الهجرة غير الشرعية والحدود السياسية.. كيف أصبح البحر المتوسط مقبرة للمهاجرين؟

عربي بوست
تم النشر: 2023/10/02 الساعة 13:07 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2023/10/02 الساعة 13:16 بتوقيت غرينتش
الهجرة غير الشرعية عبر سواحل البحر المتوسط نحو أوروبا/ Getty

استقيظت على خبر نُشر في بعض الصحف يفيد بأنَّ ( خفر السواحل الليبي يتعمد إغراق زورق للمهاجرين قبل انتشالهم)، وذلك يوم الجمعة المصادف 29 سبتمبر/أيلول، ومن المعروف عن المهاجرين غير النظاميين أنهم يسلكون أخطر طريق للوصول إلى أوروبا، ولقد مات أكثر من 2500 مهاجر غرقاً في المتوسط، من بينهم أطفال، منذ بداية هذا العام، وكما يقال الحبل على الجرار؛ لأن الهجرة غير النظامية متواصلة دون انقطاع، وتوقع المزيد من الضحايا عبر قوارب الموت غرقاً.

في عالم تحيط به الرأسمالية ومبدأ القوة من كل طرف، يهرب الناس بعشرات الآلاف من بلدانهم المصنفة عالمياً ببلدان العالم الثالث؛ جراء ظروف العيش القاسية واضطراب الأوضاع الأمنية والاقتصادية والسياسية وانتهاك حقوق الإنسان وأساليب العنف في أوطانهم الأصلية.

لكن طريق الهجرة ليس مفروشاً بالورود، إذ يتعرض أغلب المهاجرين قبل احتمالية الموت غرقاً إلى شتى أنواع الإهانة والامتهان والمذلَّة والتجاوز على أيدي مهربي البشر، إضافة إلى احتمالية تعرض النساء والفتيات للاغتصاب الجنسي على أيدي أفراد أو جماعات من المتحاربين، كما في بعض الدول الحدودية التي لا تنعم بالأمن، ورغم تطور القوانين الخاصة بحقوق الإنسان وتوسعها، لا تسع هؤلاء المهاجرين.

فهم مهاجرون غير شرعيين في أعين أوروبا، تلك الحديقة أو الجنة بالنسبة لبقية العالم، كما يسميها القائمون عليها، يريدون أن يحيطوها بالأسوار، ليحدوا من توجه أبناء الجنوب إليهم، فهم مهاجرون لم يتم اختيارهم عن طريق السفارات، لذلك هم مهاجرون غير شرعيين.

وأتعجب متى بدأ ذلك الوصف الظالم الإنسان يعاني من شظف العيش وانعدام الأمن والاستقرار، فقرر الهجرة بحثاً عن مكان يعيش فيه برغد وسلام عبر الحصول على أساسيات حياة الطبيعية من مأكل وملبس.

علماً بأن كل مهاجر أو كل من يمشي على الأرض من مكان إلى آخر بحثاً عن الرزق الحلال في نظر الشرع الإسلامي السمح هو مهاجر أو باحث شرعي لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)، (سورة الملك: آية 15).

غير أنَّ الدول الاستعمارية لا ترى ذلك، فحولت العالم من عالم الطبيعة الإنسانية المنفتحة لجميع البشر، إلى دول منغلقة الحدود، بعد أن كانت الأرض واحدة تفتح كل منطقة أو دولة حدودها لكل إنسان دون قيد أو شرط، حيث كان العالم وحدة ديموغرافية وجغرافية متماسكة من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه، ومن أقصى غربه إلى أقصى شرقه، تمَّ تحويله بواسطة الأهداف والنفوذ لصالح المستعمرين الأقوياء إلى ما يُعرف اليوم بـ"العالم السياسي". تم وضع حدود مصطنعة لكل دولة استناداً إلى اللغة واللون والعرق.

بالتالي، تغيرت حرية حركة الإنسان التي كان يمتلكها على الأرض من مكان إلى آخر، وأصبح بحاجة ضرورية إلى وثائق تثبت انتماءه إلى دولة معينة. ولا يقف الأمر هنا، إذ أصبح الإنسان في احتياج ليس لجواز سفر عادي، بل لجواز سفر خاص يمكن حامله من دخول الحيز الجغرافي السياسي لأي بلد يرغب في زيارته، وهذا الحق أصبح حكراً على أبناء الشمال فقط، بينما يظل بناء الجنوب مهاجرين غير شرعيين.

ولا بد هنا من ذكر ما قاله رائد الفضاء الأمريكي مايكل كولينز، والذي كان ضمن رواد الفضاء لمركبة الفضاء (أبولو 11)، عن تلك الحدود المصطنعة لخدمة الأغراض السياسية المشكوك بموقفها الإنساني الرحيم، إذ ذكر في مذكراته التي نُشرت بعنوان "حمل النار" (Carrying the Fire) حينما قال: "في رحاب لحظات كهذه، تتلاشى الحدود بطريقة ما، وننأى كثيراً عن صخب الأرض وضجيجها، وتخرس فجأة النزاعات كافة، وتدلف أخيراً إلى الصمت".

استطاع مايكل كولينز، من خلال مشاهدة الغيوم والقارات والبحار من أعلى، أن يدرك طبيعة أرضنا، وطبيعة الأواصر التي تربط الجنس البشري، فوصف الأرض بأنها "هشة"، وقال: "أعتقد حقاً أنه إذا تمكن القادة السياسيون في العالم من رؤية كوكبهم من مسافة 100 ألف ميل، فإن نظرتهم يمكن أن تتغير بشكل جذري. ستكون تلك الحدود المهمة للغاية غير مرئية، وسيتم إسكات هذه الحجة الصاخبة".

في الحقيقة فإن هذه الحدود السياسية الوهمية التي قسمت الأرض إلى مناطق جغرافية أصبحت صاخبة ومتمردة على القيم الإنسانية النبيلة المليئة بالخير والمحبة في مساعدة الآخر وانتشاله من حالة البؤس التي يعيشها، وأصبحت القيم النبيلة التي تدعو إلى الرأفة بالمحتاجين واللطف بهم، مرهونة بوثائق السفر والانتماءات الجغرافية والحكومات السياسية والديانات والإثنيات.

لقد انقلب العالم اليوم على تلك القيم النبيلة والمثل الفاضلة، واستعاض عنها في التعامل مع الآخر المضطر والمحتاج بالعدوانية وعدم المبالاة والإهمال والفظاظة والغلظة.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:[email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

جبار عبد الزهرة
كاتب عراقي
كاتب عراقي
تحميل المزيد