تقلل خسارة الشركات لكنها تدمر العملة.. ما هي العقود الآجلة، وكيف تسهم في انخفاض الجنيه المصري؟

عربي بوست
تم النشر: 2023/03/25 الساعة 09:57 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2023/03/25 الساعة 09:57 بتوقيت غرينتش

منذ مارس الماضي، مع بدء مصر اتباع سياسة تحرير سعر الصرف، نتيجة ضعف السيولة الأجنبية بعد سحب المستثمرين عشرات المليارات من الأموال الساخنة على إثر الحرب الروسية، منذ ذلك الحين خفّضت مصر عملتها عدة مرات في سلسلة من التخفيضات المتتالية، ليكون الجنيه المصري قد فقد أكثر من نصف قيمته خلال مدة عام. 

وبعد أن كان سعره 15.6 جنيه لكل دولار في مارس، يتخطى سعره في اللحظة الحالية 30.90 جنيه مقابل كل دولار. وهو ما جعل العملة المصرية هي الأسوأ أداءً في العالم.

 وتعددت الأسباب التي دفعت العملة المصرية نحو الانخفاض المستمر، وتضع عليها المزيد من الضغوط، وأهمها أزمة نقص الدولار الخانقة التي يعانيها الاقتصاد المصري، والتي ألقت بظلالها على تباطؤ نمو القطاع الخاص نتيجة رفع سعر الفائدة، ووضع قيود على الاستيراد، وتكدس البضائع في الموانئ، وتعطيل الإنتاج.

مع ارتفاع مؤشر التضخم الذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة، حيث تخطى 40%، وبالإضافة إلى السوق السوداء التي تحرم الدولة من مصادر الدخل الأجنبي، ويجري تداول الدولار فيها بسعر مبالغ فيه، تصل قيمته في الوقت الحالي إلى 36 جنيهاً، وهو ما يجعل الحكومة المصرية تتجه نحو تخفيض العملة في محاولة للحاق بأسعاره في السوق الموازي.

كل ذلك أسهم في هبوط الجنيه المصري إلى أدنى مستوياته، وفي هذه المقالة سنتناول ما يمكن أن يُعتبر أحد أسباب انخفاض قيمة الجنيه المصري في الفترة الأخيرة، وأحد أهم المؤشرات التي تضطلع بدور أساسي في تقييم العملة وتحديد سعرها، استناداً إلى حالة عدم اليقين التي تواجه الاقتصاد المصري، وهو مؤشر "العقود الآجلة غير القابلة للتسليم" بين الشركات.

علاقة العقود الآجلة بانخفاض الجنيه

في الفترة الأخيرة ركزت وسائل الإعلام المعنية بالشأن الاقتصادي المصري، على التوقعات المتشائمة لخمسة بنوك عالمية، وهي "كريدي سويس، بي إن بي باريبيا، سوسيتيه جنرال، إم يو إف جي، جيه يي مورغان"، والتي أجمعت على أن العملة المصرية تنتظر مزيداً من التراجع خلال الفترة المقبلة.

العقود الآجلة

واختلفت تقديراتها بمقدار التراجع، ولكنها استندت بشكل أساسي في توقعها إلى تعاملات العقود الآجلة غير القابلة للتسليم، والتي تضع الدولار عند سعر 35 جنيهاً على المدى القصير، ما يعني انخفاض سعر الجنيه بحوالي 16% عن قيمته. أما على المدى الطويل لمدة 12 شهراً، فقد تراجعت العملة المصرية في العقود الآجلة، لتسجل ما يتراوح بين 38 جنيهاً و40 جنيهاً للدولار، بحسب بيانات وكالة "بلومبرغ".

وفي ظل استمرار ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الجنيه المصري إلى مستويات قياسية بالعقود الآجلة غير القابلة للتسليم، وزيادة التركيز على متابعة أسعار هذه العقود، فقد تكاثر الحديث عن حقيقة وواقع هذه العقود ومدى تأثيرها على قيمة الجنيه خلال الفترة الحالية.

ما هي العقود الآجلة، وكيف تُسهم في انخفاض الجنيه؟

العقود الآجلة هي عقود مالية مشتقة تتم بين طرفين، حيث يحدد كل طرف تاريخاً وسعراً مستقبليين، ويجب على المشتري الشراء، أو يجب على البائع بيع الأصل الأساسي بالسعر المحدد، بغض النظر عن سعر السوق أثناء تاريخ الانتهاء، حيث يضع كل طرف رهانه في العقود على السعر الذي سيصل إليه الجنيه المصري بعد عام من تاريخ توقيعه.

ولهذا السبب تُدعى آجلة، أي لا تحدث عاجلاً، وتستخدم للتحوط وتقليل الخسارة عندما يجد البائع مؤشرات على أن سعر العملة سيقل في المستقبل، كما أن تحديد السعر مقدماً يجعل الطرفين على جانبي العقد أقل عرضة للتقلبات. 

كما أن لها استخداماً آخر غير تقليل الخسارة، حيث يمكن أن تستخدم للمضاربة بهدف تحقيق سعر أعلى، عند العلم أن العملة ستنخفض قيمتها في المستقبل، وعلى سبيل المثال، إذا وقّعت شركة على عقد آجل بسعر 40 جنيهاً للدولار الواحد، وبعد مرور العام كان سعر الدولار 45 جنيهاً، يُسهم هذا التغيّر في سعر الصرف واتجاهه نحو الارتفاع في تحقيق الشركة أرباحاً ضخمة، وعلى العكس إذا انخفض دون الـ40 فلن تحقق الشركة أي أرباح. وهو ما يجعل هناك مخاوف من الضرر الذي يمكن أن تسببه هذه الآلية داخل الاقتصاد المصري، في ظل المخاطر التي تحيط به من كل الجهات. 

ما الذي تستند إليه العقود الآجلة في توقعاتها؟

عادة ما تقوم الشركات والبنوك الاستثمارية وصناديق التحوط العالمية باستخدام العقود الآجلة، عندما تواجه العملة تقلبات في أسعارها، ويكون السعر المستقبلي المتفق عليه بين الطرفين هو وسيلة حماية الأرباح والاستثمارات. ويحدث هذا في حالة العملات غير المحررة بشكل كامل، أو عندما تواجه أزمة ما، وتكون مُعرضة للتقلبات بفعل الفجوة بين السعر الرسمي والسعر بالسوق السوداء.

العقود الآجلة

ما يجعلها مؤشراً على سعر العملة في المستقبل، وذلك لأن المضاربات على قيمتها في المستقبل تكون مبنية على المخاطر التي تواجه هذه العملة، وضعف الثقة وعدم اليقين بشأن مستقبلها. ويضطر البنك المركزي غالباً إلى تخفيض العملة لسد الفجوة بين السعر الرسمي والآجل لمنع المضاربات على العملة.

وبحسب الباحث الاقتصادي مجدي عبد الهادي فإن "العقود الآجلة بمثابة توقع مُرجع لا غير، ولكن تكمن المشكلة الرئيسية في أن التوقعات في الاقتصاد عادة ما تحقق ذاتها"، وفي ظل الأزمة التي يعانيها الاقتصاد، والتضخم المتوقع، وتزايد الضغوط على الجنيه في الآونة الأخيرة، كل هذه الأسباب تجعل التوقعات تتحقق بسهولة، رغم أنها غير مبنية على معطيات فعلية، وإنما هي توقعات مبنية على حالة ضعف الثقة.

إذاً فإن توقعات العقود الآجلة غير القابلة للتسليم قد تجعل الجنيه المصري مقوماً بأقل من قيمته الحقيقية، وتحول التوقعات إلى حقيقة قائمة، وتدفع البنك المركزي إلى تخفيض قيمة العملة عند نسبة قريبة من هذه التوقعات، وهو ما يؤدي للدخول في دوامة من تخفيض قيمة العملة وارتفاع التضخم. 

أسباب انخفاض الجنيه في العقود الآجلة

تعود أسباب ضعف ثقة الأسواق في العملة المصرية إلى التحديات التي يواجهها القطاع الخاص المصري، من استمرار مستويات الانكماش في الإنتاج، مع التراجع بوتيرة حادة خلال العام المالي الحالي، إذ تعاني الأسواق من ضعف معدلات الطلب من قبل المستهلكين في ظل ارتفاع الأسعار، بالإضافة إلى القيود الموضوعة على الاستيراد ونقص العملات الأجنبية، وتحديات سلاسل التوريد.

بالإضافة إلى فشل الأدوات التي يستخدمها البنك المركزي في تحقيق استقرار في سوق الصرف، مع صعوبة اجتذاب الاستثمارات الأجنبية نحو السوق المحلي، بسبب تخوف المستثمرين من الأزمة الاقتصادية، وانخفاض حجم الأعمال نتيجة صعوبة الحصول على الواردات وأدوات الإنتاج. وفي ظل فشل سعي الحكومة لجذب تدفقات مالية من العملة الصعبة، وتأخر صفقات بيع الأصول المصرية، التي كان من المتوقع أن تُنعش خزائن الدولة وتُعينها على تلبية احتياجاتها، وحل أزمة شُح العملة الصعبة.

وفي الوقت الذي تتسع فيه الفجوة بين السعر الرسمي والسعر في العقود الآجلة والسوق الموازي، مع مراهنة الأسواق على انخفاض الجنيه، كل ذلك يزيد من الضغوطات التي يواجهها الاقتصاد المصري بفعل نقص العملة، وإحجام أسواق الديون عن القدوم، وهو ما سبق أن حدث في مارس وأكتوبر من العام الماضي، ويناير من العام الجاري، واستدعى حينها تخفيضاً جديداً في قيمة الجنيه لتقليل هذه الفجوة.

توقعات سعر الجنيه في الفترة المقبلة

ينتظر الجميع اتجاه لجنة السياسة النقدية في البنك المركزي لرفع سعر الفائدة خلال الاجتماع المقبل، في 30 مارس الجاري، وهو ما قد يؤثر سلباً على معدلات النمو، وسيرفع تكلفة التمويل العام، ويؤثر على مستويات الدين العام المرتفعة بالفعل.

وأفادت عدة تقارير حديثة أن الجنيه ينتظر المزيد من التراجع، ويتوقع بنك "إتش إس بي سي" أن الدولار سيصل لمستويات الـ35-40 جنيهاً خلال الأشهر القادمة. وأنه قد يصل إلى مستويات 37.5 جنيه كسعر متوسط خلال العام الحالي، بعد أن كان يتوقع في يناير الماضي أن يصل متوسط سعر صرف الدولار إلى 32.5 جنيه.

 فيما تتوقع وكالة "فيتش" أن يصل سعر صرف الجنيه أمام الدولار إلى 30 جنيهاً بنهاية العام الحالي، وذلك بعد أن ينخفض إلى 33 جنيهاً خلال الأسابيع القادمة. وترى الوكالة أن تراجع الجنيه هو الحل العملي لسد فجوة التمويل الخارجية التي تعاني منها مصر.

وأرجأت وكالة التصنيف الائتماني توقعها بارتفاع الجنيه بنهاية العام، بعد انخفاضه إلى 33 إلى العديد من العوامل، أبرزها قيام الدولة بالإسراع في بيع الأصول المملوكة لها، ما سيعني زيادة تدفقات العملات الأجنبية، وتنتظر تلك الدول مزيداً من الوضوح بشأن مسار الجنيه المصري، وتأكيدات بأن الحكومة تُجري إصلاحات اقتصادية عميقة قبل ضخ استثمارات في أسواقها.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:opinions@arabicpost.net

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

محمد عادل
كاتب وباحث مصري

التشاؤم بشأن الجنيه المصري يتراجع، فهل اقتربت نهاية أزمته؟.. إليك توقعات المؤسسات الدولية لمستقبله

عربي بوست
تم النشر: 2023/06/14 الساعة 10:53 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2023/06/20 الساعة 11:33 بتوقيت غرينتش
تعويم الجنيه المصري - تعبيرية/getty images

توقعات بتجنب مصر خفض قيمة الجنيه حتى سبتمبر/أيلول المقبل على الأقل، فيما يبدو أن سعر العملة قد استقر تحت قيمة الـ40 جنيهاً في السوق الموازية، فهل يثبت الجنيه عند هذا المستوى، وهل هذا يعني نهاية الأزمة الاقتصادية المصرية أم مجرد تخفيف لها؟

وصدرت هذه التوقعات من قبل بنك سيتي غروب الأمريكي، حسب تقرير نُشر في موقع اقتصاد الشرق مع بلومبرغ.

وتبدلت معنويات الأسواق بعد ظهور مؤشرات على أن الحكومة المصرية تكثف جهودها لبيع أو إدراج حصص من الشركات المملوكة للدولة، إضافة إلى الانتعاش المتوقع في قطاع السياحة، المرتقبة عودته إلى مستويات ما قبل الوباء.

وصعدت العقود الآجلة غير القابلة للتسليم للجنيه لأجل 3 شهور بنسبة 1% تقريباً هذا الشهر إلى 33.2 مقابل الدولار يوم الخميس الماضي. بعدما ارتفعت بنسبة 9% في مايو/أيار الماضي، الذي يعد أفضل شهر لها منذ فبراير/شباط 2017. بينما يتداول الجنيه بالقرب من 30.9 في السوق الفورية، بعد مسيرته الهبوطية منذ مارس/آذار الماضي.

وتمر مصر بأزمة اقتصادية عميقة، تراجع خلالها سعر الصرف من 15.5 للدولار، كسعر رسمي في بداية عام 2022، إلى 31، ونحو 39، كسعر في السوق الموازية في الوقت الحالي بعد أن كان قد تجاوز حاجز الأربعين في السوق الموازية خلال الفترة الماضية.

وأدت الحرب في أوكرانيا إلى هذه الأزمة بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء (مصر أكبر مستورد للقمح في العالم)، إضافة لتأثير السياحة وهروب الأموال الساخنة من الأسواق الناشئة.

ورغم ذلك، فإن جذور الأزمة تعود للتوسع في مشروعات البنية التحتية الممولة من ديون خارجية قصيرة الأمد، وقد أدت الأزمة إلى ارتفاع التضخم الذي أصاب الطبقة المتوسطة والعاملة بشكل خاص.

ولجأت مصر لصندوق النقد الدولي نهاية العام الماضي للحصول على قرض بقيمة 3 مليارات دولار، وهو مبلغ ضئيل مقارنة باحتياجاتها، ولكن القاهرة وصلت لحدود استدانتها من الصندوق؛ حيث تعد أكبر مدين له بعد الأرجنتين، ولكن  من المتوقع أن يحفز برنامج تمويل إضافي بنحو 14 مليار دولار من شركاء مصر الإقليميين في دول الخليج، رغم تقارير عن خلافات بين الجانبين حول العديد من القضايا أبرزها طلب دول الخليج استجابة القاهرة لشروط صندوق النقد بتخفيف دور الجيش في الاقتصاد، وتحرير حقيقي لسعر الصرف، إضافة لخلافات حول تقييم الأصول المعروضة للبيع.

ويعتقد أن حجم الديون المصرية المسجلة بلغ في منتصف عام 2022 نحو 157.8 مليار دولار، وتعد هذه أكبر مشكلة أمام الاقتصاد المصري، لأن كثيراً منها ديون قصيرة الأجل.

تراجع للتوقعات التشاؤمية وتأجيل لعملية تخفيض الجنيه لحين المراجعة الدورية القادمة لصندوق النقد

وقال لويس كوستا، الرئيس العالمي للائتمانات السيادية في الأسواق الناشئة في المجموعة المصرفية الأمريكية "سيتي غروب"، في مقابلة: "توقعاتنا التشاؤمية للاقتصاد المصري وصلت إلى ذروتها جزئياً".

أوضح كوستا أن أي قرار بشأن خفض العملة المصرية قد يُؤجَّل حتى سبتمبر/أيلول المقبل، بالتزامن مع موعد مراجعة صندوق النقد الدولي لمدى الالتزام ببرنامج إنقاذ تبلغ قيمته 3 مليارات دولار، أو بعد شهر من ذلك التاريخ خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في مدينة مراكش المغربية.

جاء ذلك مع تخفيف العائدات السياحية الوفيرة المتوقعة، ومبيعات الأصول الحكومية، من الضغط الملقى على عاتق الاقتصاد المصري.

تراجع المخاوف من تخلف مصر عن سداد ديونها

كما تراجعت المخاوف من تخلف مصر عن  سداد ديونها بشكل كبير، كما يتضح من تضييق الفارق بين العائد على السندات المصرية المقومة بالدولار وسندات الخزانة الأمريكية. منذ منتصف مايو، انخفض الفارق بنحو 350 نقطة أساس، بعد أن وصل سابقاً إلى مستوى قياسي بلغ 1486 نقطة.

ينظر المستثمرون عادة إلى اختلاف يزيد على ألف نقطة أساس، كعلامة محتملة لأزمة الديون السيادية. تضييق هذه الفجوة مؤشر إيجابي على تحسن الاستقرار الاقتصادي في مصر.

على الجانب الحكومي، صرح مسؤولون مصريون أن الدولة لن تتخلف عن سداد أي التزامات.

ماذا يقول صندوق النقد الدولي؟

في ديسمبر/كانون الأول 2023، وافق صندوق النقد على برنامج مدته 46 شهراً لمصر، وأظهرت وثيقة الصندوق التي نُشرت وقتها أن البرنامج المصري سيخضع لمراجعتين سنوياً، حتى منتصف سبتمبر/أيلول 2026، بإجمالي 8 مراجعات.

وحصلت مصر على الشريحة الأولى بقيمة 347 مليون دولار، ولكن لم يتم إجراء المراجعة من قبل صندوق النقد الدولي المخطط لها في شهر مارس/آذار الماضي، ولم يتم صرف القسط المقرر بناء على هذه المراجعة، ومن المقرر أن تبلغ قيمة الشريحة الثانية 347 مليون دولار.

وزارت أنطوانيت سايح، نائبة المدير العام لصندوق النقد الدولي، القاهرة مؤخراً كجزء من المراجعة الأولى لبرنامج التمويل.

ونقلت صحيفة الأهرام الحكومية عن السايح قولها: تتخذ الحكومة خطوات مهمة نحو إعادة تحديد دور الدولة في الاقتصاد وتحقيق تكافؤ الفرص بين القطاعين العام والخاص. كانت الخطوة الأولى من خلال وثيقة سياسة ملكية الدولة، والخطوة التالية هي تنفيذ شروط الوثيقة بسرعة حتى نتمكن من الحصول على نتائج إيجابية.

نهاية الأزمة الاقتصادية المصرية
المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا/ رويترز

وحثت البنك المركزي على رفع أسعار الفائدة في ظل أرقام التضخم المرتفعة، ولكنها تجنبت تحديد موعد صرف الشريحة الثانية من قرض الصندوق، وقالت: ينصبّ تركيزنا على دعم الإصلاحات الضرورية في مصر. والأولوية هي تنفيذ إجراءات الإصلاح المطلوبة لتحقيق نتائج ملموسة، هذا ما سيحدد تاريخ المراجعة. المهم هو القيام بالإصلاحات اللازمة.

ولكن مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، قالت للصحفيين في واشنطن مطلع الشهر، إن مصر قد تحتاج إلى تنفيذ المشروعات القومية بشكل أبطأ مما كان متصوراً في الأصل لتجنب الإضرار باستقرار الاقتصاد الكلي.

وجدد الصندوق مؤخراً التأكيد على شروطه السابقة، حيث قالت مديرة الاتصالات في الصندوق، جولي كوزاك، أن على الحكومة تنفيذ السياسات التي توفر الحياد التنافسي لجميع الشركات لتعزيز تكافؤ الفرص. (في إشارة لتقليل بصمة شركات الجيش على الاقتصاد)، كما قالت إن المناقشات تبحث أيضاً سعر الصرف والتحرك المستدام نحو سعر صرف مرن للتخفيف من نقص النقد الأجنبي.

من جانبها، رحّبت السايح بإعلان وزيرة التخطيط المصرية، هالة السعيد، أن الدولة ستخفض وتيرة تنفيذ مشروعاتها العملاقة التي تتطلب العملة الأجنبية تماشياً مع مقترحات صندوق النقد الدولي.

توقعات متفائلة للسندات المصرية

كما ظهرت بعض الأخبار الإيجابية في مايو/أيار فيما يتعلق بالتمويل الخارجي للقاهرة، إذ وافق البنك الإفريقي للتنمية على ضمان ائتمان جزئي (PCG) من الرنمينبي (العملة الصينية) بقيمة تعادل 345 مليون دولار لمصر التي تدخل إلى سوق سندات الباندا لأول مرة لتمويل المشاريع الخضراء والتنمية الاجتماعية، حسبما ورد في تقرير لموقع Al Monitor الأمريكي.

وقال بنك التنمية ومقره أبيدجان بكوت ديفوار، إن هذا الضمان الجزئي سيسمح لمصر بجمع ما يعادل 500 مليون دولار في سوق سندات الباندا الصينية.

وفي مؤشر إيجابي آخر للاقتصاد المصري، باعت القاهرة صكوكاً سيادية بقيمة 1.5 مليار دولار لأجل 3 سنوات. وقد تجاوزت نسبة تغطيتها 4 أضعاف بعد أن جذب طرحها طلبات بقيمة 6.1 مليار دولار.

وفي أبريل/نيسان 2023، باع البنك المركزي المصري جزءاً ضئيلاً من سندات طرحها أجل 3 سنوات عرضها للبيع في مزاد بقيمة 3 مليارات جنيه، حيث باع نحو مليون جنيه من السندات أي نحو 35 ألف دولار فقط بعائد 21.7%، وهو أقل ما جمعته على الإطلاق في بيع سندات محلية، وفقاً لبيانات "بلومبرغ".

نهاية الأزمة الاقتصادية المصرية
حسن عبد الله محافظ البنك المركزي المصري/ويكيبيديا

ورفضت الحكومة آنذاك زيادة العائد الذي طالب به المستثمرون القلقون من احتمال خفض قيمة العملة، حيث طالب بعض المستثمرين بعوائد وصلت إلى 28%.

كما تخلى متداولو المشتقات المرتبطة بالجنيه عن رهاناتهم على سماح السلطات الاقتصادية المصرية للعملة بالهبوط بشكل حاد مرة أخرى في الأشهر المقبلة، بعدما فقد نصف قيمته في أعقاب سلسلة من الخفض التي اندلعت منذ مارس 2022.

ما الذي تغيّر؟ بيع الأصول ووعود بتحسين مناخ الاستثمار

بحسب ما نقلته بلومبرغ، قال الرئيس العالمي للائتمانات السيادية في الأسواق الناشئة بسيتي بنك: أدى تراجع أزمة العملات الأجنبية في البلاد، وتهدئة مخاوف المستثمرين من إعادة هيكلة الديون، إلى دفع البنك الأمريكي إلى تبني توقعات أكثر إيجابية للسندات المقومة بالجنيه والدولار على المدى القصير.

ومن المتوقع بيع أصول حكومية أكثر خلال الأسابيع المقبلة. وتحاول السلطات أيضاً تحسين مناخ الاستثمار، بما في ذلك تسهيل إنشاء شركات للأجانب، مع العمل على تعزيز مشاركة القطاع الخاص.

وكشف عن"تبدل معنويات الأسواق بعد ظهور مؤشرات على أن الحكومة المصرية تكثف جهودها لبيع أو إدراج حصص من الشركات المملوكة للدولة، إضافة إلى الانتعاش المتوقع في قطاع السياحة، المرتقب عودته إلى مستويات ما قبل الوباء.

تابع الرئيس العالمي للائتمانات السيادية في الأسواق الناشئة، الذي يشغل أيضاً منصب رئيس الاستراتيجية في وسط وشرق أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا: "يمكن أن يشكل موسم الصيف الحالي فترة استقرار مهمة على المدى القصير، حتى نبدأ في الحصول على بيانات أكثر واقعية مجدداً في سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول القادمين".

وودائع قطرية وليبية

وكشفت بيانات البنك المركزي المصري التي صدرت الأحد، 11 يونيو/حزيران 2023، حصول مصر على وديعة بقيمة مليار دولار إضافية من قطر، وأخرى بقيمة 700 مليون دولار من ليبيا بنهاية العام الماضي 2022.

ووفقاً لهذه البيانات، يصل إجمالي الودائع القطرية قصيرة الأجل لدى المركزي المصري إلى 4 مليارات دولار، فيما وصلت ودائع ليبيا إلى 900 مليون دولار مقابل 200 مليون بنهاية سبتمبر 2022.

ووصلت الودائع قصيرة الأجل من دول عربية لدى المركزي المصري إلى 14.9 مليار دولار، مقارنة مع 13.2 مليار دولار نهاية سبتمبر/أيلول الماضي، واستقرت الودائع طويلة الأجل من الدول العربية عند 15 مليار دولار، وفقاً لبيانات البنك المركزي المصري.

رغم أن هذه الودائع تعود لنهاية العام الماضي، ولكن الإعلان عنها مؤخراً ساهم فيما يبدو في تعزيز المعنويات تجاه الاقتصاد المصري.

ولكن مازالت هناك فجوة كبيرة بين سعري الجنيه الرسمي والواقعي

في الوقت الحالي، فإن السعر الرسمي للجنيه المصري أقل قليلاً من 31 جنيهاً مصرياً، وفعلياً يتم تنفيذ صفقات محدودة على هذا السعر، في ظل قيود كبيرة على بيع العملة في المصارف، كما أن التحويلات للخارج، عبر البطاقات المصرفية مقيدة بحد أقصى، عمولة تصل إلى 15% تصل بسعر الدولار لنحو 35 جنيهاً، إضافة لتعزيز هذه القيود بطريقة أدت فعلياً لعدم قدرة أغلب المصريين على استخدام البطاقات المصرفية في الخارج أو عبر الشراء عن طريق الإنترنت.

في المقابل، يدور سعر الجنيه في السوق السوداء (الموازية) حول الـ39 أو الأربعين، وبينما تجاوز عدة مرات عتبة الأربعين، عاد ليتراجع إلى 39 و39.5 جنيه للدولار، ويبدو أن مستوى الـ40 يشكل حاجزاً معنوياً قوياً يصعب اختراقه، خاصة أنه يمثل أكثر من ضعف سعر الجنيه، منذ رفع السعر الأول في مارس/آذار 2022، عقب الأزمة الاقتصادية التي اندلعت إثر الحرب الأوكرانية.

رهان على عودة المغتربين لذويهم وذهابهم للمنتجعات الصيفية

وتشهد مصر عادة خلال الصيف عودة مؤقتة لملايين المغتربين، خاصة من أولئك الذين يعيشون في دول الخليج، حيث يضخون مليارات الدولارات في اقتصاد البلاد مع قدومهم لقضاء الإجازات السنوية مع عائلاتهم، وذهابهم للمنتجعات الصيفية، وتنفيذهم بعض الصفقات العقارية وشراء السيارات.

ورغم أنه مع الفجوة الكبيرة بين سعري السوقين الرسمية والموازية، سوف تجعل أغلب المغتربين على الأرجح يحولون العملة الأجنبية عبر السوق الموازية، والابتعاد عن الجهاز المصرفي، ولكن هذا من شأنه أيضاَ الضغط على سعر الدولار في السوق الموازية، مما قد يزيد فرص استقراره، خاصة أن هناك مزاعم ان البنك المركزي يشتري دولارات من السوق السوداء.

كما نفذت الحكومة برنامجاً لإعفاء المغتربين من جمارك السيارات وضرائبها، مقابل إيداع قيمة المبالغ (التي تم تخفيضها بالدولار)، أدى البرنامج لإدخال 700 مليون دولار، حسب البيانات الحكومية، ورغم أن المبلغ أقل من طموحات الحكومة السابقة التي كانت تتحدث عن 5 أو 10 مليارات دولار، ولكن يظل المبلغ الواقعي جيداً، وله تأثيره.

قيود صارمة على الاستيراد، والمستهلكون منهكون

إضافة لكل ذلك، فرضت الحكومة المصرية قيوداً مشددة على الاستيراد، أدت لوقف فعلي لاستيراد بعض السلع مثل السيارات التي تقدر قيمة وارداتها بنحو 4 مليارات دولار.

ورغم تخفيف بعض القيود على الاستيراد، فهناك مؤشرات على العودة لبعض التقييد السابق.

علاوة على ذلك، فإن السوق في مصر بات منهكاً، ويعتقد أن ارتفاع الأسعار بدأ يؤثر على الاستهلاك بشكل كبير، كما أن جزءاً كبيراً من المصريين حول مدخراته بالفعل، إلى شراء دولارات وسيارات وذهب وبصورة أقل للعقارات، مما ترك قدراً أقل من المدخرات متاحاً ليمثل ضغطاً على الجنيه.

كما وصلت أسعار العقارات والسيارات والذهب هي ملاذات أساسية لجأ إليها المصريون إلى مستويات مرتفعة للغاية.

في مؤشر على ذلك، فإن متعاملاً في سوق محافظة مصرية ساحلية تشتهر بالتجارة والاستيراد والتصدير وتخزين الدولار، يقول لـ"عربي بوست" إن سعر العملة الأمريكية ينخفض في كل نهاية أسبوع، وهو موعد تسليم الأجور للحرفيين في المحافظة الصناعية، في مؤشر على أن أصحاب العمل حوّلوا أموالهم للدولار، ويحتاجون لتسييلها كل خميس لمنح العمال أجورهم الأسبوعية.

ومن المؤشرات على تراجع الضغط على الجنيه، تراجع الفجوة بين السعر في السوق الموازية والسعر المقوم به الذهب الذي تحول لملاذ رئيسي لمدخرات المصريين خلال الأشهر الماضية، ولكن أسعاره بدأت تتراجع ببطء مع السماح الحكومة للمغتربين باستقدامه، كما تراجعت الفجوة بين سعر الدولار في السوق الموازي، وسعر تقويم أثمان السلع.

وتسارع التضخم في مصر إلى نحو 33% في مايو/أيار 2023 مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمشروبات.

خطة بيع الأصول تتلقى عدة دفعات

وتسعى مصر لبيع كل أو أجزاء من أكثر عشرين شركة وأصول مملوكة للدولة، ويتوقع أن يكون حلفاء القاهرة العرب الخليجيون هم المشترون الرئيسيون، لكن هناك خلافات مع الشركاء الخليجيين حول أسعار هذه الأصول وكذلك حول قيمة الجنيه، في ظل نظرة إليه أنه مقوم أعلى من قيمته الحقيقية، إضافة لخلافات حول هل يتم البيع بالدولار أم الجنيه، خاصة أن بعض الشركات الخليجية عرضت الشراء بواسطة حيازاتها من العملة المصرية في الداخل، وهو ما يعني عدم إدخال دولارات جديدة.

ولكن تعززت معنويات المستثمرين تجاه الاقتصاد المصري في مايو/أيار2023، مدفوعة بالتطورات الواعدة في برنامج الطرح العام الأولي للحكومة، ونجحت مصر في تنفيذ أولى صفقاتها في إطار البرنامج، بما في ذلك بيع حصتها في شركة الأصباغ والصناعات الكيماوية (باكين) وحصة 10% في المصرية للاتصالات. وقد أظهرت هذه المعاملات الأولية تقدماً وجذبت اهتماماً إيجابياً من المستثمرين.

وقد تحصل خطة بيع الأصول في مصر على دعم بمقدار ملياري دولار؛ حيث تتطلع شركتا Actis LLP  (مقرها لندن) و Edra Power Holdings Sdn Bhd الماليزية لشراء محطة كهرباء مصرية كبرى تقع في محافظة بني سويف، جنوب القاهرة، وفقاً لأشخاص مطلعين على الأمر، طلبوا عدم الكشف عن هويتهم لأن المداولات خاصة.

هل باتت نهاية الأزمة الاقتصادية المصرية وشيكة، وما هو السعر المتوقع للجنيه؟

يؤشر ما سبق، ليس إلى نهاية الأزمة الاقتصادية المصرية، بقدر أنها وصلت لذروتها، تحقق ذلك بثمن باهظ وهو فرض قيود مشددة على الاستيراد خلقت سلسلة من الأزمات في السلع بعضها حيوي مثل أعلاف الحيوانات، والأجهزة الكهربائية.

في المقابل، فإن تراجع سعر الجنيه بشكل كبير، حفز التصدير والسياحة وشراء المصريين في الخارج للعقارات.

كما أن المؤشرات على تنفيذ الحكومة المصرية لوعودها بتخفيف البصمة العسكرية في الاقتصاد وبيع أصول حكومية، أعطت دفعة إيجابية، ولكن يظل المحك الرئيسي هو التنفيذ، خاصة في ظل شكوى رجال الأعمال المصريين.

والمفارقة أنه في ظل الحديث عن تخفيف دور الجيش في الاقتصاد، فإن هناك ملمحا لافتا في السوق المحلي، حيث تعاني مجموعة العربي أكبر منتج للأجهزة الكهربائية في البلاد من عدم قدرتها على تلبية الطلب على بعض الأجهزة الكهربائية مثل الثلاجات من طراز "شارب" اليابانية المجمعة محلياً، بسبب صعوبة الحصول على الدولار لاستيراد المكونات، بينما تتوافر ثلاجات "توشيبا" المنافسة التي يقال إن الجيش سبق أن اقتنص توكيلها من العربي، وهو ما يثير تساؤلات حول إذا ما كان ذلك نتيجة ميزات تنافسية توفر للجيش أمام منافسيه، كما يقول مصدر مصري مطلع على سوق الأجهزة الكهربائية لـ"عربي بوست".

رغم ترجيحات "الاستقرار المعقول" للعملة المصرية خلال الشهرين المقبلين، توقع "سيتي غروب" ضعف الجنيه مجدداً إلى ما يصل لـ36 مقابل الدولار الواحد بحلول نهاية 2023، (سعر رسمي)، ووصوله إلى عتبة 37 جنيهاً مقابل الدولار في العام المقبل، حسبما قال الخبير الاستراتيجي المقيم في لندن. مضيفاً أن العملة المصرية تتحرك حالياً ضمن "نطاق تقييم محايد".

نهاية الأزمة الاقتصادية المصرية
الرئيس المصري عبد الفتاج السيسي/رويترز

وقال  كوستا: "خفض الجنيه المصري قد لا يعني بالضرورة انتهاء أزمة نقص الدولار محلياً.. الحل في صفقات الاستثمار الأجنبي المباشر".

ولكنه لا يعرف هل هذا التقييم لسعر الجنيه المستقبلي، يفترض نهاية السوق السوداء، أم أنها سوف تظل موجودة، وهل تظل الفجوة بين السعرين بنفس الحجم الحالي، الذي يقل قليلاً عن 10 جنيهات أي نحو 30%، وهو أمر لو استمر معناه اقتراب سعر الجنيه من حاجز الـ50 مقابل الدولار، ولكن الأرجح أن السعر المنطقي للجنيه في حال تنفيذ إصلاحات فعالة قد يدور في نهاية الـ30 مع إمكانية تخفيض تدريجي ليصل لبداية الـ40.

ومن الواضح أن مصر بالنسبة لدول الخليج والغرب، وحتى الصين، أهم من أن تترك للإفلاس، كما أن اقتصادها أصغر من أن تشكل المساعدة عبئاً كبيرًا على المانحين.

وفي الوقت ذاته، فإن مركزية وقوة الدولة في مصر خاصة في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي لها ميزات وعيوب، فرغم أن هذه المركزية أدت للتوسع في القروض بدون مراجعة برلمانية كافية، ولكن قوة الدولة هذه سمحت لها بتنفيذ إجراءات اقتصادية قاسية غير شعبية، منعت مزيداً من التدهور حتى ولو على حساب المواطن.

عكس دولة مثل تونس، أدى دور الاتحاد العام للشغل النشط  جماهيرياً، فيها إلى عرقلة اتفاق صندوق النقد الدولي، ويعتقد أنه شجع الرئيس قيس سعيد على المجاهرة برفضه.

لا يعني ذلك أن نهاية الأزمة الاقتصادية المصرية أصبحت وشيكة، إذ تحتاج القاهرة لاتخاذ قرارات مؤلمة، مثل تحرير حقيقي لسعر صرف الجنيه، والمحروقات، إضافة لتخفيف حقيقي لدور الجيش في الاقتصاد وليس تخفيفاً شكلياً موجهاً للداعمين الأجانب، مع تعزيز الشفافية في الحصول على القروض ودراسات جدوى فعالة للمشروعات القومية.

تحميل المزيد