فارسي أم عربي أم من سبي البربر؟.. القائد الإسلامي الكبير طارق بن زياد في المصادر التاريخية

عدد القراءات
952
عربي بوست
تم النشر: 2022/04/25 الساعة 11:55 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2022/04/25 الساعة 11:56 بتوقيت غرينتش

شخصية إسلامية رمزية عظيمة، نالت حظوة كبيرة لدورها المحوري في توسيع الدولة الإسلامية وفتح الأمصار بالمغرب الأقصى وشبه الجزيرة الإيبيرية (الأندلس)، إنها شخصية القائد الإسلامي الكبير طارق بن زياد، وهو أحد قادة الفتح الإسلامي بجيش والي إفريقيا موسى بن نصير، في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم.

طارق بن زياد، الذي انتقل من البر الإفريقي إلى الأوروبي، وقاد جيوش المسلمين في معارك الفتح المبين بشبه الجزيرة الإيبيرية أو الأندلس (إسبانيا والبرتغال الآن) في رجب 92هـ/أبريل 711م، لتخليصها من جَور حكامها القوط الغربيين، وكانت أول منطقة نزل بها- حملت اسمه فيما بعد- منطقة جبل طارق، التي تحولت إلى دولة مستقلة تحت التاج البريطاني حتى اليوم، وكان هذا الفتح بداية للوجود الإسلامي في الأندلس والذي امتد لنحو 800 عام تقريباً، وكان النصر الساحق بقيادته في معركة "وادي لكه" التي أنهت حكم القوط للأندلس.

قوة شخصية طارق بن زياد جاءت من الدور الذي لعبه، حتى إن نسبه صار مثاراً للجدل والخلافات بين الشعوب الإسلامية، وكلٌّ يدّعي أن ابن زياد من أصل قريب منه وينتمي له، فمنهم من قال إنه أمازيغي وآخر قال إنه عربي، وغيره قال بأنه فارسي، ووصل حد الاختلاف بأنه جزائري أو مغربي، خاصة بعد صدور المسلسل التاريخي "طارق بن زياد".

ففي أيامنا هذه، غدت المسلسلات التاريخية عنصراً مهماً في بناء التصورات والأفكار والقناعات التاريخية لدى الأمم والشعوب بخصوص ماضيها، ومثلما يمكن أن يكون لهذه المسلسلات دور إيجابي في التعريف بالتاريخ وتبسيطه لعموم الناس من خلال تصوير حياة القادة العظماء والفاتحين والعلماء، يمكن أن يكون لها دور سلبي يتمثل في تنميط التاريخ وبناء أيديولوجيات محلية، مما ينتج ردود فعل متباينة حول بعض الشخصيات أو الأحداث التاريخية.

يُبث في شهر رمضان الحالي مسلسل "طارق بن زياد "، وهو مسلسل تاريخي يحكي قصة فتح الأندلس، من خلال تسليط الضوء على طارق بن زياد كشخصية محورية. وبعد عرض بضع حلقات من المسلسل نشبت معارك وسجالات على مواقع التواصل الاجتماعي حول أصل وهوية القائد المسلم العظيم طارق بن زياد (رحمه الله).

ومن الغريب أن المرويات العربية والإسلامية لا تحدثنا كثيراً عن فاتح الأندلس بشيء قبل ولايته لطنجة، بل إننا نجد اختلافاً واضحاً في أصله ونسبه، فقيل إنه فارسي من همذان كان مولى لموسى بن نصير، وقيل إنه من سبي البربر، كما نجد أيضاً من يؤكد نسبه العربي. وسنحاول أن نعرض لمختلف هذه الروايات.

يورد ابن عذاري المراكشي صاحب كتاب "البيان المُغرِب في أخبار ملوك الأندس والمَغرِب"، نسب طارق بن زياد، ويقول: "وقد اختُلف في نسبه، فالأكثرون على أنه بربري من نفزة، وأنه مولى لموسى بن نصير من سبي البربر، وقال آخرون إنه فارسي.. هو طارق بن زياد بن عبد الله بن رفهو بن ورفجوم بن ينزغاسن بن ولهاص بن يطوفت بن نفزاو".

لم يورد ابن خلدون نسب طارق بن زياد بالتفصيل، ولكنه في معرض حديثه عن ظروف فتح الأندلس، نسب طارق بن زياد إلى بني ليث، وبنو ليث هي إحدى القبائل العربية المعروفة من فروع قبيلة كنانة.
وفي الاتجاه نفسه تقريباً، ذهب المؤرخ ابن خلكان، صاحب كتاب "وفيات الأعيان"، الذي أرجع نسب طارق بن زياد إلى قبيلة الصدف الحضرمية اليمنية.

ويذكر حسين شعيب في كتابه "طارق بن زياد فاتح الأندلس"، أن طارق بن زياد هو طارق بن زياد البربري ينتمي إلى قبيلة "الصدف"، وكانت مضارب خيام هذه القبيلة في جبال المغرب العالية، وهي قبيلة شديدة البطش، وكثيرة الغزو، وكانت ديانتهم الوثنية، وقال: "اختلف المؤرخون في نسبته وشهرته، فذكر بعضهم أنه بربري الأصل ينتمي إلى نفزاوة من بربر إفريقيا وهي البلاد التي يطلق عليها اسم (تونس) الآن، وفي رواية أخرى أنه بربري ينتمي إلى قبيلة (زناتة)، ويرى البعض أنه من موالي الفرس من مدينة همذان، ولكن مما لا شك فيه، ولم يختلف عليه المؤرخون أنه كان مولى لموسى بن نصير، وكان موسى يثق به كثيراً وعيَّنه والياً على مدينة طنجة، وبعدها استدعاه وأوكل إليه فتح إسبانيا؛ لكونه توسم فيه صدق العزيمة والشجاعة والأقدام. وبما أنه يرجح أن يكون من بربر إفريقيا، فقد كان معظم جنده من البربر؛ لأنه يستطيع أن يؤثر عليهم ويأخذ بأيديهم إلى النصر".

كما أن من الدلائل التي يعتمد عليها بعض المؤرخين في إثبات النسب العربي لطارق بن زياد، مسألة اسمه الثلاثي، فهو طارق بن زياد بن عبد الله كما ورد في جل المصادر التاريخية، والمعروف أن العرب عادةً ما كانت تعتمد الاسم الثلاثي، عكس البربر، علاوة على أن طارق وزياد وعبد الله كلها أسماء عربية. ومن المؤشرات الأخرى، الوظيفة التي كان يزاولها طارق بن زياد قبيل الفتح، فقد عيَّنه موسى بن نصير قائداً وواليا على طنجة، والمعروف أن بني أمية لم يكونوا عادةً يولون على الجيش غير العرب.

ومن الجدير بالذكر أن طارق بن زياد رجع إلى الشام ومكث هناك حتى توفي سنة 101هـ/720م، ويعتبر بعض المؤرخين أن هذا دليل آخر على أن طارق بن زياد عربي، فلو كان بربرياً لَرجع إلى قبيلته وعاش أواخر أيامه بين قومه.

حارب طارق بن زياد الوثنيين بشمال إفريقيا في كثير من المواقع قبل توجهه إلى الأندلس، وعلى يده دخل كثير من أهل المغرب في الدين الإسلامي، وقد توسم فيه موسى بن نصير صدق العزيمة والشجاعة والإقدام، إلى ما امتاز به من فصاحة اللسان، وقوة البيان، والتأثير في سامعيه واستماتته في الجهاد وإعلاء كلمة الحق.

غالباً كان طارق من البربر وعامّة جنوده كذلك، فيهم شجاعة وإقدام، فقد تربوا في أحضان الإسلام وعلى تعاليم القرآن الكريم، وأصبحوا أصحاب رسالة خالدة صنعت منهم أبطالاً، وقدموا في سبيل دينهم وعقيدتهم الغاليَ والنفيس، بل نجزم بأن الجيوش الإسلامية الضاربة التي اصطدمت بالإسبان اعتمدت بعد الله على إخواننا من البربر الذين اندفعوا خلف طارق في سبيل هذا الدين ونشره، إن العقيدة الإسلامية صهرت المنتسبين إليها عرباً وعجماً في رحاب الإسلام العظيم.

ومهما يكن، وسواء كان طارق بن زياد أصله تركياً أو روسيّاً أو صينياً أو أوروبياً أو عربياً أو أمازيغياً، أو ينتمي لمنطقة هي اليوم ضمن أراضي المملكة المغربية أو الجزائرية أو اليمنية، فلا أحد يمكن أن ينكر الدور العظيم الذي قامت به هذه الشخصية في التاريخ الإسلامي، فقد كان قائداً محنكاً استطاع بفضل مهارته العسكرية استكمال فتح الأندلس، ونشر الدين الإسلامي الحنيف هناك. 

والإنسان المؤمن معياره ليس الجغرافيا السياسية الحديثة ولا الانتماءات العصبية المقيتة أو العرقيات وإنما ميزانه الإيمان والتقوى والعمل الصالح، فالإسلام هو دين الله تعالى لكل البشر، وبه نزلت كل الرسالات السماوية ونطق به كل نبي باللغة التي يتكلم بها قومه، إلى أن نطق الإسلام أخيراً باللغة العربية في القرآن الكريم الذي حمل الرسالة السماوية النهائية للبشر إلى قيام الساعة، وهذا في حد ذاته يبين بالحجة القاطعة عالمية الإسلام وأنه المعيار الأسمى. وقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ إِلَّا بِالتَّقْوَى" رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.

إن التقوى والعمل الصالح هما جوهر كل الرسالات السماوية، حيث خاطب الله- تعالى- كل الرسل فقال: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) (المؤمنون: 52).

المصادر:

1- علي محمد الصلابي، الدولة الأموية، عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار، دار ابن كثير، بيروت، 1426ه-2005م

2- أبو العباس ابن خلكان، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، دار صادر، بيروت، 1400ه/1980م، ج5. 

3- أبو العباس بن عذاري المراكشي، البيان المغرب في أخبار ملوك الأندلس والمغرب، تحقيق، بشار عواد معروف، ومحمد بشار عواد، دار الغرب الإسلامي، تونس،1434ه/2013م، ج2.

4- حسين شعيب، طارق بن زياد فاتح الأندلس، دار الفكر العربي، بيروت، 1425ه/2004م.

5- عبد الرحمن بن خلدون، العبر، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت،1391-1971، ج4.

6- محمود شلبي، حياة طارق بن زياد فاتح الأندلس، دار الجيل، بيروت، 1412ه/1992م. 

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال مقالاتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: [email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علي الصلابي
داعية ومؤرخ إسلامي
داعية ومؤرخ إسلامي متخصص في قضايا الفكر السياسي والتاريخ الإسلامي
تحميل المزيد