حرب بوتين في أوكرانيا تضع بايدن في مأزق أمام محمد بن سلمان!

عدد القراءات
2,135
عربي بوست
تم النشر: 2022/03/18 الساعة 14:02 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2022/03/18 الساعة 14:02 بتوقيت غرينتش
الرئيس الأمريكي جو بايدن وولي العهد السعودي محمد بن سلمان/ عربي بوست

قبل ثلاثة أسابيع قصيرة، لم يكن الرئيس الأمريكي جو بايدن في عجلةٍ من أمره للتحدُّث مع الحاكم الفعلي للمملكة السعودية والملك القادم للدولة الحليفة الرئيسية للولايات المتحدة. 

تماشياً مع سياسته المتمثلة في نبذ القاتل المفترض للصحفي السعودي جمال خاشقجي، يمكن لوليّ العهد الأمير محمد بن سلمان أن يُشنق. ولكن بعد أن أثار الهجوم الروسي على أوكرانيا اندفاعاً محموماً لمنع وصول سعر النفط إلى 300 دولار للبرميل، حان دور وليّ العهد لعدم التعجُّل في الردِّ على الهاتف. 

لكن كيف تحوَّلت عجلة الحظ لصالح وليّ العهد؟

عندما يصل بوريس جونسون إلى الرياض هذا الأسبوع- يُقال إنه ومحمد بن سلمان على اتصال من خلال تطبيق واتساب- يمكن لوليّ العهد السعودي تحمُّل تكاليف انتظار ضيفه البريطاني. حدَّدَ بن سلمان لبايدن ثمناً باهظاً للعب بسعر النفط. 

ذكرت صحيفة Wall Street Journal الأمريكية أنه يريد المزيد من الدعم الأمريكي للحرب في اليمن، والمساعدة في البرنامج النووي السعودي، والحصانة القانونية في الولايات المتحدة ضد الإجراءات القضائية من قبل أمثال سعد الجابري، ضابط المخابرات السعودي السابق الذي زعم أن محمد بن سلمان أيضاً حاول قتله. 

اثنان من هذه المطالب ممكنة، لكن الثالث ليس كذلك. 

بحثاً عن الشرعية 

يسعى وليّ العهد في المقام الأول إلى الشرعية. لقد قتل وعذب وسجن وسرق طريقه إلى القمة، من خلال القضاء بلا رحمة على أيِّ أميرٍ منافس له بنفس حقه في العرش. 

أما ما يسعى إليه بايدن من وليّ العهد، فهو إنتاج النفط الذي سيبقي سعر البرميل ضمن الحدود. 

إن ثمن وليّ العهد بعيد المدى واستراتيجي، وثمن بايدن مؤقتٌ وتكتيكي. 

ليس من الواضح ما إذا كان أيٌّ منهما سيحقِّق ذلك. 

حيَّر محمد بن سلمان آخر المحاورين الذين أجروا معه مقابلات، غرايم وود من مجلة The Atlantic الأمريكية، برفضه العفو عن سجناء كانت جريمتهم معارضة سياسة لم تعد موجودة – مثل مقاطعة قطر. 

كان ردُّ فعل وليّ العهد أنه إذا قدَّم المغفرة إلى الأشخاص الطيبين الذين يستحقونها، فسيتعيَّن عليه أن يمدها بالتساوي إلى الأشخاص السيئين الذين لم يستحقوها، ثم تأمَّل وود قائلاً: 

"أدركت أن محمد بن سلمان لم يقُل إن فشل خطته في إعادة تشكيل المملكة قد يؤدي إلى كارثة. كان يقول إنه سيضمن ذلك. العديد من القادة العرب العلمانيين قبله قدموا نفس التفسير المظلم: دعم كل شيء أقوم به، أو سأترك كلاب الجهاد تفلت من أيدينا. لم تكن هذه حجة. لقد كان تهديداً". 

لا تكفي الكلمات أبداً لحاكمٍ وحشي مثل محمد بن سلمان. في غضون أيام من نشر المقابلة، أُعدِمَ 81 سجيناً في يومٍ واحد، 41 منهم من المسلمين الشيعة من منطقة القطيف الشرقية.

إذا كانت رسالة بن سلمان "خذني كما أنا" واضحة، فليس من الواضح ما إذا كانت علاقات واشنطن مع الدولة الخليجية ستعود إلى الوضع الافتراضي السابق. 

الوضع الافتراضي نفسه يمكن أن يتغيَّر. 

التغيير الحقيقي 

اهتزَّ إيمان المملكة بالدولة التي توفر الأمن لها بسبب وصول بايدن للحكم، والانسحاب الأمريكي من كابول، والشعور بأن المحرِّك العسكري الأمريكي لا يزال عالقاً في الاتجاه المعاكس. اليمن نقطة شائكة أخرى، بعد أن استخدم بايدن خطابه الأول في السياسة الخارجية ليقول إن إنهاء الحرب كان هدفاً رئيسياً. 

أصبح بايدن عالقاً في منصبه بين خوفه من إحداث تغييرٍ حقيقي والتصريح بذلك. 

لدى بايدن كلُّ ما يلزم للطائرات السعودية. يعتمد سلاح الجو الملكي السعودي على الدعم الأمريكي والبريطاني لأسطوله الجوي المكون من طائرات مقاتلة من طراز إف-15، وطائرات هليكوبتر أباتشي وطائرات تورنادو. إذا سحبت واشنطن أو لندن فنييها أو أوقفت تدفُّق قِطَع الغيار، فسوف تتوقَّف الطائرات السعودية. 

نشر بايدن تقرير وكالة الاستخبارات المركزية حول مقتل خاشقجي، لكنه رفض دعم تحقيق الأمم المتحدة في القضية. قال إنه سينهي دعم العمليات الهجومية في اليمن، ومع ذلك فإن الحرب التي تقودها السعودية هي، بحكم تعريفها، هجومية. 

وهو لم يدعُ إلى إنهاءٍ فوري للحصار السعودي على اليمن. 

رغم كلِّ كرهه للرجل، فعل بايدن الكثير للحفاظ على محمد بن سلمان في مكانه مثل سلفه دونالد ترامب. وبحسب الأمم المتحدة، فإن الحرب التي شنها على اليمن ستودي بحياة 377 ألف شخص بحلول نهاية العام. ومع ذلك، فإن التقلُّب الأمريكي بين ترامب وبايدن هز الثقة السعودية والإماراتية في اعتمادهما على واشنطن. 

أثارت رئاسة بايدن تغييرات في السياسة الخارجية لكلِّ دولة خليجية.

وضعت المملكة السعودية حداً لحصارها المحكوم عليه بالفشل على قطر، وتستثمر الإمارات في تركيا.

يقدِّم كلا البلدين مبادراتٍ إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وقعت المملكة السعودية اتفاقية تعاون عسكري مع وزير الدفاع الروسي سيرجي شويغو، أحد خمسة رجالٍ متشدِّدين يديرون الهجوم على أوكرانيا، في معرضٍ تجاري في موسكو في أغسطس/آب الماضي.

ولن يمر مرور الكرام أن المملكة قد دعت الآن الرئيس الصيني شي جين بينغ لزيارتها، وهي زيارةٌ قد تجري في مايو/أيَّار. 

رسائل مختلطة

أيَّدت الإمارات قراراً في الجمعية العامة للأمم المتحدة يطالب بانسحاب روسي فوري، وامتنعت عن التصويت على نص مماثل في مجلس الأمن.

وقال المستشار الرئاسي الإماراتي أنور قرقاش إن الانحياز إلى جانب "لن يؤدي إلا إلى مزيدٍ من العنف".

يتدفَّق رجال الأعمال والحكام والشباب الروس الذين يشعرون بالعزلة الوشيكة لبلدهم إلى أبوظبي، التي تحلُّ سريعاً محلَّ لندن باعتبارها المغسلة الدولية للأموال الروسية.

وكان الامتناع عن التصويت في مجلس الأمن رداً مباشراً على محاولات وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن ضم الإمارات إلى "ردٍّ دولي قوي لدعم السيادة الأوكرانية". 

لكن الرسائل من أبوظبي مختلطة..

تذبذَبَ الإماراتيون في خفض أسعار النفط. وأدى بيانٌ لسفير الإمارات في واشنطن، يوسف العتيبة، لصالح زيادة الإنتاج، إلى انخفاض سعر البرميل، حتى تناقَضَ ذلك مع وزير الطاقة، سهيل محمد المزروعي، الذي قال إن الإمارات ستلتزم باتفاق أوبك للإنتاج الشهري. 

هناك علامتان أخريان على أن الإماراتيين لا يريدون تنفير واشنطن، مع إبقاء العلاقات مفتوحةً مع بوتين. كان وزير خارجيتهم، عبد الله بن زايد، قد خطَّط لزيارة روسيا. وتحت ضغط الولايات المتحدة، ألغى الزيارة، مشيراً إلى أن جائحة كوفيد هي السبب. 

وقامت الإمارات، بدورها، بتغيير سياستها الخاصة بإصدار التأشيرات للأوكرانيين، والتي كانت قد قيَّدتها في البداية.

ليس من مصلحة أي من الدولتين الخليجيتين خفض سعر النفط، حيث تتدفَّق الإيرادات القياسية إلى الميزانيات التي تعاني من ضائقة مالية. الحقيقة الصريحة هي أن حرب بوتين هي أخبار جيدة لكليهما. من قال إن النفط بلغ أقصى حدٍّ له؟ 

الفائزون والخاسرون 

إن تدفُّق الأموال -مرة أخرى- إلى خزائن الدولتين الخليجيتين اللتين قامتا، في المقام الأول، بزرع وتمويل الديكتاتوريين والتدخُّلات والانقلابات، ليست أخباراً جيدة للعالم العربي. كما حدث مرات عديدة في الماضي، فإن الثروة التي يحصل عليها هؤلاء الطغاة لن تؤدي إلا إلى ترسيخ وتوطيد حكمهم. 

سيشعرون بحرية أكبر في إلقاء ثقلهم في جميع أنحاء العالم العربي لإبقاء الطغاة المتشابهين في التفكير، مثل عبد الفتاح السيسي في مصر وقيس سعيد في تونس، في السلطة. ومهما حدث الآن في أوكرانيا، فإن محمد بن سلمان ومحمد بن زايد، وليّ عهد أبوظبي، هما الفائزان.

أظهرت مقابلة محمد بن سلمان مع مجلة The Atlantic أنه لم يتعلَّم شيئاً من أخطائه السابقة. لا يزال متهوراً وغافلاً عن عواقب أفعاله. هناك إرادة واحدة فقط في مركز فَلَكَه، ألا وهي إرادته هو. 

ومهما حدث فإن الشعوب العربية ستكون الخاسرة. 

حتى قبل هجوم بوتين، كانوا يعيشون في دول أضعف بكثير مما كانت عليه عندما اندلع الربيع العربي في عام 2011. وكثير منهم على وشك الإفلاس.

تواجه مصر بالفعل تضخماً في أسعار الغذاء لم نشهده منذ الربيع العربي، وستكون مصر في وضع صعب لاستبدال الإمدادات الأوكرانية من القمح. ارتفع سعر القمح بنسبة 44% وزيت عباد الشمس بنسبة 32% بين عشية وضحاها. ولدى مصر مخزون قمح يكفي لأربعة أشهر. 

يفرُّ المستثمرون الأجانب من سوق السندات المصرية. وصف الخبير الاقتصادي ممدوح الولي مصر بأنها "محاصرة سياسياً واقتصادياً" مع فرار المستثمرين من الأسواق الناشئة. وأضاف: "زادت حدة تراجع المشتريات الأجنبية لأدوات الدين الحكومية المصرية في أعقاب الهجوم الروسي على أوكرانيا في محاولةٍ للابتعاد عن الأسواق الناشئة غير المستقرة". 

وتابع الولي: "تشير التقديرات المصرفية إلى بقاء حوالي 3 مليارات دولار في مصر في الأسبوع الذي أعقب الهجوم الروسي. وسواء استمرت الحرب في أوكرانيا أو انتهت، فمن المرجح أن يزداد خروج الاستثمار الأجنبي في أدوات الدين الحكومية المصرية مع ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية، ومن المتوقع حدوث خمس زيادات من هذا القبيل خلال العام الحالي". 

لا يوجد في لبنان احتياطي يكفي لأكثر من 45-60 يوماً من الغذاء الأساسي. ومع ارتفاع معدلات البطالة، يكافح الأردن للخروج من ركود جائحة كوفيد وسط استياء اجتماعي غاضب في شرق البلاد. وإظهار السخط العام على الملك ليس بالأمر النادر.

على الأقل في الأيام الخوالي للثروة النفطية الخليجية، كان بعضٌ منها يقسَّم بالفعل. أنفق العاهل السعودي الملك عبد الله عشرات المليارات من الدولارات لدعم الدول العربية الشقيقة. لم يعد هذا يحدث.

انفجار ثالث

لم تكن الفجوة بين الأغنياء والفقراء في أي وقت من الأوقات أكثر غرابة: بين الأزواج الملكيين السابقين مثل الأميرة هيا والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، اللذين أنفقا 3 ملايين دولار على الفراولة في صيف واحد، أو محمد بن سلمان الذي أنفق 450 مليون دولار على لوحة مزيَّفة لدافنشي، والمستويات القياسية من الفقر والبطالة في المنطقة. 

قبل الهجوم الروسي على أوكرانيا، توقَّعَت دراسةٌ موثوقة أجرتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا أن تنخفض معدلات الفقر في المنطقة العربية بنسبة 1% خلال العامين المقبلين، لكنها لا تزال عند 27%. 

وقال أحمد مومي، المؤلِّف الرئيسي للدراسة: "مع ذلك، ستظل معدلات البطالة من بين أعلى المعدلات في جميع أنحاء العالم، لا سيما بين النساء والشباب، على الرغم من أنه من المتوقع أن تنخفض من 11.8% في عام 2021 إلى 10.7% في عام 2023". 

إذا كان يمكن اعتبار التوتر بين الحكام والمحكومين على أنه فترةٌ ما قبل ثورية، فهو كذلك الآن. 

وكالعادة، ينظر الاتحاد الأوروبي الغني في الاتجاه الآخر. إنه يتجه شرقاً وليس جنوباً. هل هو مستعدٌ لانفجارٍ ثالث سيحدث بسبب سةالارتفاع غير المسبوق في أسعار السلع الأساسية الذي سيحدد ملامح هذا القرن، بعد كابول وأوكرانيا؟ أشكُّ في ذلك. 

ومع ذلك، فإن سياسة أوروبا المتمثِّلة في التعامل مع الطغاة ستعود بالتأكيد لتطاردها. 

– هذا الموضوع مترجم عن موقع Middle East Eye البريطاني.

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

ديفيد هيرست
كاتب صحفي بريطاني
ديفيد هيرست، رئيس تحرير موقع Middle East Eye البريطاني، وكبير الكتاب في الجارديان البريطانية سابقاً
تحميل المزيد