أرتيتا وغوارديولا.. التلميذ الذي أرهق أستاذه وكاد أن يتفوق عليه

عربي بوست
تم النشر: 2023/02/17 الساعة 12:17 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2023/02/18 الساعة 11:54 بتوقيت غرينتش
أرتيتا وغوارديولا / تويتر

إنه الحلم الذي احتاج عشرين سنة كاملة لكي يتحقق، ويكفي أن أرسنال حين حقق لقب الدوري آخر مرة، كان بالفعل قد فعل شيئاً عظيماً

لقب الدوري الإنجليزي الذهبي، دون أية هزيمة تُذكر، أسموهم "الذين لا يُقهرون" من عظمة هذا الإنجاز، ثم وقفوا على منصة التتويج في نهائي دوري أبطال أوروبا بعد عامين فقط، لكن انتهى بهم الحال لوصافة برشلونة، بطل المسابقة آنذاك.

كانت الترجيحات في صالح أرسنال، بأن يستمر هذا الجيل التاريخي في هذا النسق التصاعدي الرائع، لكن لأنه أرسنال، ولأن الأشياء التي تحدث تحديداً في أرسنال لا تحدث في أي مكان آخر؛ اختفى هذا الجيل وتلاشى بريقه.

وظل أرسنال محصوراً في نفس الزاوية؛ الفريق القادر على تقديم مباريات تدخل أرشيف كرة القدم بمنتهى البساطة، لكنه يفتقر إلى النفس الطويل، يخسر السباقات الطويلة، وينسحب منها قبل أمتار من نهايتها.

ومؤخراً، تحول أرسنال إلى فريق مُترنح في منافسات الدوري الإنجليزي الممتاز، تارةً يصنع حدثاً كبيراً، وأخرى يسقط سقوط الأطفال، ويستمر في تخبطاته طوال الموسم، إلى أن يصل بمنافسته إلى المركز الرابع تحديداً، المركز الرابع ليس إلا!

وظل أرسين فينغر متربعاً على عرش أرسنال لمدة 22 عاماً، حاكماً وقائداً للفريق، ومعه حدث الإنجاز التاريخي بالتتويج بالدرع الذهبي، ومعه وصل أرسنال إلى نهائي دوري الأبطال 2006، وترك المهمة الثقيلة لمن يخلفه، تركها للحاكم الإسباني، أوناي إيمري، المدرب الذي قاد إشبيلية للسيطرة على أوروبا في بطولتها الثانوية، اليوروباليج، وتوسموا فيه خيراً أن يُعيد أمجاد أرسنال ثانيةً.

لكن المحصلة كانت صادمة مقارنةً بالتوقعات، وبعد التأقلم على رأس أرسين فينغر وأفكاره، أصبح أرسنال منفتحاً للتجارب الجديدة، وللشباب الأصغر سناً، حتى وإن كانوا أسلحة مُستعملة في أبرز أندية الدوري الإنجليزي، مانشستر سيتي.

هذه المرة كان ميكيل أرتيتا، اللاعب الذي طاف أوروبا كلها تقريباً، خرج من برشلونة إلى باريس سان جيرمان، ومنه إلى رينجرز، ومن رينجرز إلى ريال سوسيداد، ثم سافر إلى إنجلترا، حيث إيفرتون واستقر أخيراً في أرسنال.

أرتيتا وغوارديولا
ميكيل أرتيتا

حينما ترك المنشفة كلاعب، لم يُفوت أرتيتا أية فرصة لكي يتعلم كيف يُدير اللاعبين، ولم يجد أفضل من مانشستر سيتي ليتعلم فيه فنون الإدارة والتدريب، هناك، كان بيب غوارديولا يُعلمه ويُفهمه كيف يصنع الحدث.

وأرتيتا كان تلميذاً ذكياً، احتاج لـ3 سنوات كاملة لكي يُطبق ما تعلمه، وقرر أن يخرج من عباءة المساعد إلى كرسي أكبر، بطموح وأضواء أقوى، ويتحول إلى مدرب مُعترَف به، حينها فتح أرسنال ذراعيه إليه، واستقبله أحسن استقبال.

حين يتعلق الأمر بأرسنال، فإن الأمر أكبر من النجاح، وهذا ما يضع أرسنال فوق بقية الأندية الأخرى، هذا بالتحديد ما قاله شارلي نيكولاس، اللاعب الأسكوتلندي الأسبق لأرسنال.

هذا ما يُفسر لماذا استمر أرسين فينغر طوال هذه السنوات دون أن تتم إقالته، وكانت إدارة أرسنال تُراهن عليه مهما هاجمه الإعلام، وهي الفكرة التي انتقلت إلى من يخلفه، وبالتحديد ميكيل أرتيتا.

وأن يأتيك الدعم من أرسين فينغر شخصياً، فحينها لا بد من أن تدرك أنك على الطريق الصحيح، وهذا ما أكده أرسين فينغر مؤخراً عن أرسنال وأرتيتا.

قال إنه زار مركز تدريبات أرسنال منذ مدة، وأدرك ورأى أن كل شيء هناك قد تغير على يد أرتيتا، ومن الأفلام المسجلة داخل غرفة الملابس للفريق رفقة مدربه، فهم أن أرتيتا قد أحدث شيئاً كبيراً في نفوس اللاعبين، أصبح يدفعهم نحو النجاح، ولم ينجح نجاحه على المستوى الخططي والتكتيكي فحسب، بل أصبح مُعالجاً نفسياً بالنسبة لهم!

وهي قصة قديمة بالمناسبة؛ حين كان عمره عامين، خضع ميكيل أرتيتا لعملية قلب مفتوح، وكان حدثاً في إسبانيا، كونها عملية كبيرة بالنسبة لطفل في هذا العمر، وبعد تعافيه وحينما كبر، نصحوه بأن يبتعد عن الرياضة تماماً حتى لا يفقد حياته أو يتأذى منها، لكنه أصر على المخاطرة، أو لنقُل أحب أن يُجرب، ومنحته هذه التجربة رغبة دائمة في دفع نفسه للأمام.

ومن هذه العملية، اتخذ نفسه مرجعاً للاعبيه في أرسنال، يُخبرهم بأنه رأى ما رأى في صغره، ومع ذلك لم يتأخر عند دفع نفسه نحو التميز دائماً؛ وهو ما طلبه منهم في فيلم تسجيلي تم عرضه على منصة "أمازون"، وكشف هذا الفيلم عن شخصية رائعة للمدرب الإسباني، الذي يتعامل بالجوانب النفسية، علاوة على إدراكه بقيم وأساليب أرسنال المُتبعة للوصول إلى النجاح.

التلميذ والأستاذ

أخيراً وقفا في مواجهة جديدة، مواجهة تجعل أرسنال يُدافع عن حلمه، وتجعل مانشستر سيتي يُحاول بشتى الطرق أن يقضي على هذا الحلم، لِمَ لا، ومانشستر سيتي بالتحديد كان القشة التي قسمت ظهر أحلام يورغن كلوب وفريقه ليفربول في مرتين، وبنفس الطريقة في المرتين؛ فارق نقطة وحيدة فقط!

على يد غوارديولا، تحول مانشستر سيتي إلى فريق مُتمرس على الفوز بلقب الدوري الإنجليزي، وأصبحت منافسته تتطلب مجهودات أكثر وإيمان أكبر وتقديم أضعاف ما يُقدم في المنافسات العادية، مانشستر سيتي يحتكم مؤخراً على إنجلترا ولم يستطع أحد أن يُجاريه سوى ليفربول.

وكان على غوارديولا أن يُقابل الشخص الذي جلس يُعلمه كيف تدار الأمور، كان عليه أن يلتقي بالشخص الذي يُحاول ما استطاع أن يُنافس هذا الزحف العملاق الذي يقوم به مانشستر سيتي نحو الألقاب المحلية في إنجلترا تحديداً.

دخل أرسنال المباراة بالطموح، وخرج منها بالشك، ودخل مانشستر سيتي المباراة بالتفاؤل، وخرج منها باليقين، الفارق هو ما شاهدناه وما قدمته لنا المباراة نفسها.

مباراة انتهت الأمور فيها إلى المنطق؛ مانشستر سيتي دائماً ينتصر، وأرسنال لم ينتصر هذه المرة، أرسنال يُخطئ ويفتقر إلى معظم الأشياء التي يمتلكها مانشستر سيتي، وفهمنا من مشاعر جماهير أرسنال التي تناقلتها الكاميرات في مباراة الفريقين، كيف تحلم جماهير أرسنال بمغايرة المنطق، ولو لمرة في السنوات الأخيرة.

وكأن غوارديولا يقول لميكيل أرتيتا: "حاول مرة أخرى" أو "أمام السيتي تُجهض الأحلام" لا يحمل الرأي مبالغة، أبداً، ولم تحسم المباراة لقب الدوري بطبيعة الحال، ما زال كل شيء على قيد الحياة، لكن مما يبدو، ومن عودة مانشستر سيتي للصدارة، بأن أرسنال لن يستطيع المقاومة حتى النهاية، التجربة الناجحة للأسف الشديد قد لا تكتمل هذا الموسم، على أمل أن يخترع أرسنال مفهوماً جديداً في المواسم القادمة ويستطيع من خلاله أن يُنافس حتى الرمق الأخير دون أن يخشى أحد، تماماً كما أظهر في العديد من المباريات هذا الموسم.

أرتيتا وغوارديولا
غوارديولا

وليست هذه المنافسة وحدها، ولا حتى الألقاب، هي التي ستمنح أرسنال ومدربه ميكيل أرتيتا التقدير الذي يستحقونه؛ إن طموحهم في حد ذاته أكبر من أن تُقيمه مباراة، وتشجيع جماهيرهم لهم يُوضح هذه الحقيقة بأوصاف أدق، جماهير أرسنال تعرف أن الأمر أضخم من أحلامهم بطبيعة الحال.

نعم، الألقاب مهمة تاريخياً بالفعل، والمحاولات المستميتة التي تبوء بالفشل في نهاية الأمر قد لا تُغري أعين الناس كما تفعل الإنجازات الملموسة والمادية، لكن تجربة أرسنال كانت فريدة تماماً، سواء حققوا اللقب أم حلوا وصيفاً أو حتى دخلوا في فترة سقوط حر تُبعدهم عن أحلامهم الوردية، التي قابلت واقعاً أكبر بكثير من إمكانياتهم.

وفي إنجلترا يُدركون حقيقة واحدة: "إذا عاد مانشستر سيتي إلى صدارة الدوري الإنجليزي الممتاز؛ فعلى الجميع أن يتراجعوا!".

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:[email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

عمر إبراهيم
كاتب في المجال الرياضي وكرة القدم
كاتب في المجال الرياضي وكرة القدم
تحميل المزيد