“أيما امرأة سألت زوجها طلاقا من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة”: لماذا يفسر هذا الحديث بشكل خاطئ؟

تم النشر: 2023/09/08 الساعة 08:55 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2023/09/08 الساعة 08:55 بتوقيت غرينتش

هل تفكرتم يوماً بحديث "أيما امرأة سألت زوجها طلاقاً من غير بأس، فحرام عليها رائحة الجنة"؛ فأكثرهم فهم منه المعنى الظاهر، وأصبح الحديث يُستعمل اليوم بكثرة للتخويف والتحذير، ويضاف له نصوص وشروح أخرى، مثل حديث "المختلعات هن الفاسقات" الضعيف.

حتى لأصبحت المرأة التي لديها السبب الوجيه للطلاق تخاف من طلبه. وللأمانة أنا لست مع الطلاق، ولا أحبذه، ولكن الله سبحانه جعله حلاً ومخرجاً، فيجب أن يبقى كذلك عند استحالة الحياة الزوجية، ولو كان الشعور بالاستحالة من طرف واحد: وإنه وكما يحق للزوج أن ينهي الحياة بكلمة "أنت طالق"، حين يشعر بعدم الراحة مع المرأة، لعيب فيها ولقصور في سلوكها، فإنه يجب أن يكون لها نفس الحق حين تشعر بذلك، ومن دون اختلاع، ومن دون اللجوء للمحاكم؛ فلا يحاط الطلاق بالصعوبات، حين يكون حلاً وحيداً، وهذه فكرة المقال، وهو سبب استشهادي بالحديث السابق. 

ولكي أوضح الفكرة المرادة، وللتمثيل، أحتاج لمقدمة قصيرة، سأذكِّر فيها بحكم الظهار: فالله سبحانه وتعالى خاطب الرجل وحده بالظهار، وجعل عليه كفارة فيما لو ظاهر من امرأته، على أن المرأة لم تُحذَّر من الظِّهار، وليس عليها كفارة عند الجمهور ولو ظاهرت من زوجها، والسبب أنها لا تملك هذا الحق أصلاً، فقولها لا يُغيِّر شيئاً. وهنا أصل لهدفي الذي يبرز في سؤال: فكيف تُحذَّرُ المرأة من طلب "الطلاق" وهو ليس بيدها، ولا تملكه، ولا يمكنها إجبار زوجها عليه، إن هي إلا كلمة تقولها "طلقني"، ثم لا يترتب عليها حكم شرعي، ما لم يلفظ زوجها كلمة الطلاق؟! فإذن هناك فكرة أعمق وأهم في هذا الحديث:

 1- الحذر من التسرع من طرف المرأة، فينهدم البيت على سبب تافه وصغير.

2- الخوف من استفزاز الزوج، فيطلقها كردة فعل، ودون ترو وتفكير.

 3- ربما لأن طلبها فيه جرح لكرامته إذا كان رجلاً جيداً يقوم بكل واجباته ويتحمل مسؤولياته وهي ساخطة، مما قد يثير مشاعره السلبية تجاهها، ويحزن من عدم تقديرها لجهوده، فتذهب المودة والمرحمة والسكينة، وتتحول الحياة للجفاف والبرودة العاطفية، لأن كفران العشير مؤلم ومحبط.

 4- ربما -وهو الأهم والأرجح- أن على زوجها أن يستجيب لها ويطلقها حين تطلب الطلاق، وهي فكرة المقال: "المرأة حين تطلب الطلاق، فينبغي على الزوج أن يستجيب لها ويطلقها". فالمرأة بالشرع الإسلامي كاملة الأهلية ومسؤولة، والمفروض ألا تطلب الطلاق إلا إذا كانت جادة، ولسبب قوي وقاهر، ولذلك حذر الحديث من أن يُجعل طلب الطلاق للتلاعب، وبالتالي لا تطلبه الزوجة إلا ببأس: فعندها يكون الطلاق مسموحاً به ولا مشكلة، ولا إثم على المرأة.

 ستقولون والمهر والنفقات المادية؛ هذه خسارة تقع على الزوج وحده، فكيف يستجيب لها ويطلقها ويخسر؟! وبالحقيقة الرجل لا يخسر شيئاً، إذ سيبقى له البيت والأثاث والكهربائيات وكل شيء، ويمكنه الزواج في بيته نفسه، وفي أي وقت. وأما المهر (والذهب جزء منه) فالزوجة كما قرر الشرع تستحقه كله بالدخول، بل تستحق نصفه لمجرد العقد عليها (ولو طلقها بعد لحظة)، فكيف يُنتزع منها إذا طلبت الطلاق لعيب بالزوج؟! وأصلاً المفروض أن تقبض المرأة مهرها كله عند العقد، وتتملكه كله عند الزواج فيكون بكل حال معها وفي حوزتها، والزوج قد دفعه وانتهى الأمر.

 وأما نفقة العدة التي هي ثلاثة قروء فليست شيئاً يُذكر، بل هي فرصة أخرى لتراجع المرأة نفسها. ولمن سيسأل "أليس المقصود بالحديث منعها من طلب الخلع"؟ والجواب: الحديث لم يذكر الخلع، ولم يذكر العوض المترتب عليه، لأن حكم الخلع مختلف عن حكم الطلاق وسببه مختلف، والمرأة لم تُحذَّر من طلب الخلع، بل هو شرع الله، وهو حلال، ولذلك جاء في البخاري حديث آخر يُقرِّ الخلع: "عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس: أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتردين عليه حديقته، قالت: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقبل الحديقة وطلقها..".

 فيجوز للمرأة اللجوء للخلع عندما تكره زوجها وتنفر منه بلا سبب ظاهر، ولا خطأ من طرفه، سوى المشاعر القلبية التي لا يراها الناس ولا يعترفون بها، لأنها مخفية، فالأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف، فهذه المشاعر المخفية اعترف بها الإسلام، واعتبرها سبباً مبرراً للخلع -حسب الحديث- ولا تؤاخذ الزوجة في حال افتدت، لأنها عوضت زوجها.

 وللتفرقة بين الطلاق والخلع:

 – الخلع حين يكون الزوج جيداً؛ فيتحمل المسؤولية، ويؤدي حقوقه، ويريد المرأة حقاً، وهي له كارهة.

 – وأما طلبها للطلاق من زوجها مباشرة فيكون بسبب بأس، والبأس كما عرفه الفقهاء: الشدة والمشقة، كسوء عشرة الزوج، وضربها أو إهانته لها، فإن لم تستطع الصبر والتحمل، فتطلب منه الطلاق، وينبغي أن يطلقها بالمعروف، بدل اللجوء للمحاكم وللقضاء، خاصة في زمننا هذا الذي قد يماطلون فيه لسنوات، إنها مصادقة للآية القرآنية: "وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ". والموافقة على طلب المرأة هو تصرف عاقل، يفعله الرجل صاحب المروءة والعزيز النفس، فإنه حين يشعر أن زوجته لا تريده، فإنه يطلقها، لأنه يعلم أن النساء كثيرات، وأنهن مختلفات بالطباع والقدرات، فيعطيها حريتها ويستبدل بها زوجة أكثر ملائمة له. وقد شهدت حالات واقعية استجاب فيها الزوج لرغبة زوجته وطلقها بالمعروف، وتزوج بعدها بمن تتوافق معه وتحتمله، وكان أكثر سعادة ورضا.

 وعادة ومن طبيعة الرجل أنه لا يرضى بالعيش مع امرأة ترفضه أو تبغضه، فيتركها غير آسف ولا متردد، وغالباً ما يهجرها ويتركها معلقة، ولذلك أمره القرآن ألا يعضلها، وأن يوفيها حقوقها، ويعطيها مهرها ونفقتها. وإن الزوج حين ينتقم منها فيمتنع عن طلاقها ويعلقها، ويهجرها عقاباً لرفضها له، ألا يأثم؟ وحين يجبرها الزوج على البقاء معه، ويطلبها لبيت الطاعة وهي كارهة، وقد أعذرت نفسها، وتورعت عن التقصير بحقه (بطلبها للطلاق)، فكيف سيعاتبها في حال امتنعت عن فراشه، أو قصرت في تأدية حقوقه، وعن التصرف كزوجة محبة، فسلكت طريق النكد أو الحرد، أو العصبية والغضب.
من الذي يأثم يا ترى هي، أم هو؟ وهل يحق للزوج التذرع بأنها ناشز، والقسوة عليها سواء بالكلمات أو السلوك؟ والمقال ليس دعوة للطلاق، فأنا لا أحب الطلاق، وخاصة بعد أن رأيت آثاره السلبية وأضراره الفادحة والمستقبلية على الزوجات، أي على الأمهات (قبل الأبناء). ولكن الطلاق أمر مباح ومشروع، والمقال للحالات التي استحالت فيها الحياة لعيب أو لتقصير في الزوج، وخاصة للحالات التي بدأت الزوجة تدخل فيها بدوامات الاكتئاب والبؤس والمرض والمعاناة.
فطلبت الطلاق عن تفكير وروية وبعزم وتصميم، وليس بعد ثورة غضب، أو على إثر مشكلة آنية، فإن على زوجها أن يطلقها، ويعفيها من البهدلة بالمحاكم، والممطالة والفضائح، إنها حالة تشبه طلاق الزوج لزوجته، حين يشعر أن حياته معها مستحيلة وأنها لا توافقه لقصور فيها، فيرمي عليها اليمين، ولا يُلام، لأنه أراد السلام، فاختار أهون الضررين.

 مع خالص التمنيات، وأحلى وأحر الدعوات، بأن يوفق الله بين الأزواج، ويؤلف بينهما، وأهمه أن يعطيهما العقل الواعي الكبير، وبعد النظر، لكي يديرا حياتهما حسب المصلحة وبكل حكمة.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:[email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

عابدة المؤيد العظم
أستاذة الفقه والشريعة الإسلامية
عابدة المؤيد العظم، مفكرة إسلامية وباحثة في الفقه وقضايا الأسرة
تحميل المزيد