لا معنى لانتخاب رئيس جمهورية الآن.. هذا ما يحتاجه لبنان قبل أي شيء آخر!

عربي بوست
تم النشر: 2023/01/18 الساعة 11:38 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2023/01/18 الساعة 12:07 بتوقيت غرينتش
احتجاجات في لبنان / Shutterstock

من يتابع تطور الأزمات في لبنان يظن نفسه أنه "غراب البين"، لكن مع فارق بسيط، وهو أن غراب البين يبشر بالخراب، أما المتابع لأحداث هذا البلد فيرى بأم عينه هذا الخراب، بعد أن أصبح حال اللبناني كحال "ابن لبون"، الذي لا ظهر له ليُركب، ولا حليب فيه ليُحلب.

تتسيد الساحة السياسية اللبنانية عناوين مثيرة للذعر، مثل "التحقيق في انفجار المرفأ" أو "انهيار الليرة أمام الدولار".
وفي الخفاء، ربما، يجري التخطيط لكتابة عناوين أخطر، مثل النزوع نحو الفيدرالية أو أفكار أخرى ما زالت طي الكتمان، منها التقسيم مثلاً، وهناك نزوع نحو التدويل، وهناك أيضاً حكاية الميثاقية، ومسألة النصاب في مجلس النواب والممانعة والسلاح، وهلم جراً.
سجل طويل من المسائل التي تدور حول تحقيق توازن ما بين القوى الطائفية المتصارعة التي يجمع فيما بينها عدم اعترافها بأية قيمة للمواطن اللبناني، بل همها الأول هو أن تبقى لها كعكة دسمة خلال إعادة توزيع الحصص في السلطة والثروة.

من هنا نرى أنه من العبث التعمق كثيراً في توضيح الأهداف الحقيقية لهذه العناوين المطروحة، لأن هناك مسلّمات سياسية تحكم لبنان، منها أن أية محاولة لتعديل الصيغة اللبنانية يكون شرطها الأول هو إشعال حرب أهلية، وبما أنه لا يوجد حالياً أي طرف عربي أو دولي يرغب في تمويل هذه الحرب، فمن المستبعد أن يتم سلك طريق الحرب الأهلية لتعديل الصيغة اللبنانية، لأن القوى الطائفية لن تحقق أية مكاسب مالية من هذا الاستثمار التي لجأت إليه في الماضي القريب والبعيد من التاريخ اللبناني، وجنت منه ثروات هائلة.

أما إذا أردنا التطرق إلى عنوان انهيار الليرة اللبنانية فماذا سنجد؟

اشتعلت ما يسمى بثورة تشرين 2019، بعد زيادة طفيفة على تسعيرة تطبيق "واتساب"، واليوم تقارب قيمة الدولار الواحد 50 ألف ليرة، بعد أن كان سعر صرفه 1500 ليرة في بداية الثورة، فمن المستفيد؟

التجار والمصارف والصرافون؟ لكن مَن هم هؤلاء حقاً؟

هم أقارب وأنسباء وحاشية أمراء الطوائف الذين لا يخجلون من أفعالهم بحق الشعب اللبناني. والعجيب أنهم هم من مولوا الحملات الانتخابية للنواب الجدد المطالبين بالتغيير!

التدويل 

أما عن التدويل فنرى أن المزاج الدولي يميل إلى توطين الفلسطينيين في لبنان كحل نهائي، وإلى توطين بعض السوريين كذلك. أي أن من يرفع شعار التدويل يهدد بقاء لبنان الكبير، أي الكيان اللبناني، عن قصد أو دون قصد منه، لأن الدستور اللبناني في مقدمته يرفض التوطين.

والجدير بالذكر في هذا السياق، أن تطبيق الدستور الحالي يضمن خروج لبنان من قعر جهنم، حيث إنه ينصّ على إلغاء الطائفية السياسية، ويضمن المساواة في المواطنة بين اللبنانيين كافة، إضافة إلى إنشاء مجلس شيوخ يرعى العلاقة بين الطوائف التي تشكل لبنان.

لكن كل القوى السياسية الحاكمة، سواء المسيحية أو الإسلامية، لا مصلحة لها في تطبيق الدستور، وتتلاعب بلقمة عيش اللبناني وأمنه واستقراره بشكل لم يشهده الناس من قبل.

وكحل لا بد من أن تقف الدول العربية موقفاً صلباً تجاه الطغمة الطائفية الحاكمة، ولا يكون ذلك بإطلاق مبادرات تفاهم أو إرسال مساعدات، بل بعدم استقبال أي مسؤول لبناني، ومقاطعة ملوك الطوائف. لأن الدولة الفاشلة إذا لم يشعر حكامها بفشلها تتحول إلى دولة مارقة تُسبب الفوضى في محيطها، ومما لا شك فيه أنه إذا ما استمرت الأوضاع على هذا المنوال فستشهد الدول الخليجية حركة نزوح ولجوء هائلة من لبنان، إذا ما سُدت منافذ أوروبا أمام موجات مراكب الموت.

ولا تنتهي تلك القطيعة إلا بعد أن يباشر أمراء الطوائف بتطبيق الدستور اللبناني بحذافيره، دون أية ألاعيب، لأن انتخاب رئيس للجمهورية دون ذلك لا معنى له.

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

ناصر الحسيني
كاتب صحفي لبناني مقيم في إفريقيا
مواليد 1958 بلبنان، حائز على ماجستير في الهندسة المدنية من جامعة الصداقة في موسكو سنة 1983 ودبلوم دراسات عليا سنة 1990. مهندس استشاري لدى منظمة الأمم المتحدة للتنمية UNDP، عملت في جريدة الديار قبل عام 2000، وكذلك لي كتابات ومساهمات في جريدة النهار وجريدة البلد، مقيم في إفريقيا منذ 2010 بشكل شبه دائم في غينيا الاستوائية وغينيا بيساو.
تحميل المزيد