عُزل ونُفي، فألّف “الأمير” تقرباً من آل مديتشي.. كيف ظلم التاريخ عرّاب الاستبداد مكيافيلي؟

عربي بوست
تم النشر: 2022/04/26 الساعة 11:58 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2022/04/26 الساعة 11:59 بتوقيت غرينتش

لا خلاف في كون الإيطالي نيكولو مكيافيلي أحد أكبر المفكرين السياسيين عبر التاريخ البشري، ومن أكثرهم شهرة، حتى لدى عامة الناس من خارج الأوساط الفكرية والعلمية. ومصدر تلك الشهرة لدى الأغلبية الساحقة، إلا ما ندر، هو سمعته السيئة كمنظر لمذهب المكيافيلية، القائم على المصلحة والمنفعة، بغض النظر عن طبيعة الأداة والوسائل أو المنطلقات الأخلاقية، وهو ما لخصه في مقولته الخالدة "الغاية تبرر الوسيلة".
وشاع ذلك المبدأ بين القادة والسياسيين قبل العوام، واتخذه كل ساعٍ لغاية ما مُنطلَقاً لتبرير أفعاله المشينة، وإيجاد مسوّغ فلسفي أو فكري لشرعنة سلوكياته.
وعُرف كتاب "الأمير" لاحتوائه على تلك الأفكار المكيافيلية البراغماتية، وأصبح الكتاب المقدس للطامحين نحو بناء مجد أو افتكاك ملك أو توطيد حكم، فهو عزاؤهم الفكري لإيجاد سلام روحي بعد كل فعل شنيع ارتكبوه، في سبيل تحقيق تلك الغايات السياسية التي تتجاوز أي رادع أو مانع أخلاقي.

غير أن النظر إلى مفكر عصر النهضة الإيطالي، وابن مدينة فلورنسا العريقة، ونجم مفكري نهاية القرن الخامس عشر وبدايات القرن السادس عشر، فقط من زاوية كتاب "الأمير" وما فيه من أفكار، يعد إجحافاً بحق بقية أفكاره، واجتزاء لصورة المفكر الألمعي التي لا تظهر لنا كاملة ما لم نستجلِ زواياها المطموسة والمتغاضَى عنها عمداً أو سهواً، ذلك أن مكيافيلي كتاب "الأمير" هو نتاج لمرحلة معينة وظروف خاصة، لا تمثل القاعدة بالنسبة لفكره، بل الاستثناء الذي ساد وعمّ إلى أن غطّى على القاعدة، وقبرها في غياهب الجهل والتجاهل، بمقابل تقديم جزء من فكره على أنه الكل والجوهر.

الحاصل يا سادة هو أن لمكيافيلي حقيقة مخفيّة، ووجه آخر لطالما يتم نسيانه والتغافل عنه، فقد لا يصدق القارئ لكتاب "الأمير" وما فيه من تشريع وتنظير للاستبداد، أن كاتبه هو في الأصل جمهوريّ الفكر والهوى. 

كان مكيافيلي أحد أعمدة النظام الجمهوري في "جمهورية فلورنسا" قبل سقوطها سنة 1512 على يد أسرة آل مديتشي، وكان مكيافيلي معجباً بروما وحضارتها وبنظامها الجمهوري الذي وصلت فيه أوج ازدهارها، وكان معادياً للاستبداد والحكم الشمولي، ومنادياً بالحرية الفردية والجماعية؛ لأن الشعوب المضطهدة بحسبه تفسد أخلاقها.

نادى مكيافيلي بدولة القانون؛ لأن بقاء الدولة يعتمد على مدى جودة قوانينها، وأي مخالفة أو دوس للقوانين من طرف الحكام يعد دافعاً للناس نحو الثورة ومزعزعاً للاستقرار، والقانون إلى جانب الدين يسهمان في تنمية الفضائل الإنسانية والمدنية واحترامها، والمعيار الأهم للحكم على الدولة هو مدى عملها على خدمة الصالح العام.

وفي كنف هذه المعطيات تظهر وتتقوى "الروح العامة" بحسب مكيافيلي، والتي تعني وعي الناس بمصالحهم المشتركة في إطار الدولة، وهي بالتالي محرك قوة الدولة والدافع نحو التفاف الشعب حولها، فالشعب الذي يتحلى بتلك القيم بحسب مكيافيلي يتسم بفضيلة تجعله أفضل من استبداد أي أمير وحدَه بالحكم والرأي. ويضيف مكيافيلي الجمهوري أن الدول لا تكون قوية من دون تلك القيم، وحتى روما لم تصل لقمة ازدهارها إلا باتباعها تلك القيم.

تبدو هذه الأفكار التي أوردها مكيافيلي في كتابه "المطارحات"، أو "المقالات الرومانية"، ذات طابع ليبرالي وديمقراطي، منادية بحكم الشعب وبتغليب القيم والفضيلة والقوانين على أي حكم فردي مستبد، ومنافية تماماً لما ورد في كتابه الأمير.

هنا تقف مجموعة من العوامل المفسرة لهذا التناقض الفكري والأيديولوجي الرهيب، ذلك أن الأفكار الجمهورية في كتاب "المطارحات" بحسب المختصين هي ما تمثل الحقيقة الأقرب لمعتقدات مكيافيلي، فهو معروف منذ شبابه بتحمسه للنظام الجمهوري والدفاع عنه، ومعروف أيضاً بتمجيده للحضارة الرومانية، وخاصة الفترة الجمهورية التي تعد أفضل الفترات في تاريخ روما، غير أن صدمته على إثر عزله من منصبه بعد وصول آل مديتشي لحكم فلورنسا، جعلته ولغايات عملية يناقض نفسه ويكتب "الأمير" بكل ما فيه من إجلال لحكم الأمير الفرد ولو كان مستبداً. ويبرر ذلك بأن تلك القيم والفضائل التي ضمنها في كتابه "المطارحات" إنما تصلح في الأمم القوية والموحدة، وليس في حالة الأمم الضعيفة والمنقسمة مثل إيطاليا في عهده، والتي كانت مفككة وعُرضة لأطماع وتدخلات خارجية من الأمم الأقوى منها آنذاك، وبهذا تكون الغاية الكبرى هي توحيد إيطاليا أولاً، ولو تحت راية حاكم فرد مستبد، ثم السعي بعد ذلك لتكوين جمهورية تسودها الفضائل الإنسانية والقانونية.

يُبرز ذلك الروح الوطنية العالية التي كان يمتاز بها مكيافيلي، الذي كان يتألم لحال وطنه إيطاليا مقارنة بفرنسا وإنجلترا وغيرها من الدول الأوروبية القوية حينها، ومن ناحية شخصية فمكيافيلي -وبحسب المصادر التاريخية- ليس ذلك الشخص الجلف والقاسي، الذي يعكسه مضمون كتابه "الأمير"، فقد عُرف على العكس من ذلك بطابعه الاجتماعي، وبلباقته الدبلوماسية سواء حين كان قنصلاً لفلورنسا أو في معاملاته مع محيطه، وصاحب حس أدبي رفيع، فقد كتب العديد من الأعمال المسرحية على رأسها رائعة "لاماندراغولا"، وقد كانت أعماله الأدبية في أغلبها ساخرة وناقدة لأحوال إيطاليا عموماً، وفلورنسا على وجه الخصوص، وما كانت تشهده من استشراء للفساد وسوء الأخلاق وغلبة المصالح الشخصية على حساب الصالح العام.


وهو فوق ذلك مثقف من الطراز العالي، ومقدِّس للعلم والفكر، وليس أدل على ذلك من وصفه لنفسه وليومياته، التي وردت في كتاب المفكر "ملحم قربان"، حين كان في منفاه بمنزله الريفي الوضيع في قرية "سان كاسيانو"، حيث قال: "وأخلع على عتبة البيت ثيابي التي لوّثتها الأوحال وأثر فيها شغل يومي، لأرتدي بدلاً منها ثياباً ملوكية، أدخل فيها إلى مجالس القدماء من رجال الفكر الذين يستقبلونني بلطف وبشاشة، ويُولِمُونَني وحيداً على موائد أفكارهم التي وُلدت من أجلها.. هناك حيث أنسى نفسي وجميع أحزاني طيلة ساعتين من الزمن".

ربما كان الجانب الأضعف في شخصية مكيافيلي هو سعيه للأضواء والمناصب، ومرد ذلك هو تقديره الكبير لذاته، والذي قد يصل أحياناً حد النرجسية، إذ كان يرى أن له من المواهب والمعارف ما يؤهله لأن يكون ضمن الصفوة في بلاط الحكم، وهو ما كان يتغلب عليه في عدة مواقف، وجعله مستعداً لتقديم تنازلات لإسماع صوته، ولفت الانتباه لوجوده، خصوصاً بعد عزله من منصبه ونفيه، ومن مظاهر ذلك مراسلته في كل مرة لآل مديتشي تقرباً منهم، وإهداؤه كتاب الأمير لـ"لوران دي مديتشي"، ولعل الحالة النفسية الصعبة لمكيافيلي ومعاناته في منفاه كانت أقوى مما يمكن أن تتحمله روحه الرقيقة وتطلعاته الكبيرة، وهو ما عبر عنه بحسب الأستاذ "يوسف حسين" في مقدمة مسرحيته الأشهر "لاماندراغولا"، حين قال: "إذا كانت هذه القصة غير جديرة لتفاهتها بأن تكون من تأليف من يريد أن يظهر بمظهر السياسي العاقل الذي يلتزم الجدية، فالتمسوا له العذر، فهو يحاول أن يحول الشر والألم الذي حل به إلى سرور، بعدما سُدت في وجهه كل الدروب، ولم تُتح له الفرصة لإظهار مواهبه، ما دامت كل أعماله لم يقدرها أحد".

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال مقالاتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: [email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

عبدالقادر دندن
مؤلف وأستاذ جامعي من الجزائر
تحميل المزيد