يؤسس “ديكتاتورية عائلية” بلا أمل.. لماذا لن تكون نهاية انقلاب سعيد سعيدة؟

عربي بوست
تم النشر: 2022/02/15 الساعة 14:48 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2022/02/17 الساعة 05:12 بتوقيت غرينتش
الرئيس التونسي قيس سعيد أثناء تأديته القسم في البرلمان (صفحة الرئاسة التونسية في فيسبوك)

حين نشرتُ المقال الذي يتحدث عن وثيقة يحرض فيها مستشارون مقربون من قيس سعيد الرئيس التونسي على الانفراد بالسلطة في تونس بـ"انقلاب دستوري"، قوبلت بوابل من الإنكار.

وحينها، ساد الذعر داخل القصر الرئاسي، وبدأت مطاردة مُسرِّب الوثيقة التي وُضعت على كل صفحة من صفحاتها علامة "سري للغاية". ولم يقر الرئيس نفسه بأن هذه الوثيقة حقيقية إلا بعد أربعة أيام، لكنه زعم أنها ليست أكثر من رسالة من مئات الرسائل التي يتلقاها في بريده اليومي.

وأدى نشر هذه الخطة إلى تأجيل الانقلاب، لكنه لم يمنعه. فبعد شهرين، علّق قيس سعيد عمل البرلمان، واستولى على جميع السلطات التنفيذية وحاول تعيين نفسه مدعياً عمومياً. وأُجبر رئيس الوزراء آنذاك هشام المشيشي على الاستقالة، لكن الهدف الرئيسي لسعيد، راشد الغنوشي، زعيم حزب النهضة، أفلت من مرماه لأنه كان خارجاً لتوّه من المستشفى.

بعد "الانقلاب الدستوري" غمرت وسائل الإعلام التونسية بأناشيد التأييد والدعم لسعيد. وكان الداعمون الرئيسيون لقيس سعيد أشخاصاً مثل الزوجين اللذين أسَّسا وتزعّما حزب التيار الديمقراطي، وهو فصيل منشق عن الحزب الذي دعم تولي المنصف المرزوقي منصب الرئيس في اتفاق لتقاسم السلطة مع حركة النهضة.

من "منقذ للبلاد" إلى ديكتاتور

كان محمد عبو، مؤسس التيار الديمقراطي، أول من اقترح على سعيد تفعيل مادة في الدستور، المادة 80، تسمح له بالانفراد بالسلطة. واعتبره عبو منقذاً للبلاد.

ووصفت زوجته سامية عبو، التي هي عضو في البرلمان، قبيل الانقلاب بساعات، تونس بأنها ديمقراطية مزيفة تحكمها "عصابات ولصوص". وجاء تصريحها ليلة يوم الأحد التي وقع فيها الانقلاب. وأولت سامية سعيد ثقتها حين قال إن تعليق البرلمان إجراء مؤقت، وكانت تتأمل أن تُستأنف جلساته دون الحزب المهيمن، حركة النهضة.

وفي ظرف شهر، كانت فائدة الزوجين قد انتهت بالنسبة لسعيد، وحين أدركا نيته الحقيقية، لم يكن لغضبهما حدود. فقالت سامية عبو لإذاعة جوهرة إف إم: "قيس سعيد سيحكم على تونس والأجيال القادمة بأن تعيش نفس منظومة الخراب والفساد طيلة عقود.. لا نريد دولة قيس سعيد ولكن نريد دولة القانون".

صحيح ما قلتيه سيدة عبو، لكن هذا التصريح جاء متأخراً قليلاً.

وقدم محمد عبو، وهو محامٍ، شكوى للنائب العام بالمحكمة الابتدائية بتونس العاصمة يطالب فيها بالقبض على سعيد. وزعم عبو في شكواه أن سعيّد فعّل المادة 80 ليحقق "طموحاً دفيناً في نفسه"، وأن سلوكه يستند إلى "قوة السلاح خارج الشرعية". وكل هذا صحيح سيد عبو، ولكنك جئت متاخراً كزوجتك.

وتنتظر نادية عكاشة، أقوى سيدة في تونس، مصيراً مماثلاً لآل عبو.

عكاشة التي لم يكن لقيس سعيد أن يحلم بما هو فيه الآن دونها، فقد كانت مرشدته وحاميته والعقل المدبر له، والمعبر التي ينفذ من خلاله إلى أسرار الدولة. غير أنها قدمت استقالتها الشهر الماضي وبررتها بـ "اختلافات في وجهات النظر".

 أسباب استقالة نادية عكاشة قيس سعيد
مديرة ديوان الرئيس التونسي المستقيلة قيس سعيد، نادية عكاشة / مواقع التواصل الاجتماعي

وألمحت بعض المصادر إلى أن صلب خلافها مع سعيد هو قرار بإحالة ستة من كبار المسؤولين الأمنيين، من ضمنهم مدير سابق للاستخبارات، إلى التقاعد. ولكن لا يستبعد أن يكون السبب صراعاً على النفوذ مع إشراف، زوجة سعيد، وشقيقه نوفل، الذي أصبح بين ليلة وضحاها متحدثاً غير رسمي للرئاسة.

وباتت ديكتاتورية سعيد شأناً عائلياً.

ملاحقة القضاة

وأخيراً، وليس آخراً، وضع القضاة تحت المقصلة. ولما كان كل من شارك تقريباً في هذه الأحداث غير الاعتيادية قد تلقى تدريباً قانونياً على ما يبدو، فليس مستغرباً أن يكون الهدف التالي لـ "جهاد" سعيد هو القضاء. إذ يكره العديد من التونسيين كبار القضاة لأنهم لم يفعلوا شيئاً لملاحقة المتسببين في مقتل زعيمين من زعماء اليسار العلماني، شكري بلعيد ومحمد الإبراهيمي.

وزعمت أرملة بلعيد غير مرة أن الحكومة التي يقودها الإسلاميون تشجع على العنف السياسي. وتسبب اغتيال زوجها في نزول آلاف المتظاهرين إلى الشارع وكانت أسوأ أزمة سياسية واجهها حزب النهضة.

ورغم أن المنطق السياسي وراء عمليتي الاغتيال يشير إلى قوى تحاول زعزعة استقرار الحكومة على حساب حركة النهضة، ورغم أن هذه الاغتيالات لم تتوقف إلا حين تنازل حزب النهضة عن السلطة، لا يزال لوم الإسلاميين عليها مستمراً دون دليل.

وأعلن سعيد، متعللاً بالرغبة الشعبية، نيته حل المجلس الأعلى للقضاء، وهو هيئة مستقلة منتخبة تعين القضاة وتنظّم القضاء. واتهمه بالتحيز والفساد وتعطيل التحقيقات الحساسة سياسياً.

ولكن بعد تنديد عالمي والتهديد بإضراب ليومين، أعطى سعيد الانطباع بأنه يتراجع، وزعم أنه سيغير القانون الذي يحكم المجلس الأعلى للقضاء وأنه سيعين هيئة مؤقتة مكانه. لكن المجلس رفض هذه الخطوة وقال إن المجلس المؤقت لن يكون له وضع قانوني.

وسعيد نفسه لم يُخف نواياه. فهو يرى نفسه تجسيداً لإرادة الشعب، أكثر من مجرد رئيس، وبالتالي يتعين على جميع مؤسسات الدولة الامتثال لتعليماته. وقال سعيد بنبرة غاضبة: "القضاء وظيفة، والسلطة والسيادة للشعب، والبقية وظائف وليس أن يتحول إلى سلطة مستقلة عن الدولة، القرارات تصدر باسم الشعب التونسي، والقضاء وظيفة وليس سلطة مستقلة عن الشعب".

وهكذا، أعلن ما سيحدث عن نفسه بوضوح.

سيسي تونس

سعيد يفعل بتونس ما فعله عبد الفتاح السيسي بمصر. فكلاهما استغل الإحباط الشعبي تجاه حكومات قادها إسلاميون أو شاركوا فيها، لهندسة انقلاب يزيح الليبراليين الذين دعموا استيلاءهما على السلطة.

والإسلاميون في تونس ليسوا أبرياء. فقد شاركوا في البرلمان لأكثر من 10 سنوات خاضوا خلالها معارك سياسية، في الوقت الذي كان فيه الاقتصاد يتداعى. وفي سعيهم لتأمين مؤسسات ديمقراطية، حوّلوا عيونهم عما يحدث للبلاد.

وقالوا إنهم غير مسؤولين عما فعلته الحكومة. لكنهم لم يعارضوه أيضاً. لم يؤيدوه بالكامل ولم يعارضوه بالكامل. ولم يتوقف الإسلاميون في تونس عن تقديم تنازلات سياسية وهذا إنما يشير إلى فقدانهم التواصل مع حياة الناس أنفسهم الذين خرجوا بالملايين لدعمهم.

الرئيس التونسي قيس سعيد يلتقي نظيره المصري عبدالفتاح السيسي في القاهرة، 9 أبريل 2021/ الرئاسة المصرية

وهذا فتح الباب أمام ديكتاتور شعبوي. والاستياء الشعبي من البرلمان القديم حقيقي، لكن قذافي جديد في شمال إفريقيا ليس هو الحل. وإن كان سعيد قد انقلب على الأشخاص أنفسهم الذين استغلهم لتهيئة موقعه لسلطة مطلقة، فالسيسي فعل الشيء نفسه. فقد أزاح اثنين من أبرز القادة العسكريين الذين ساعدوه في الاستيلاء على السلطة وتأمينها، محمود حجازي رئيس المخابرات العسكرية، وصدقي صبحي وزير دفاعه.

بيد أن سعيد يفقد شعبيته على نحوٍ ثابتٍ، والاقتصاد يهوي بلا قاع. إذ إن القيود التي فُرضت على السياحة في تونس بسبب جائحة كوفيد-19 نتج عنها بصفةٍ جزئيةٍ انكماش الناتج المحلي الإجمالي في تونس بنسبة 9.18%، والخزانة تستطيع بالكاد تحمل رواتب موظفي القطاع العام الكبير في تونس. والدين الخاص "يرتفع ارتفاعاً هائلاً".

قالت مجموعة الأزمات الدولية في أحدث تقرير لها: "على المدى القصير والمتوسط قد تضطر تونس إما إلى إعادة هيكلة ديونها العامة -والقيام بذلك سيكون من خلال اللجوء إلى تخطي عقبات نادي باريس (وهو مجموعة غير رسمية من البلاد الدائنة التي تسعى لحل مشكلات السداد الخاصة بالبلاد المدينة)- أو إعلان الإفلاس. وفي كلتا الحالتين ستكون التداعيات الاجتماعية والاقتصادية مؤلمة".

كما توقف قرض ببضعة مليارات الدولارات من صندوق النقد الدولي، إضافة إلى أن وزارة الخارجية الأمريكية والكونغرس الأمريكي إما سيوقفان التمويلات لتونس أو يهددان بخفض المساعدات الاقتصادية.

وكل هذا يغذي ردة فعل الشارع التونسي.

ماذا بعد؟

وجدت أحدث استطلاعات للرأي أن 70.6% ينتابهم القلق حول مستقبل الحرية والديمقراطية، مقابل 29.4% لا يشعرون بذلك، ويختلف 67.3% مع قرارات الرئيس، بينما لا يختلف 29.4% مع قراراته.

وفي أغسطس/آب الماضي، اعتقد 60.8% من الأشخاص المستطلعة آراؤهم أن ما حدث كان "تصحيحاً للثورة"، بينما قال 39.2% إنه كان انقلاباً. ولكن بحلول يناير/كانون الثاني انقلبت هذه المواقف. والآن، يعتقد 64.8% أن ما حدث انقلاب، بينما لا يزال 35.2% يقولون إنه تصحيح. تغير المزاج من حالة شبه النشوة التي استُقبل بها سعيد.

فما الذي سيفعله سعيد بعد أن سحق القضاء؟

تخميني أنه سوف يحظر جميع الأحزاب السياسية. وربما يبدأ بالنهضة، ولكن من المؤكد أنه بعد مدة وجيزة سوف يتحرك ضد جميع الأحزاب. وهذا -مرة أخرى- لا يجب أن يمثل أي مفاجأة، نظراً إلى أنه قال إن عهد الأحزاب انتهى قبل انتخابه رئيساً للبلاد. 

إن الفيروس المناهض للثورة الذي يتحرك بكل حرية حول البلاد، قد أصاب الجيش والأجهزة الأمنية التي كانت محايدة من قبل. ورضوخها فحسب هو الذي أتاح لسعيد أن يتخذ الخطوات التي اتخذها. لكن سعيد حظي كذلك بمساعدة من الانقسامات المستمرة داخل المعارضة السياسية وداخل اتحاد شغل يراوغ. فتارة يشجب ويدين، وتارة أخرى يقسم أنه لن يدعم أبداً عودة نظام سياسي مثلما كان موجوداً قبل الانقلاب.

يدرك الجميع الآن من العلمانيين إلى الإسلاميين أن سعيد يجسد خطراً حقيقياً ووشيكاً. لكنهم لا يزالون بعيدين تماماً عن دعم بعضهم بعضاً، مثلما فعلوا ضد الديكتاتور السابق زين العابدين بن علي. كما تسهل ممانعة المجتمع الدولي التدخل بشكل حاسم لحلحة الوضع، بدءاً من الولايات المتحدة ووصولاً إلى أوروبا، مهمة سعيد.

سعيد بلا نهاية نهاية سعيدة 

قال كريس مورفي، عضو مجلس الشيوخ الأمريكي الوحيد الذي قابل سعيد: "يصير من المستحيل تصديق ادعاءات الرئيس سعيد بأنه ملتزم بإعادة بلاده إلى مسار التحول الديمقراطي.. لقد تعهد الرئيس سعيد بتغيير مسار اقتصاد بلاده واقتلاع الفساد، وهي أهداف مثيرة للإعجاب طالما طالب بها الشعب التونسي. لكنه لا يستطيع تنفيذ ذلك بنجاح بدون الدعم المالي للمجتمع الدولي، وإننا نحتاج أن نوضح أن الدعم مرتبط بمسار تصحيحٍ ديمقراطي".

ومع ذلك، يمتنعون عن مطابقة هذه الأقوال بالأفعال. لا أحد في واشنطن يستخدم كلمة "انقلاب"، وربما لا تزال الضمانات السرية تُعطى إلى سعيد. وهذه هي قمة الحماقة. يمكن لفرنسا أن تُحدث فارقاً حقيقياً حول ما إذا كان سعيد سيبقى أم سيغادر.

ومع ذلك، يمكن للانهيار الاقتصادي التام لتونس أن يبعث بمئات الآلاف من المهاجرين عبر البحر الأبيض المتوسط مرة أخرى.

تتصاعد مشاكل سعيد. فلم تساعده أية دولة عربية بالمال الذي يحتاجه حقاً. وقد أظهرت دول الخليج مرة أخرى أنها مهتمةٌ بزعزعة استقرار نظام ديمقراطي هش أو محتمل أكثر من اهتمامها ببناء دولة. وفي هذا الصدد، تضرب تونس بكل بساطة أحدث مثال على اتجاهٍ تكرر في اليمن والسودان ومصر وسوريا.

ومع تصاعد مشكلات سعيد، فإن يأسه سوف يتصاعد كذلك. وهذا لن يحمل نهاية سعيدة.


– هذا الموضوع مترجم عن موقع Middle East Eye البريطاني.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال مقالاتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: [email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

ديفيد هيرست
كاتب صحفي بريطاني
ديفيد هيرست، رئيس تحرير موقع Middle East Eye البريطاني، وكبير الكتاب في الجارديان البريطانية سابقاً
تحميل المزيد