إذا كان الإسلام يحض على العدل والشورى.. فلماذا أجاز بعض الفقهاء طاعة الحاكم المتغلب؟!

عربي بوست
تم النشر: 2022/04/07 الساعة 12:14 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2022/04/07 الساعة 12:14 بتوقيت غرينتش

لا خلاف بين علماء الشريعة على أن الحاكم المسلم يستمد سلطانه من الأمة، أي من الناس الذين يحكمهم، وبالتالي المتوقع أن يقوم الحكام على صيانة المبادئ والقيم التي يؤمن بها الناس الذين أوكلوا إليهم القيام على شؤونهم، وبذلك فإن على الحاكم خدمة الناس والقيام على مصالحهم، والعمل على حماية البلاد ورفع شأنها، وليس هناك خلاف على ذلك، كيف إذن أجاز الفقهاء حكم المتغلب؟ ألم يُسهم الفقهاء بذلك في إعطاء الشرعية لكل الحكام الذين استولوا على الحكم بالقوة دونما خيار من الشعب؟

الحق أن كل الحكام في التاريخ الإسلامي بعد عصر الراشدين لم يكونوا يصلون إلى الحكم بترشيح الأمة لهم، ولم تُتح للشعب حقوق الاختيار والموازنة بين مجموعة مرشحين، ثم تولية من يغلب على رأي الأمة أو ممثليها أنه الأقدر.

 أصبح حكم المتغلب هو القاعدة في الدولة الإسلامية، قد يظن البعض أن ظاهرة الديكتاتورية، وتولي الحاكم للسلطة بفضل قوة انقلابية أو ما يشبهها شيء مستجد في تاريخ المسلمين، ولكن الحق أن ما يحصل اليوم إنما هو امتداد لما كان يحدث عبر التاريخ، منذ انتهاء حقبة الخلفاء الراشدين، ما يحدث اليوم فقط أن الحكام استفادوا من الإمكانيات التي أتاحها التقدم المادي وتطور وسائله في العالم، ولكن الجوهر بقي واحداً، وهو قيام الحكم على التغلب.

يرى الأستاذ عبد الكريم بكار في كتابه أساسيات في نظام الحكم في الإسلام، 

أن اعتراف الفقهاء بولاية المتغلب إنما كانت بناء على عدد من القواعد الفقهية، ومنها احتمال أهون الشرين، أي دفع الضرر الأخطر باحتمال الضرر الأقل، فمقاومة المتغلب ستكون في تقديرهم أعظم خطراً من بقائه، لما يترتب على المقاومة من إراقة الدماء وإهدار مصالح الناس، وفي حالة أن يكون ضرر بقائه أكبر من ضرر مقاومته فإن المصلحة تكون حينئذ في الخروج عليه، حتى ولو تطلب ذلك القتال. 

ولا يعتبر الفقهاء الذين أجازوا حكم المتغلب أن الخروج عليه بغي، ويمثلون لذلك بخروج الحسين على يزيد، ولو أدى الخروج على المتغلب إلى خلعه فإن الفقهاء لا يترددون في الاعتراف بمن يخلفه اعترافاً صحيحاً إذا كان مستكملاً للشروط، أفهم هنا من عبارة استكمال الشروط أن يكون ترشيحه من فئة معتبرة كأهل الشورى، وأن تُوافق عليه الأمة، ولكن إذا لم يستكمل الشروط فإن الفقهاء يعترفون به اعتراف ضرورة، كاعترافهم بسلفه، وهنا لا يكون لسلفه حق الاعتراض؛ لأن الاعتراف به كان في الأصل اعتراف ضرورة.

 ولا يعفي الاعتراف بحكم المتغلب الأمةَ عن القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونصح المتغلب، هذه يعتبرها الدكتور بكار نوعاً من الضغط الأدبي المطلوب، ودليل ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر". ومع الإقرار بسلطة المتغلب فإن طاعته تبقى في حدود ما يوافق الشرع، فلا سمع ولا طاعة في معصية.

 يخلص د. بكار إلى أن تجويز حكم المتغلب إنما كان للضرورة، وبقدر الحاجة، مثل تجويز أكل لحم الميتة، وأن هذا كان دليل حكمة يُسجل لفقهاء المسلمين ضمن معطيات زمانهم، خاصة أن ثورات الخوارج قد أشاعت في مجتمع المسلمين آنذاك الفوضى والقتل وضياع الأمن، ومثل تلك الحركات المسلحة كانت تدفع الأمة دائماً إلى أسوأ الخيارات.

للأسف مع الوقت أصبح الحاكم المتغلب هو السائد، وفي نظري أنه قد استقر في وعي الأمة أن هذا الأمر مقبول، وتهيأت المسألة للقبول بالديكتاتورية في ممارسات الحكم في عصرنا كإحدى صلاحيات الحاكم.

وهنا نجد تعقيبات مهمة للدكتور بكار، علّها تزيل اللبس الناشئ عن تفهم موقف الفقهاء. فهو يقول إنه يرى أن تعامل الفقهاء مع القضية لم يكن مسدداً، ولو تقبلنا رأي الفقهاء السابقين في عصرهم، فاستمرار فقهاء عصرنا على قبول الحاكم المتغلب أمر لا يمكن تفهّمه ضمن المعطيات الحالية.

 والأصوب هو عدم الاعتراف بأي قادم للسلطة على أي مستوى من المستويات ما لم يكن مُنتخباً بطريقة صحيحة، واعتباره مغتصباً للسلطة، وينطبق هذا الأمر على من يُزوّر الانتخابات. 

ويتابع بأن المقاومة السلمية بكل أشكالها يجب أن تستمر، ويضرب أمثالاً للمقاومة السلمية بالمقاطعة والاحتجاج والنبذ الاجتماعي، ولا شك أن هذا التعقيب مهم لترسيخ ثقافة مجتمعية لا تقبل بحكم المتغلب، وإن كان قصر المقاومة على المقاومة السلمية هو نوع من البحث عن عذر للقبول الاضطراري بالحاكم المتغلب، خاصة أن هذه الممارسة ترفض حتى أشكال المقاومة السلمية المقترحة. وربما كانت متابعة الدكتور بكار لمسارات الأحداث في بلده سوريا سبباً لهذا الاستدراك.

 وحيث أقر الفقهاء حكم المتغلب تفادياً للضرر الكبير الذي ينشأ عن مقاومته، يأتي التساؤل، إذن مَن الذي يُقرر الضرر، المسألة تستحق أكثر من مجرد اجتهاد فقيه منفرد، بل يستحق هيئة خبراء، وهذا لا يتاح عادة في ظل حكم المتغلب.

أما رأي الفقهاء بأن مقاومة الحاكم المتغلب لا تعتبر بغياً، فإن هذه المقولة تفتح باباً واسعاً للصراع على السلطة، فكل فئة في المجتمع تعتقد أن بإمكانها أن تُسقط ولاية المتغلب، فإنها حين تحلّ محله لن تقوم على الأغلب بإرجاع الأمر إلى الأمة لتختار مَن ترى أنه الأولى بالحكم.

 تبدو المسائل واقعياً أصعب منها على المستوى النظري، ولكن تعديل الخطاب من إجازة حكم المتغلب إلى جعله حكماً غير شرعي، مع تحديد مقاومته بالوسائل السلمية، خروج ذكي إلى إعادة بناء الرأي العام بناءً رافضاً للحكم الديكتاتوري الذي يتوسل لشرعيته بفقهاء يسوغون قبوله بناء على الآراء الفقهية القديمة. ومع التوسع في بناء مؤسسات المجتمع المدني التي تقوم بعمل الخير، وتراقب الفساد وتحمي الشفافية قد يصل في النهاية إلى إدراك جماعي يجعل الحكم بالغلبة أمراً يثير الاشمئزاز في كل شرائح المجتمع، بما فيه الشريحة المتحالفة مع الحاكم المتغلب.

أفضى الإقرار بشرعية المتغلب إلى قصور الفقه الإسلامي عن إرساء قواعد العقد الاجتماعي الذي يأخذ به الأوروبيون، ويعتبرونه أرقى ما وصلت إليه نظريات الحكم. قرر هوبز، القانوني الإنجليزي أن تاريخ البشرية هو تاريخ عدوان الإنسان على الإنسان، ولهذا فإن الناس في حاجة إلى عقد يتنازل فيه بعضهم لبعض عن شيء من الحقوق، في سبيل أمن وسلامة الجميع، وبما أن من طبيعة الإنسان الشر فإن تنفيذ العقد يتطلب قوة تملك نفوذاً أعلى من العقد لتنفيذه بالقهر والإجبار، وهذه القوة هي الحكومة. ثم استدرك جون لوك وقال: إنه لا يصح تبرير الطغيان بحجة تنفيذ العقد بالقوة، ولذا فلا بد من أن تكون السلطة مقيدة بقبول الأفراد لها، ولهم سحب الثقة بها، وبالتالي إسقاط شرعيتها، ويعزى لجان جاك روسو فضل تقعيد العقد في صورته التي تُمارس حالياً، بذور فكرة العقد الاجتماعي موجودة عند الفقهاء المسلمين، فقد تحدثوا عن عقد بين طرفين: الأمة والحاكم الذي يتم اختياره، واعتبروا أن أول عقد أُبرم هو عقد الخليفة الراشد أبو بكر الصديق، وقد سمَّوه وقتها بيعة، وأن مَن مثلّوا الأمة في إجراء العقد هم أهل الحل والعقد، ونصَّ كثير من الفقهاء كما ذكر د. بكار على أن الإمامة عقد، واستخدموا في إنهائه ما يستخدمونه في إنهاء العقود من ألفاظ، مثل: الفسخ والإقالة. 

من الاستقراء التاريخي يظهر أن شرعنة المتغلب كان لها دور في عدم نضج فكرة العقد الاجتماعي عند المسلمين. يضاف إلى ذلك اختلاف الفقهاء في تحديد نوع العقد بين الأمة والحاكم، هل هو عقد وكالة يمكن إلغاؤه من قِبل الأمة، ويعني هذا عزل الحاكم ومراقبته ومحاسبته؟ أم هو عقد ولاية لا تستطيع الأمة تعطيله، كما لا يستطيع الأبناء الصغار عزل وليهم. عقد الولاية في هذه الحالة سيفتح باباً خلفياً لاستبداد الحاكم؛ ولذا على الفقهاء المسلمين الاستفادة من تجارب البشرية، حتى لا يحملوا وزر شرعنة مظالم الحاكم وديكتاتوريته.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال مقالاتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: [email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

صالح الشحري
طبيب فلسطيني
طبيب فلسطيني واستشاري أمراض نساء و توليد. مهتم بالشأن الثقفي وقضايا المجتمع وسبق أن كتبت عدة مقالات في موقع huffpost النسخة العربية.
تحميل المزيد