بعيداً عن الكارثة الأخلاقية.. لماذا من مصلحة الغرب تأمين لقاحات كافية لإفريقيا؟

عربي بوست
تم النشر: 2021/12/01 الساعة 14:12 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2021/12/01 الساعة 14:34 بتوقيت غرينتش

يبدأ فيلم "A Pigeon Sat on a Branch Reflecting on Existence" الذي تم إنتاجه عام 2014، بثلاثة مشاهد عن الموت، تعرض مزيجاً من الألم والسخرية؛ حيث نرى رجلاً يموت أثناء محاولته فتح زجاجة نبيذ وزوجته مشتتة بصوت الخلاط الكهربائي.

في المشهد الثاني يتشاجر ثلاثة أخوة مع الأم التي تحتضر لأنها أحضرت حقيبة مجوهراتها معها إلى المستشفى أملاً أن ترافقها إلى العالم الآخر. المشهد الثالث، يسقط أحد المسافرين على متن سفينة ميتاً على الأرض، وما يشغل طاقم العمل كونهم لا يستطيعون بيع الوجبة والبيرة التي دفع ثمنها للتوّ مرتين، يُعرض على الركاب لو أن أحداً يريد تناولها، بعد قليل من الصمت والحرج يتناول أحد الركاب كوب البيرة.

يعد الموت عرضاً جانبياً بالنسبة لما يحاول مخرج العمل روي أندرسون عرضه، فوراء السخرية تكمُن حقيقة أن المجتمع الإنساني بشكله الحالي لا يعرف التضامن، لا يكترث أحد لمسؤوليته تجاه الآخر.

في ظل وباء عالمي، كان من المفترض أن تتوحّد جهود البشر للخروج من المأساة التي عاشها العالم. وهذا ما لم يحدث، وقد يكلف هذا العودة إلى مربع الصفر، حين بدأ كل شيء، رغم أنني أشعر بالانفصال عن الفترة التي بدا أن العالم توقف عن الدوران، وأتوقع أن هناك الكثير يشعرون بأن العام الماضي لم يمر، نحن على عتبة عام 2022، لكن الزمن الوجودي يسبق ذلك التاريخ، كأننا توقفنا عند 2020، عندما بدأ الوباء.

ويبدو أن العالم في الواقع لم يتحرك في اتجاه التضامن والأمر ليس مجرد شعور بالانفصال، فالبشرية لم تتغير، لم يحدث شيء يجعلنا نظن باختلاف العالم عن سابقه، ففي الوقت الذي تتفاخر الدول الأوروبية بمعدلات تطعيم تتجاوز 70%، فإن بعض الدول الأفريقية لم تصل إلى نسبة 2%. هنا لا أتحدث عن مشكلة أخلاقية فقط، فالتفاوت أدى أيضاً لخطر حقيقي قد يقوّض الجهود المبذولة في أوروبا، فهناك متحوّر "أوميكرون" وليس هناك ما يمنع من توقع متحور فيروس كورونا جديد بشكل أقوى وأكثر عنفاً.

يواجه الملايين في إفريقيا ببنيتها التحتية الضعيفة وتواضع إمكانياتها اللوجستية الموت. إفريقيا تعيش وضعاً أسوأ، قد يذكرنا بالهند وإيطاليا والكثير من الدول التي رأينا رعب أن يكون احتمال النقل إلى المستشفيات والوفاة هناك حلماً للآلاف، بينما في أوروبا كانوا يناقشون تطعيم المراهقين. هنا لا أكمل الحديث عن الكوميديا السوداء في أفلام روي أندرسون، إنه الواقع. 

ما الذي سيمنع بعض المناطق الأشد فقراً في العالم إلى حد الصراع أو الهجرة الجماعية؟ التخوّف من أزمة اللاجئين التي تؤرق عين أوروبا، رغم أنهم شريك ومساهم في إفقار الشعوب، يشير له وزير الدفاع البريطاني السابق مايكل فالون "إن المزيد من عدم الاستقرار في قارة مزّقتها الحروب بالفعل سيؤدي إلى زيادة وتيرة الهجرة نحو الشمال. وينطبق هذا على مناطق نزاع أخرى، مثل أفغانستان وسوريا واليمن، التي تشهد معدلات تطعيم منخفضة".

يتحدث أيضاً مدير عام منظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، باللغة التي تفهمها الدول الغنية ليدفعها لعدم التخلي عن الدول الفقيرة من منطلق مصالحها الاقتصادية؛ حيث قال: "إذا احتفظنا باللقاحات لأنفسنا ولم نشاركها، فستكون هناك ثلاث مشكلات رئيسية. الأولى هي تسجيل فشل أخلاقي كارثي، والثانية السماح بتواصل خطورة الجائحة، والثالثة إبطاء التعافي الاقتصادي بشكل كبير. هذا إذن خطأ أخلاقي، ولن يساعد في وقف الوباء ولن يعيد وسائل كسب العيش. هل هذا ما نريد؟ الأمر متروك لنا لاتخاذ القرار". ويظهر هنا أن الأمر متعلق أكثر بالاقتصاد رغم تناوله للمسؤولية الأخلاقية لكنها لم تكن صلب حديثه.

الصحة العالمية كورونا أوميكرون
مدير منظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس – رويترز

التعامل مع الجائحة يطلب تضامناً عالمياً، وهي الرسالة التي أراد روي أندرسون أن يقدمها في ثلاثية "أن تكون إنساناً". وهو لم يستقرئ الجائحة ولم يتنبأ بتعامل الدول معها، ولكنه عرض الاستهانة بالإنسان، افتقار التعاطف، الإنسان بعين أندرسون يتحرك في عالم كافكا، يتكيف الناس أخلاقياً وعقلياً مع الأنظمة، يتتبعون استراتيجيات البقاء التي تقودهم إلى الامتثال للسلطة والتماهي مع النظام الاجتماعي الراسخ. الإنسان مفرغ من القيمة، وهذا ليس بعيداً عن الوضع الحالي، عندما نقرأ في أحد التحليلات لموقع "شبيغل" أن هناك مشكلتين فيما يتعلق بتأمين اللقاحات للدول الفقيرة: "هناك دول غنية مثل كندا مستعدة تماماً لمشاركة اللقاح (مع الدول الفقيرة)، لكن فقط في ظل شروط يضعها الأغنياء بأنفسهم! وثانياً، لا يتم إعطاء اللقاح (من قبل الشركات) لمن هم بأمس الحاجة إليه، بل لمن يدفعون أكثر!". فالإنسان تحت رحمة الشركات، أي أنه بلا قيمة مثل إنسان أندرسون، الإنسان الصغير الذي "يمثلنا جميعاً" على حد تعبيره. 

تقوم سينما روي أندرسون "بتشكيل معين للعالم المعاصر، وإدراك للذات فيه".

(جان لوك نانسي) وهي صورتنا التي تتشابك مع رؤيته ومع إنسان كافكا في كونهم يعرضون صورة للإنسان في ظل انهيار نظام عالمي أو ما تمثله القيم العالمية السائدة، لقد عاصر كافكا انهيار القيم الليبرالية والاقتصاد الليبرالي في مطلع القرن العشرين. ويسمح لنا الربط بين عرض وجهة نظر غير خطية للتاريخ، يتواصل فيها الماضي والحاضر والمستقبل بالخيال مع بعضها البعض مقدماً الكثير من حاضرنا المعاصر على آثار من الماضي والعكس صحيح. تتجاوز المفاهيم الأدبية مؤلفيها، كما رأى أندريه بازان "سكن دون كيشوت وجارغانتوا في وعي الملايين من الناس الذين لم يكن لديهم أي اتصال مباشر أو كامل بأعمال سرفانتس ورابيليه" الوضع نفسه ينطبق على كافكا وسينما أندرسون لمن يريد تتبع الوضع الإنساني. يقول بورخيس: "سيعدل كافكا تصورنا للماضي لأنه سيعدل المستقبل". وهذا ما سمح بملاحظة تأثر سينما أندرسون بعالم كافكا- والبعض تناول تأثره بأعمال بيكيت- لأن هذا النهج يجعل من التأثر بالأعمال الأدبية على أنها شيء يتجاوز تكيف نصوص عالم الكاتب على الشاشة. يسخّر أندرسون "أدوات التعبير الفنية" ليعرض التناقضات التي تسببها الليبرالية الجديدة التي تشكل وجود الإنسان على العوامل الاقتصادية. 

يقول أندرسون: "أريد أن أكون قادراً من خلال أفلامي على فتح حساسيتنا تجاه بعضنا البعض وإظهار أننا كائنات شديدة الضعف وجودياً. بالإضافة إلى ذلك، لدينا القليل من الوقت في حياتنا. لا توجد نهاية سعيدة لأي منا. ولكن هذا هو بالضبط سبب وجوب أن نكون أكثر مسؤولية مع الوقت المتبقي لنا". ما يريده أندرسون هو التعاطف والإخاء العالمي، التضامن الحقيقي الذي تفتقده الإنسانية. وهي الرسالة التي لم يسمع لها العالم.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال مقالاتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: [email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

محمد أشرف
كاتب وقاص مصري
كاتب وقاص مصري مهتم بالثقافة العربية وعلم الاجتماع وتقاطعاتهما مع عالم الرياضة
تحميل المزيد