بعد تآكُل شرعية السلطة وصعود إسرائيل.. هل الشباب الفلسطيني مقبل على انتفاضة جديدة؟

عربي بوست
تم النشر: 2022/11/09 الساعة 10:39 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2022/11/09 الساعة 10:39 بتوقيت غرينتش
صورة أرشيفية / الأناضول

على مدار ما يقارب المئة عام على اندلاع أول ثورة ضد المشروع الصهيوني في فلسطين (ثورة النبي موسى 1920م)، وبعدها (ثورة البراق 1929م)، مروراً بـ"الثورة الفلسطينية الكبرى 1936م)؛ واصل الشعب الفلسطيني مسيرته الكفاحية الممتدة من خلال الانتفاضات والثورات والهبّات، بهدف التصدي للمشروع الصهيوني نيابةً عن الأمة العربية والإسلامية، فقد تعاقب ما يزيد عن عشرة أجيال على بذل التضحيات بلا تعب أو يأس أو استسلام، ما إن يذهب جيل حتى يأتي جيل بعده أشدُّ وأصلب؛ ليحمل راية الحرية ومقاومة الاحتلال، وها هو الجيل الجديد الفريد، الذي يحمل على عاتقه التصدي والمواجهة، ويقود المواجهات مع جيش الاحتلال وقطعان مستوطنيه، ليضيف بذلك ملحمة كفاحية أخرى، وحالة ثورية فريدة إلى جملة التضحيات التي سطّرها الشعب الفلسطيني في دفاعه عن أرضه ومقدساته ضد الصهاينة الغزاة.

وفي عام 2022م، شهدت الضفة والقدس المحتلة تنامياً واتساعاً في أشكال العمل المقاوم للاحتلال، وخاصة المقاومة المسلحة التي يقودها هذا الجيل الناشئ، والتي تميزت بالشجاعة والجرأة على المواجهة، وتنفيذ العمليات الفدائية بلا خوف أو تردد، وقد رصد مركز المعلومات الفلسطيني ارتفاعاً ملحوظاً في أعمال المقاومة بالضفة، منذ بداية العام الجاري وحتى أكتوبر/تشرين الأول 2022م، حيث بلغت أكثر من 10 آلاف عمل مقاوم، تخللها 639 عملية إطلاق نار، و33 عملية طعن أو محاولة طعن، و13 عملية دهس أو محاولة دهس، وقد أدت عمليات المقاومة منذ بداية العام الجاري لمقتل 25 مغتصباً وجنديّاً صهيونياً، وإصابة نحو 420 آخرين بجراح في حصيلة هي الأعلى منذ عام 2015.

صفات الجيل الجديد

يغلب على أعمال الجيل الجديد العفوية والفردية في العمل المسلح، كما أنه يتبنى ويبدع في المقاومة الشعبية، وعلى الرغم من مشاركة بعض الفصائل فيها فإنه لا يتلقى التعليمات الواضحة والمباشرة منها، لكنه يحظى بدعم فصائل العمل المقاوم إضافة للدعم الشعبي، ويحاول بذلك سد الفراغ الناجم عن غياب فصائل المقاومة، ولأن هذا الجيل يدرك مدى سرعة تحييد وتعطيل أي مجموعات منظّمة، فإنه يفضّل العمل بصورة عفوية منفردة لا تتلقى التعليمات بشكل رسمي من أي تنظيم، وقد وُلِد معظمهم ما بين عام 1993م (أوسلو) وحتى عام 2000م (الانتفاضة الثانية)، فلم يتفاعلوا مع الانتفاضة الثانية لصغر سنّهم، ولم ير هذا الجيل من اتفاق أوسلو سوى انتهاكات الاحتلال من قتل، ومصادرة أراض، واقتحامات للمدن، وإجهاض فكرة الدولة الفلسطينيّة.

وقد كانوا في طليعة المشاركين في انتفاضة السكاكين عام 2015م، إلا أنهم تطوروا بشكل ذاتي عن طريق العلاقات الشخصية والمعرفة الذاتية، وهو الجيل الذي لم يشاهد سوى الحواجز الأمنية وبطش جنود الاحتلال ومستوطنيه طوال حياته، وليس له مستقبل واضح في ظل السلطة الفلسطينية، فليس لديه ما يخسره، ويتّضح ذلك من خلال توجّهه إلى القتال التعرّضي والروح الهجومية في أعماله الجريئة، واللافت في هذه الحالة الثورية اهتمامها بالإعلام الجديد لإيمانها بدوره الفعّال، فهؤلاء الشباب لا يختبئون خلف الأقنعة، ولا يُخفون هويتهم، بل يتفاخرون أمام عدوهم، ويحرصون على أن يصل صوتهم للعالم كله، عبر مقاطع الفيديو القصيرة التي ينشرونها، ومن خلال البيانات المكتوبة التي تظهر روح التحدي والاستبسال، ويستخدمون كل أدوات حرب الوعي في مواجهة الاحتلال وروايته، وبذلك فقد تحوّلوا إلى أبطال وقدوات في نظر الشعب الفلسطيني.

الدوافع والأسباب

أولاً: انتهاكات الاحتلال ومستوطنيه وتغوّلهم

تصاعدت انتهاكات وجرائم الاحتلال الإسرائيلي وعصابات المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وخاصةً في مدينة القدس المحتلة، ومنذ بداية هذا العام الحالي 2022م، كثفت عصابات المستوطنين المتطرفين من عمليات الاعتداء على الفلسطينيين ومقدساتهم بشكل واسع، حيث ازدادت أعداد المقتحمين للمسجد الأقصى، ووفق مركز المعلومات الفلسطيني فقد كان عدد المقتحمين 34117 مستوطناً، حتى نهاية أغسطس/آب 2022م، وهو رقم يتجاوز أعداد المقتحمين لعام 2021 بأكمله، حيث وصلت أعداد المقتحمين خلال العام المنصرم إلى 28013 مستوطناً.

إضافة إلى رصد 3940 انتهاكاً في مدينة القدس وحدها، وكان أبرزها عمليات القتل المباشر التي استهدفت 6 مقدسيين، وأصيب 1114 بنيران الاحتلال ومستوطنيه، بينهم نساء وأطفال، فيما بلغ عدد عمليات إطلاق النار التي نفذها جنود الاحتلال ومستوطنوه 274 اعتداءً، وقد صدر ما يزيد عن 100 قرار بالإبعاد، وقد بلغت أعداد المعتقلين 1455 معتقلاً، بينهم أطفال ونساء وأسرى محررون، وقد تصاعدت الأعمال الاستيطانية، حيث بلغت 19 نشاطاً استيطانياً، يشمل مصادرة وتجريف أراضٍ، والمصادقة على بناء وحدات استيطانية، فيما جرى توثيق ارتكاب المستوطنين 107 اعتداءات مختلفة، كما هدم الاحتلال نحو 71 منزلاً في مناطق مختلفة من القدس، فضلاً عن عشرات المنازل التي أخطرها بالهدم، بينما بلغ عدد مداهمات منازل المقدسيين 89 مداهمة، و99 عملية تدمير ممتلكات ومنشآت، و11 عملية مصادرة واستيلاء على ممتلكات ومنشآت مختلفة منذ بداية العام الجاري.

أما ما رُصد من اعتداءات في كافة الأراضي الفلسطينية، خلال شهر أكتوبر/تشرين الأول 2022م فقط، فقد بلغ ما تم رصده 3665 انتهاكاً، كان أبرزها اغتيال 3 مقاومين من أفراد مجموعات عرين الأسود، أثناء اقتحام وحدات خاصة في جيش الاحتلال مدينة نابلس ليلاً، إضافة إلى استهداف 27 مواطناً منهم 5 أطفال، استشهدوا برصاص قوات الاحتلال والمستوطنين.

وفي شهر أكتوبر/تشرين الأول 2022م فقط، اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي 517 فلسطينياً، فيما أصيب 720 فلسطينياً بنيران قوات الاحتلال ومستوطنيه.

وأبرز انتهاكات الاحتلال الذي حاول فيها كسر الخطوط الحمراء واستفزاز مشاعر المسلمين، كانت عبر اقتحام المسجد الأقصى، وإهانة المقدسات الإسلامية في القدس، والدخول بلباس الكهنة والحاخامات، ونفخهم الأبواق اليهودية، وتدنيسهم حرمة أولى القبلتين بنشرهم صوراً فاضحة في باحات الأقصى، ولا تتم الاقتحامات التهويدية للمسجد الأقصى إلا بحراسة جنود الاحتلال المدججين بالسلاح، في مشاهد تقشعر لها الأبدان، وتدفع الشباب والعوائل الفلسطينية إلى بذل أقصى الجهود للدفاع عن المقدسات، بكل ما تصل إليه أيديهم من وسائل وأدوات كفاحية ونضالية.

ثانياً: القيود على الحركة، والمنع الأمني

 والتي تتمثّل في فرض القيود الشاملة على حركة 5 ملايين فلسطيني، والتي لا تحقق أي نوع من التوازن بين أمن دولة الاحتلال وحق الإنسان في حرية التنقل، والتي تحد من وصول الكثيرين إلى الرعاية الصحية والتعليم وسبل العيش، وعلى رأسها حرمان غالبية الفلسطينيين من الشباب الذين يتقدمون بطلب للحصول على تصريح دخول إلى إسرائيل لأغراض العمل أو التجارة، وكذلك رفض تجديد التصاريح القديمة، بحجة المنع الأمني الذي يضعه جهاز الأمن العام، أو ضباط الشرطة الإسرائيلية بشكل تعسّفي، وتنتهك هذه القيود أيضاً الحق في حرية التنقل والإقامة والحق في مغادرة بلدهم، وإضافة للمنع الأمني فقد تؤدي محاولة الحركة أو السفر للتحقيق والضغط والابتزاز والاعتقال من خلال الحواجز الأمنية المنتشرة، ووفقاً لمنظمة بتسيلم الحقوقية الإسرائيلية، "فإن الكثير من الطلبات تُرفض دون أيّ توضيح، ودون توفّر إمكانيّة الاعتراض على الرفض".

كما يمكن لإسرائيل بعد أن وافقت ومنحت تصريحاً أن تسحبه بسهولة، وهذا أيضاً تفعله دون أيّ توضيح. ومن بين من رفضت تصاريحهم العديد ممن لم يتم أبداً توقيفهم أو إدانتهم لأسباب أمنية، فأحياناً يكون الرفض بسبب التفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي، أو أن يكون من عائلة فيها أسير أو شهيد، أو أن يكون أحد أفرادها ناشطاً ضد الاحتلال، وقد بات المنع الأمني مؤخراً يمثّل ورقة ضغط يمارسها الاحتلال بحق العمّال الفلسطينيين والمرضى والطلاب والحالات الإنسانية، والذي أصبح سيفاً مسلطاً على رقاب شرائح واسعة من المجتمع الفلسطيني، وخاصةً الشباب، ليجدوا أنفسهم في سجن كبير في الهواء الطلق، يفتقد لأدنى مقوّمات الحياة الأساسية، ويسلب مجرد التفكير في المستقبل كالتعليم والصحة والعمل وحرية التنقّل والحركة. 

ثالثاً: تآكل شرعية السلطة

يتواصل تآكل شرعية السلطة وفقدانها مصداقيتها ودورها نتيجة لضعف قدرتها على التحكم؛ بسبب فشل مشروعها، وتصاعُد اعتداءات وتوغلات الاحتلال داخل المدن دون حفظ ماء وجه السلطة، وقد أدى عدم امتلاكها أي مشروع جديد، والاكتفاء بالدعوة لوقف الانتهاكات إلى زيادة الهوة بين السلطة والشعب، خاصةً الجيل الجديد، الذي يرى أمام عينيه دور السلطة في محاربة ظاهرة المقاومة وملاحقة المقاومين، وما نتج عنها من حالة الغضب التي اعترت الشباب الفلسطيني، وتصاعد رفضه لسياسة الاعتقال السياسي والتضييق على الحريات الشخصية والعامة، إضافةً إلى اتساع هوة الصراع التنظيمي داخل حركة فتح، التي باتت قواعدها التنظيمية لا تؤمن بخيار التسوية الذي تتمسك به قيادة السلطة، وهي أيضاً لا تقتنع بكفاءة القيادة الحالية التي همّشت دور الكوادر الشابة في المشاركة السياسية وعملية صنع القرار أو في جهود التنمية، كما أنها لم تعالج ظروفهم السيّئة، لذلك قرّروا خوض انتفاضة مختلفة دون إذن الفصائل والسلطة الفلسطينيّة.

وهذا ما ذكرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، في عددها الصادر بتاريخ 7 سبتمبر/أيلول 2022م، حيث أشارت الصحيفة إلى أنّ المستويين السياسي والعسكري في تل أبيب لاحظا أخيراً تآكل مكانة السلطة الفلسطينية في أرجاء الضفة الغربية، وهو ما وفّر بيئة ساعدت على تفجر موجة عمليات المقاومة الأخيرة، وهذا يتوافق أيضاً مع ما ذكرته قناة التلفزة الإسرائيلية الرسمية "كان"، مساء الإثنين 5 سبتمبر/أيلول 2022م، في تقرير بثته القناة، حيث أشارت إلى أن جيش الاحتلال يرى أن أحد أهم الأسباب التي ساعدت على تفجر عمليات المقاومة، يتمثل في تآكل مكانة السلطة الفلسطينية، وعجزها عن إدارة الحكم في الكثير من مناطق سيطرتها، وهو ما جعل أجهزتها الأمنية غير قادرة على مواصلة إحباط عمليات المقاومة كما كان سابقاً.

أخيراً:

كل هذه العوامل والأسباب أسهمت في تشكيل وعيٍ ثوريٍّ فلسطينيٍّ لدى الجيل الجديد، وهو يؤسس لمرحلة جديدة من التوحّد خلف بندقية المقاومة والعمل المسلّح، بغض النظر عن الانتماء التنظيمي أو الدافع الديني، وستظهر الأدوات الفريدة لهذه المرحلة في قادم الأيام، بعد أن كاد الإحباط واليأس أن يسيطرا على المحبين والمناصرين للقضية الفلسطينية، بسبب مرور أعوام طويلة على ضعف الحالة الثورية في الضفة الغربية المحتلة، والتي تعتبر الجبهة المتقدمة والساحة الاستراتيجية للمقاومة الفلسطينية في مواجهة العدو الصهيوني.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: [email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

عمر أبو دف
كاتب وباحث فلسطيني
كاتب وباحث فلسطيني
تحميل المزيد