سفن صغيرة يُتحكم بها عن بعد.. كيف يهدد سلاح أوكرانيا الجديد الأمن الغذائي العالمي؟

عربي بوست
تم النشر: 2023/08/21 الساعة 09:56 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2023/08/21 الساعة 09:56 بتوقيت غرينتش
سفينة مُحملة بالحبوب الأوكرانية كانت في مضيق البوسفور – صورة أرشيفية – رويترز

تعد منطقة البحر الأسود واحدة من أهم مناطق إنتاج الحبوب والتجارة في العالم؛ حيث تمثل حوالي 30% من صادرات القمح العالمية و15% من صادرات الذرة العالمية. وتعد أوكرانيا وروسيا من بين أكبر مصدري القمح في العالم، حيث كانت أوكرانيا رابع أكبر دولة وروسيا في المرتبة الأولى في عام 2022. ويعتمد كلا البلدين بشكل كبير على طريق البحر الأسود لنقل الحبوب إلى الأسواق الدولية وخاصة في أوروبا وآسيا وإفريقيا. 


ومع ذلك، فإن هذا المصدر الحيوي للغذاء والدخل لكلا البلدين والعالم قد تعرض للتهديد بسبب أزمة جديدة اندلعت في عام 2023 عندما خرجت روسيا من صفقة حدت من صادراتها من الحبوب وفرضت حظراً على أوكرانيا، متهمة إياها باستخدام الغذاء كسلاح.

 تسببت هذه الخطوة في ارتفاع أسعار الغذاء العالمية وأثارت مخاوف بشأن الأمن الغذائي في العديد من المناطق. كما تسببت في أزمة إنسانية في بعض المناطق، حيث قللت من إمكانية الحصول على الغذاء والمساعدة لملايين الأشخاص الذين يعتمدون على واردات الحبوب من أجل بقائهم.

وكان صراع صفقة الحبوب مظهراً من مظاهر الحرب المستمرة في أوكرانيا التي بدأت في عام 2014، بعد أن ضمت روسيا شبه جزيرة القرم ودعمت المتمردين الانفصاليين في شرق أوكرانيا. وعلى الرغم من المحاولات العديدة للتوصل إلى حل سلمي، استمرت الحرب في تهديد استقرار وأمن المنطقة والعالم. 

وأحد العوامل التي ساهمت في تكثيف الحرب وإطالة أمدها هو استخدام التقنيات الجديدة، وخاصة المسيرات البحرية من كلا الجانبين. 

المسيرات البحرية هي سفن صغيرة يتحكم بها عن بعد، منها ما يعمل بتحكم ذاتي جزئياً، ومنها من يعمل بشكل ذاتي تماماً، تعمل على سطح الماء أو تحته. ويمكن أن تحمل متفجرات أو أجهزة استشعار أو كاميرات أو حمولات أخرى ويمكن التحكم فيها عن بعد أو برمجتها لمتابعة مسار محدد مسبقاً، ويختلف حجم المسيرات البحرية في الحجم من أقل من 1 متر إلى أكثر من 20 متراً. وهي رخيصة نسبياً وسريعة وخفية؛ مما يجعل من الصعب اكتشافها واعتراضها من قبل القوات البحرية التقليدية. 


وتستخدم كل من أوكرانيا وروسيا مسيرات بحرية غير مأهولة لضرب سفن وموانئ بعضهما بعضاً في البحر الأسود، خاصة بالقرب من مضيق كيرتش الذي يربط شبه جزيرة القرم بروسيا. ولم تتسبب هذه الهجمات في إلحاق الضرر بالأصول البحرية فحسب، بل أدت أيضاً إلى تعطيل تجارة الحبوب في البحر الأسود وتعرضها للخطر نظراً لتدخلها في أنشطة الشحن والطرق التجارية والبنية التحتية. 

ووفقاً للمطور الذي تحدث إلى شبكة CNN الأمريكية، فهذه المسيرات البحرية إنتاج أوكراني بالكامل، إذ جرى تصميمها ورسمها واختبارها في أوكرانيا، ويزعم أن الروس لم يتكيفوا  معها إلى الآن. وتجادل أوكرانيا بأن الطائرات البحرية بدون طيار هي وسيلة مشروعة وفعالة للدفاع عن النفس والردع ضد العدوان الروسي. 

وعلى الجانب الآخر، تقول روسيا إن من حقها الدفاع عن سيادتها وأمنها في البحر الأسود، وإنها لم تغزُ أوكرانيا، لكنها تدعم حق تقرير المصير للشعب في شرق أوكرانيا. وتستخدم روسيا المسيرات البحرية لمراقبة ومضايقة السفن الأوكرانية وسفن خفر السواحل في البحر الأسود. 


وتعمل روسيا على تطوير مسيراتها البحرية محلياً، بالإضافة إلى الحصول على بعضها من مصادر أجنبية كما تزعم واشنطن، إذ تتخصص في صناعة الغواصات المسيرة تحت الماء، مثل الغواصة "بوسيدون"، الذي يبلغ مداها نحو 10 آلاف كيلومتر، وسرعتها 200 كيلومتر في الساعة وله رأس متفجر. بالإضافة إلى مسيرات بحرية أخرى لأداء مهام مختلفة مثل إيصال الرؤوس الحربية النووية وإجراء الاستكشاف تحت الماء وخداع رادارات العدو. 


وتجادل روسيا بأن مسيراتها البحرية هي وسيلة ضرورية وشرعية لحماية مصالحها الوطنية وأمنها في البحر الأسود. إذ تدعي استخدامها كرد على توسع الناتو وتجاوزه في المنطقة. كما تؤكد روسيا أن المسيرات البحرية هي رادع ضد العدوان الأوكراني. 


لقد غير استخدام المسيرات البحرية من كلا الجانبين ديناميكيات الحرب وميزان القوى بعدة طرق.

 أولاً، أدى ذلك إلى زيادة تكاليف ومخاطر العمليات العسكرية لكلا الجانبين. فتعين على كلا الجانبين استثمار المزيد من الموارد والقوى العاملة لحماية أصولهما من هجمات العدو وشن هجماتهما الخاصة. كما تكبد كلا الجانبيين المزيد من الخسائر والأضرار الناجمة عن ضربات العدو. 

وثانياً ، تسبب في حالة من الجمود في المجال البحري. إذ فشل كلا الجانبين في تحقيق تفوق بحري أو هيمنة على الآخر بسبب قدرتهما المتبادلة على مواجهة التهديدات البحرية لبعضهما البعض. 

وثالثاً، أدى ذلك لتحويل تركيز الحرب إلى مجالات أخرى، مثل الجانب الاقتصادي والتراجع عن صفقة الحبوب.

أثار استخدام المسيرات البحرية من كلا الجانبين العديد من الآثار القانونية والأخلاقية التي تحتاج إلى معالجة من المجتمع الدولي. إذ يطرح هذا النوع من المسيرات عدة تحديات لقوانين الحرب وحقوق الإنسان القائمة، لأنها تثير تساؤلات حول المساءلة والتناسب والتمييز والشفافية. 


حيث إن استخدام المسيرات البحرية من كلا الجانبين له أيضاً تأثير بيئي يحتاج إلى النظر فيه من قبل الجانبين والمجتمع الدولي، نظراً لما يمكن أن تسببه من أضرار جسيمة للنظام البيئي البحري والتنوع البيولوجي، حيث يمكن أن تعطل التوازن الطبيعي للمياه، أو تخلق تلوثاً ضوئياً، أو تطلق مواد سامة، أو تنشئ اضطراباً بالحياة البحرية.

كما يمكن أن تؤثر هذه المسيرات البحرية  على سبل عيش وأمن المجتمعات الساحلية في المستقبل، حيث يمكن أن تتداخل مع أنشطة الصيد أو السياحة أو التجارة أو الملاحة. ويمكن أن تشكل هذه المسيرات البحرية أيضاً تهديداً للبنية التحتية الحيوية، مثل خطوط الأنابيب أو الكابلات أو الموانئ أو الجسور. 


باختصار، صارت صفقة الحبوب في خطر بسبب الصراع في البحر الأسود والذي يغذيه استخدام المسيرات البحرية من كلا الجانبين. فلقد غيرت هذه التقنيات الجديدة ديناميكيات الحرب الروسية الأوكرانية وميزان القوى فيها، وستغيّر في المستقبل القريب شكل النزاعات البحرية التقليدية بشكل عام.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال مقالاتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: [email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

ألطاف موتي
باحث اقتصادي باكستاني
عضو اللجنة الدائمة للمسؤولية الاجتماعية للشركات، واتحاد غرف التجارة والصناعة الباكستانية كراتشي، باكستان. باحث سياسي واقتصادي، ومستشار الهيئات التجارية الحكومية وغير الحكومية، ورئيس شبكة التعليم في باكستان.
تحميل المزيد