عن المقاومة والتاريخ.. حينما يكون النصر حليف المستضعفين (1)

عربي بوست
تم النشر: 2023/11/28 الساعة 10:25 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2023/12/10 الساعة 09:47 بتوقيت غرينتش
المقاومة الفلسطينية - shutterstock

لا تتوقف الشعوب المقهورة عن مقاومة عدوها الظالم بحجة ضعفها مقارنةً بقوته، بل على العكس، دائماً ما يتحول هذا الضعف لقوة إيمان بعدالة القضية، فتعمل على استغلال نقاط ضعف العدو ومحاولة تحييد نقاط قوته بكل ما استطاعت من جهد، ومهما عظمت التضحيات، فالشعوب الحرة تعلم أن الحرية ثمنها غالٍ من دماء المقهورين.

في بعض الأحيان تدور معارك بين طرفين غير متكافئين في القوة، وأحيانا يكون فارق القوة كبيراً جداً، لدرجة أنه لا يمكن المقارنة بمقاييس القوة بينهما. 

ولكن حسن استخدام موارد القوة وتحييد مواطن قوة العدو إن أُحسن استخدامه يمكن أن يغير نتائج الحرب لصالح الطرف الأضعف. 

وموازين القوى بين الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة مختلة تماماً لصالح الاحتلال، ولكن حسن استخدام المقاومة لما تملكه من مصادر قوة عسكرية وغير عسكرية أفشل مخططات الاحتلال، فبعد أكثر من 50 يوماً لم يحقق الاحتلال أهدافه المعلنة، وهذا يعتبر نصراً وإنجازاً كبيرين للمقاومة. 

لا تملك المقاومة طائراتٍ ولا مركبات مدرعة ولا مدفعية ولا قوات بحرية ولا وسائل دفاع جوي، ورغم كل ذلك نجحت في صدِّ ترسانة عسكرية إسرائيلية بها أحدث وأعتى الأسلحة الأمريكية، ناهيك عن الدعم الأمريكي والأوروبي الكامل على جميع المستويات: عسكرياً ومخابراتياً ودبلوماسياً واقتصادياً وإعلامياً، في حين أن العالمين العربي والإسلامي لم يُقدما لفصائل المقاومة سوى بعض بيانات الشجب والاستنكار، وحتى المساعدات الطبية والإنسانية عجزوا عن تقديمها. 

وكان لا بد لفصائل المقاومة من حلٍّ أمامَ القوة الغاشمة، فكان استخدام الصواريخ، ورغم عدم دقتها الكبيرة، وإسقاط الكثير منها، فإنها أذاقت الاحتلال من نفس الكأس، وجعلت الحياة فيه غير آمنة. 

فمع كل رشقة صواريخ تقرع صافرات الإنذار في الداخل المحتل، وتتوقف الأعمال والمصانع والمطارات ومعظم الموانئ، إذ لم يعد يقتصر دور المقاومة على تكبيده خسائر عسكرية فقط، بل خسائر اقتصادية وسياسية شاملة.

بالإضافة لذلك نرى كيف تدير المقاومة ملف أسرى العدو كورقة للتفاوض، فمن ناحية تعمل على تحرير الأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال، ومن ناحية أخرى هي وسيلة لضرب الجبهة الداخلية الإسرائيلية، التي تبدو منقسمة بشدة لأول مرة خلال حروب الاحتلال مع العرب. 

وفي الميدان، بعد أن بدأت الدبابات الإسرائيلية التوغل في غزة، جاءت فرصة المقاومة لتحييد وتدمير تلك الدبابات والعربات العسكرية، إذ استطاعت المقاومة تدمير حوالي 335 آلية إسرائيلية منذ بدء الحرب، والعديد من تلك الآليات العسكرية تم تدميرها من المسافة صفر، أو عن طريق مهاجمتها بصواريخ الـ"آر بي جي"، هذا بالإضافة إلى براعة المقاومة في اقتناص الجنود المشاة، عبر الخروج من الأنفاق واصطيادهم. 

نجحت المقاومة في تحويل الضعف والحصار إلى نقاط قوة لتحييد قوة الاحتلال، فبالإيمان والمثابرة على العمل المقاوم أعدَّت المقاومة شبكةً ضخمةً من الأنفاق تُخفي مقاتليها عن استطلاعات الاحتلال وقصفه الجوي، كما أضعفت وجود وفاعلية الدبابات داخل الميدان، إذ فقدت كثيراً من فاعلية مدافعها، ما حوَّلها في أفضل الأحوال إلى مجرد ملاجئ حصينة لجنود الاحتلال، لكن المقاومين كثيراً ما حوَّلوها إلى أفران حديدية تَشوي من بداخلها. 

كما نجحت المقاومة في استغلال ضعف الكيان المحتل تجاه خسائره البشرية والأسرى، فأخذوا المئات من الأسرى خلال عملية طوفان الأقصى؛ ليكونوا ورقة تفاوض حول أسراهم ووقف إطلاق النار. 

إن ما تُحققه المقاومة اليوم من انتصارات بعتادها القليل ومساحتها الجغرافية الصغيرة، مقارنةً بقوات الاحتلال والدعم الهائل الذي تتلقاه لَهو شيء مبهر وإعجازي، وهو امتداد لتاريخنا الإسلامي الذاخر بالانتصارات في معارك لم تكن فيها موازين القوة متكافئة، بل أحياناً كانت تتحالف قوى كبرى كثيرة، مثل ما نشاهده اليوم ضد المقاومة، كانت تحتشد في الماضي في مواجهة جيوش المسلمين الصغيرة، رغم ذلك كان ينتصر المسلمون حين يحسنون استغلال نقاط قوتهم ونقاط ضعف العدو، فيتمكنون من السيطرة على إدارة المعركة وخداع العدو، أو على الأقل يمنعون العدو من تحقيق نصر كبير أو تحقيق أهدافه.

فعلى سبيل المثال "غزوة مؤتة"، حينَها كان جيش المسلمين تعداده 3 آلاف مقاتل في مواجهة مئتي ألف مقاتل من الروم والقبائل العربية التابعة لهم. رغم ذلك دخل المسلمون الحرب فقُتل قائدهم زيد بن حارثة، فتولى القيادة جعفرُ بن أبي طالب فقُتل، فتولى القيادةَ عبدُ الله بن رواحة، وكان تولي الثلاثة للقيادة بالترتيب بوصيةٍ من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما قُتل عبد الله بن رواحة تَوَافق المسلمون على تولي خالد بن الوليد القيادة، فنجح بالثبات بهم حتى حلول الليل.

ورغم قلة العدد أعاد القائدُ خالد بن الوليد ترتيب صفوف المسلمين، ليُوهم الروم بأن مدداً جاء للمسلمين، فجعل الميمنةَ ميسرةً، وجعل الميسرةَ ميمنةً، ومَن في المؤخرة جعلهم في المقدمة، حتى يجد جنودُ الروم وجوهاً غير التي كانوا يقاتلونها ،كما أمر خالد مجموعةً من الخيّالة بأن تنطلق لتثير غباراً، فظن الروم أن مدداً وصل لجيش المسلمين، وصبر المسلمون في هذا اليوم وقتلوا من الروم مقتلةً كبيرةً، فلما حلَّ الليل انسحب بهم خالد رضي الله عنه. واتّهم بعض أهل المدينة الجيش بأنهم الفرّار، الذين فروا في مواجهة الروم، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم سمّاهم الكرّار ودافع عنهم وأثنى عليهم.

كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم بالوحي ما سيحدث بالمعركة، حتى إنه عيَّن زيداً قائداً، وعلم أنه سيُقتل، فعيّن مِن بعده جعفر وعلم أنه سيُقتل، فعيّن مِن بعده عبد الله بن رواحة وعلم أنه سيُقتل، وسيتولى القيادة بعده سيفٌ من سيوف الله وهو خالد بن الوليد.

كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أنه يرسل جيشاً صغيراً ليحارب القوة العظمى في ذلك الوقت وهي دولة الروم، ولم يتخاذل المسلمون لقلة أعدادهم وقوة عدوهم، بل ما زادهم ذلك إلا تصميماً وحباً في الشهادة.

كما أحسن خالد بن الوليد استخدام ما لديه من قوة في مواجهة جيش يفوقه سبعين مرة. وكان حسن انسحاب خالد بن الوليد بجيشه بمثابة نصر، في ظل موازين القوى في هذه المعركة.

المقاومة
معركة "ملاذكرد

وكانت هناك معركة "ملاذكرد" بين السلطان السلجوقي ألب أرسلان وجيشه المكون من 20 ألفاً، في مواجهة جيش تحالف أوروبا بقيادة الإمبراطور البيزنطي رومانوس ديوجينيس، وجيش تعداده 200 ألف مقاتل، ومكون من تحالف من كل أوروبا من أنجلوساكسون وفرنسيين وبلغار وأرمن وجورجيين وغيرهم من المرتزقة والمتطوعين الأوروبيين. 

حينَها أيضاً رغم أن ميزان القوى لا يصبُّ في مصلحة المسلمين، إلا أن السلطان السلجوقي أحسن استخدام موارد قوته في مواجهة جيش يبلغ تعداده عشرة أمثال جيشه. وانتصر السلطان ألب أرسلان واستطاع أسر إمبراطور البيزنطيين ثم أخلى سبيله بعد الحرب. كان الانتصار في موقعة ملاذ كرد انتصاراً شديد الأهمية، إذ كانت بداية فتح المسلمين لكامل الأناضول ثم القسطنطينية بعد ذلك ثم شرق أوروبا.

لننظر لتاريخنا لنستشرف المستقبل، فغالباً لم تكن موازين القوى في صالحنا، إذ كانت جيوش المسلمين في فتوحاتها الكبرى منذ بدر وما بعدها الأقل عدداً وعُدة، ولكنها كانت الأكثر إيماناً وتصميماً،  لذلك ينبغي لنا أن نشُدَّ على أيدي مقاومينا اليوم ونعينهم بقدر ما نستطيع، إن لم يكن بالسلاح والمال فعلى الأقل بالدعاء، ومقاطعة سلع العدو وحلفائه، بدلاً من أن نوجِّه اللومَ لهؤلاء الأبطال لأنهم دخلوا حرباً مع جيش احتلال يفوقهم قوةً بكثير.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال مقالاتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: [email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

عبدالله النجار
كاتب وباحث في الشأن السياسي
كاتب وباحث في العلوم السياسية
تحميل المزيد