ديمونة: مدينة عبرية، تأسست عام 1955 على أراضي قبيلة العزازمة في النقب الأوسط على مسافة 32 كم إلى الجنوب الشرقي من مدينة بئر السبع، و35 كم إلى الغرب من البحر الميت، لتكون قريبة من مناجم الفوسفات والنحاس وحقول النفط والغاز الطبيعي ومنشآت البوتاس، ولبعدها عن المناطق المأهولة؛ يمكن إقامة منشآت صناعية استراتيجية فيها.
استوعبت ديمونة 36 عائلة من اليهود الشرقيين الذي هاجروا للبلاد من شمال إفريقيا، ازداد عدد سكانها تدريجياً بقدوم مهاجرين يهود من الأمريكان السود، ويهود بعض الدول الأوروبية، وآسيا والأرجنتين ويهود الاتحاد السوفييتي.
في 3 أكتوبر/تشرين الأول 1957، وكمقابل للمشاركة الإسرائيلية في أزمة السويس عام 1956، وقَّعت فرنسا و"إسرائيل" اتفاقية تلزم فرنسا ببناء مفاعل نووي بقدرة 24 ميغاوات للثانية، ومصنع إعادة المعالجة الكيميائية. بُني هذا المفاعل سراً في صحراء النقب، حسب بروتوكولات لم تلتزم بما ورد على الورق، وخارج نظام التفتيش التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية!
وبحسب بحث منشور في مجلة Jane's Intelligence Review فإن فرنسا قدمت الخبرة النووية "لإسرائيل"، ليصبح المفاعل قادراً على إنتاج البلوتونيوم وإعادة معالجته على نطاق واسع.
في عام 1958، اكتشفت الولايات المتحدة أمر المفاعل للمرة الأولى عندما أظهرت رحلات طائرات التجسس من طراز "يو- 2" وجود ما يثير الريبة في تلك المنطقة، وهو ما تحوَّل إلى موضوع مناقشات بين الرئيس الأمريكي ورئيس وزراء "إسرائيل" الذي لجأ إلى أساليب المماطلة والخداع، للحفاظ على صداقة الولايات المتحدة، بدايةً، ومن أجل استخدام الخيار النووي كورقة مساومة من أجل إمدادات الأسلحة التقليدية الأمريكية لاحقاً.
قام السفير الأمريكي برحلة جوية ورأى المفاعل وسأل عنه، فادعى آدي كوهين آنذاك بأنه مجرد مصنع للنسيج، وبقي الخبر المُعلن كذلك. حتى مضت أربعة أشهر، ليُنشر في الصفحة الأولى من جريدة نيويورك تايمز أنَّ "إسرائيل" تملك "مفاعلاً نوويَّاً"، ما دفع دافيد بن غوريون رئيس الحكومة إلى الاعتراف بامتلاك مفاعل نووي، وشدَّد على أنّه مركز للأبحاث النووية؛ لتوفير الطاقة لمنشآت تعمل على استصلاح منطقة النقب وليس للأغراض العسكرية!
ولكن التسريبات والوثائق السرية أكدت الهدف العسكري لإنشاء مفاعل ديمونة؛ للحفاظ على وجود دولة الاحتلال في المنطقة، دون إلقاء أي انتباه للتهديدات والمخاطر التي تحيط بالمنطقة وشعوبها ومستقبلها من ذلك المفاعل (حسب ما ورد في كتاب أوراق صهيونية لعلاء الفار)!
في تقرير نُشر في 4 أغسطس/آب 2005، كشفت الـ"BBC" عن وجود أدلة من الأرشيف الوطني البريطاني أظهرت أن المملكة المتحدة باعت سراً 20 طناً من الماء الثقيل "لإسرائيل" مقابل 1.5 مليون جنيه إسترليني في عام 1958، وهو فائض شحنة اشترتها الأولى من النرويج عام 1956.

ويقول بيتر براي في كتابه الصادر عن مؤسسة الأبحاث العربية (ترسانة إسرائيل النووية): "من أجل الحصول على البلوتونيوم من مفاعل ديمونة، كان لا بد من تزويده بستة وعشرين طناً من اليورانيوم كل عام. وكانت إسرائيل في منتصف الستينيات قادرة على إنتاج عشرة أطنان من اليورانيوم سنوياً كناتج جانبي لصناعة الفوسفات. ولتعويض النقص لجأت إلى إكمال حاجتها بالشراء من السوق السوداء العالمية".
بعض أسرار مركز الأبحاث النووية" ديمونة"
جرياً على عادة إسرائيل في جميع الأمور المهمة، فإنها تحتفظ بجانب عالٍ من السرية والغموض يحيطها بهالة من المهابة والتوجس حول ما تمتلكه من قدرات، الأمر الذي يعطيها قوة كافية من الردع دون أن يضطرها ذلك لخوض مواجهات حقيقية. وتعد دولة الاحتلال القوة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط، لكنها ترفض تأكيد أو نفي امتلاكها لأسلحة نووية.
بحسب تقرير نشرته مجلة Jane's Intelligence Review، فإن مبنى المفاعل يعاني منذئذ أضراراً جسيمة بسبب الإشعاع النيتروني، الذي "يُنتج فقاعات غازية صغيرة داخل الدعامات الخرسانية للمبنى، مما يجعله قابلاً للتصدع والانهيار".
العالم الإسرائيلي عوزي إيفبن الذي كان عضواً في إدارة مفاعل ديمونة، حذَّر من وقوع كارثة شبيهة بانفجار مفاعل تشيرنوبل، قائلاً: "مفاعل (ديمونة) صغير جداً مقارنة بتشيرنوبل، ولكنه يعمل وينتج نفايات نووية منذ نحو 55 عاماً، بينما تتراكم النفايات وتخزَّن في موقع المفاعل، لدرجة أن كمية النفايات المشعة التي تراكمت في ديمونة أصبحت لا تقل كثيراً عن الكمية التي انتشرت في كارثة مفاعل تشيرنوبل". وبحسب موقع تايمز أوف إسرائيل، فإن إيفين يقول إن هناك العديد من الأسباب السياسية التي تسهم في إبقاء المفاعل النووي مفتوحاً، منها عدم الرغبة بتعريض آلاف الوظائف للخطر. كما أن بناء مفاعل جديد قد يعني أن على إسرائيل أن تعلن رسمياً عن قدراتها النووية.
وأوردت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية دراسة كشفت عن وجود 1,537 عيباً في أُسس الألمنيوم في مفاعل ديمونة. وتفيد تقارير علمية وصور أقمار اصطناعية بأن مفاعل ديمونة قد دخل في مرحلة الخطر الاستراتيجي بسبب انتهاء عمره الافتراضي.

في مايو/أيار 2015 بثت القناة الإسرائيلية العاشرة تحقيقاً جريئاً وغير مسبوق تحت عنوان "السر المعتم.. فرن ديمونة"، كشفت من خلاله إصابة المئات من عمال وموظفي المفاعل بالسرطان، في ظل محاولة السلطات المسؤولة طمس الحقيقة، وملاحقة ذوي الضحايا، ورفضها الربط بين حدوث الإصابات وبين تسرب الإشعاعات النووية، ونقل التحقيق صرخات عشرات الضحايا.
وأكدت مصادر مراقبة في الكيان الصهيوني أن أبراج التبديد الخاصة بمنشآت المفاعل لم يتم تجديدها منذ أكثر من ثلاثين عاماً، الأمر الذي يشير إلى خطر مماثل لحادثة مفاعل تشيرنوبل إلى جانب أخطار متوقعة ومحتملة جراء تآكل جدران المفاعل وتصدعها وما يرافق ذلك من انزلاقات أرضية تنذر بكارثة بيئية لخطر الانفجار وتسرب الإشعاعات السامة القاتلة.
فاضح السر الأخطر: مردخاي فعنونو
كان فضح فعنونو في عام 1986 لبرنامج إسرائيل النووي تأكيداً للشكوك بأن إسرائيل تمتلك ترسانة نووية، وتبيَّن أن البرنامج النووي الإسرائيلي أكبر وأكثر تقدماً مما كان يُعتقد سابقاً.

فعنونو عمل فنياً لمدة تسع سنوات بمركز ديمونة للأبحاث النووية في صحراء النقب، وجد نفسه في لحظة ما جزءاً شريكاً في التحضير لكارثة نوويَّة، وهو ما أوقعه تحت طائلة تأنيب الضمير، فقرر الاستقالة، وقبل أن يترك وظيفته، قام بتهريب كاميرا إلى داخل المفاعل (برغم منع إدخال الكاميرات) ونجح في تصوير أجزاء من مرافق المفاعل، وجانب من الأعمال التي تجري بمفاعل ديمونة والمعدات التي تستخدم، بما فيها المواد الخاصة باستخراج المواد الإشعاعية المخصصة للإنتاج العسكري ونماذج معملية للأجهزة النووية الحرارية. سافر بالصور إلى لندن إلى صحيفة "صنداي تايمز" تحديداً، التي سلَّمها ما لديه من معلومات سرية وصور أحدثت ضجة ضخمة في العالم؛ لأنها أثبتت أن إسرائيل تشكّل قوة نووية تعادل قوة فرنسا والصين وبريطانيا، وأن المفاعل يتسع لصنع مئات القنابل النووية وتخزينها، وأنه على طول المبنى الرئيس الذي تعلوه قبة فوق قلب المفاعل، وعلى طول مدخنة انبعاثات الغاز، توجد سلسلة من المباني المعروفة باسم معهد ماشون، وأحد هذه المباني (المعهد رقم 2) يمتد ستة طوابق تحت الأرض، ويحتوي على قاعات إنتاج للمواد الانشطارية، منها وحدات استخراج عنصر البلوتونيوم الذي يدخل في تصنيع القنابل النووية. وبالتالي كذب "إسرائيل" حول قوتها النووية الحقيقية!
استُدرج بعدها فعنونو إلى العاصمة الإيطالية روما، حيث اختطفه جهاز المخابرات الإسرائيلي "الموساد"، وقيدوه وحقنوه بمادة مخدرة وأعادوه إلى إسرائيل على متن سفينة ليحاكم بتهمة الخيانة ويُحكم بالسجن 18 عاماً قضى منها 10 سنوات في العزل الانفرادي!
ما الخطر البيئي الذي يشكِّله المفاعل على المنطقة؟
وجود مفاعل ديمونة في منطقة جغرافية صغيرة المساحة مثل فلسطين (27027 كم2) هو بمثابة قنبلة موقوتة قد تنفجر وقد تُدمر المنطقة برمَّتها. مخاطر كارثية متعددة تدور في فلك المفاعل، كل منها قابل ليكون بليَّة بحد ذاته. يتربع على رأسها النفايات المشعَّة الناتجة عن تشغيل المفاعل، وهو ما يُلزم الدول المحيطة بضرورة التصدي لوجوده على رأسها السلطة الفلسطينية ومصر والأردن.
في تحقيق صحفي بعنوان: "هل تحولت الضفة الغربية إلى مكب للنفايات النووية الإسرائيلية؟!" يقول الباحثان فقوسة وكرزم: "تشير بعض الدلائل القوية إلى وجود مواقع يُعتقد أنها تحوي "مكبات نووية أو كيماوية" في بعض المناطق المحيطة بقرى وبلدات محافظة الخليل، مثل مكب صحراء بني نعيم، والذي أكد بدو المنطقة أن "الإسرائيليين" أغلقوا أحد كهوفه الكبيرة بالإسمنت، بعد أن دفنوا مواد غريبة فيه، موهوا بعدها لون الإسمنت بلون الصخر وثبَّتوا فيه قضباناً حديدية على شكل براغي. واللافت أنه إثر إنشاء هذه "المكبات" تفاقمت حالات السرطان والتشوهات بين سكان المنطقة، بحسب ما ذكره الدكتور محمود سعادة الأخصائي في الجراحة الباطنية الذي أشرف على تشخيص ومعالجة العديد من الحالات السرطانية في قرى جنوب الخليل. وهو ما يتوافق مع المعلومات الواردة في تحقيق القناة "الإسرائيلية" العاشرة بعنوان "السر المعتم.. فرن ديمونة".
وفي التحقيق الصحفي الأول، ذُكر أن عبد الكريم شريتح، رئيس قسم الصحة في بلدية يطا، أشار إلى أن عرب الصرايعة المقيمين بجوار بلدة يطا، اتصلوا بالبلدية وأبلغوا عن إحضار الجيش "الإسرائيلي" لشاحنات مغلقة وجرافات وونشات، ثم أغلقوا المنطقة، ومنعوا البدو المقيمين فيها من التحرك لأكثر من 10 ساعات، وبعد ذهابهم تبين وجود آثار لحفر ضخمة دفنت فيها مواد غريبة تخرج منها أسلاك على سطح الأرض. دون أن تأتِ أية جهة فلسطينية رسمية لفحص المنطقة.
في تقرير للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا ذُكر أن الغبار الذري المنبعث من مفاعل ديمونة يمثل مشكلة بيئية وبيولوجية حقيقية، وقد كُشف عن الكثير من حالات الإصابة بالسرطان في صفوف الفلسطينيين في المناطق المجاورة للمفاعل مثل مدينة الخليل، عدا عن ولادة أطفال دون أيدٍ أو بتشوه في الوجه أو الجسم، كما أن كثيراً من الرجال في المنطقة يعانون من تساقط الشعر بشكل كبير.
ويفيد التقرير بأن دراسة جامعية في إسرائيل نُشرت في 2004، أكدت وجود نشاط إشعاعي مثير للقلق سُجل في طبقات المياه الجوفية جنوب فلسطين، والمتصلة بالخزان الجوفي لقطاع غزة. أشارت صحيفة الدستور الأردنية إلى الدراسة ذاتها وأضافت أن هذا الإشعاع ناتج عن تسرب الماء الثقيل المشبع بالإشعاعات إلى المياه الجوفية. وقد سُجل مستوى النشاط الإشعاعي بدرجات متفاوتة في صحراء النقب، ووادي عربة على طول الحدود مع الأردن.
خلاصة: هناك من البينات ما يكفي لأن تقف دول المنطقة بقوة في وجه دولة الاحتلال وتثير الرأي العام العربي والعالمي، وتقوم بحملات محلية ودولية للتعريف بما يجري قبل أن تقع الفأس في الرأس، ويأكل الجميع أصابعه ندماً على صمته هذا إن بقي لمن يعيشون في مناطق مصر وبلاد الشام أصابع أصلاً.
أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال مقالاتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: [email protected]
مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.