْ فسلِّم.

وأبشروا فإن الجولة لأهل فلسطين ومن حولها ولن تكون لغيرهم أو عليهم. 

ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال مقالاتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: [email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

أحمد هلال
حقوقي وكاتب مصري
حقوقي وكاتب مصري
تحميل المزيد