المشاركة في الزوجة والولد وشفاء الأمراض.. أبشع الحقوق التي أحلها الملوك لأنفسهم

عربي بوست
تم النشر: 2021/11/07 الساعة 09:18 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2021/11/07 الساعة 09:18 بتوقيت غرينتش
الملك لويس الرابع عشر

لسنوات طويلة اعتقد الملوك في أوروبا والشرق القديم امتلاكهم ما عُرف بـ"الحق الإلهي" في الحُكم، بمقتضى هذا الحُكم اقتنع الملوك بأنهم يمتلكون مدداً ربّانيّاً يفرض على الجميع طاعتهم مهما فعلوا، وفي أحيان أخرى أكثر تطرفاً ربطوا بين ما يُوحى إليهم من قرارات وبين الله ذاته، باعتبار أن ما تتفتّق عنه أذهان الحُكام من مراسيم إنما هي من زرع الله نفسه في نفوسهم، وهو ما يجعل الملك يعتبر نفسه مُجرَّد قنطرة مميزة بين الرب وعبيده.

في ضوء هذه القناعات المتطرفة، والتي بلغت ذروتها خلال القرنين الـ16 والـ17، من خلال ما يُمكننا تسميتها بـ"الثيوقراطية الملكية"، التي منح فيها الحاكم لمراسيمه سُلطتي الأرض والسماء يُمكن فهم عشرات القواعد الغريبة التي أُقرّت لمئات السنوات حول العالم، ومنحت الحاكم مزايا قصوى على المواطنين، وصلت في بعض الأحيان لمشاركتهم الزوجة والولد والأرض والثروة.

أشهر أمثلة تلك المزايا ما عُرف تاريخياً بِاسم "حق السيد"، الذي يقضي بضرورة تقديم كل عروسٍ جديدة إلى الملك أو مَن يمثله في القرية من رجال الإقطاع أو الكهنة، ليمنحها "شرف فض بكارتها بنفسه"!

 ضمن أحداثه المُمجِّدة للتاريخ الاسكتلندي، استعرض فيلم "القلب الشجاع" هذا الحق، وأنه السبب الرئيسي لتمرّد الثائر ويليام والاس عليه.

بعض المؤرخين شكّكوا في صحة استخدام هذا الحق على الأراضي الاسكتلندية، معتبرين أن صنّاع الفيلم أسهبوا في الاعتماد على خيالهم وعلى المرويات الشعبية غير الموثقة.

إلا أن وجود هذا الحق في حد ذاته بأي دولة -ولو كانت غير اسكتلندا- دليل على أن قناعة الملوك بامتلاكهم حقوقاً إلهية على شعوبهم قد تصل إلى أكثر الأشكال تطرفاً، وهو ما حدث فعلاً -أكدها التاريخ هذه المرة- في بقاعٍ مختلفة من العالم، نستعرض أبرزها فيما يلي..

لويس الرابع عشر: أشفي المرض بإذن الله

الملوك
لويس الرابع عشر

من فرط اقتناع ملك فرنسا لويس الرابع عشر بأنه امتداد للإله، ربط نفسه بأبولو، إله الشمس عند اليونانيين والرومان، وتسمّى بملك الشمس.

أيضاً، ادّعى لويس أنه يمتلك قوى شفاء خارقة دفعته للتجول في الشارع، ولمس المرضى معتقداً أنه سيُخفف أوجاعهم بلمسة من يده.

روّج الأسقف جاك بينيني بوسيه، واعظ البلاط، لهذه النظرية بشدة، معتبراً أن الملوك "يتلقون قوتهم من الله، وأن الله يملك من خلال الملوك الشعب، لذا تجب طاعتهم مهما قالوا وإلا كان معارضوهم عملاء للشر يعارضون إرادة الله".

بمرور الوقت زادت أفكار لويس الرابع عشر تطرفاً كلما طال بقاؤه على الحُكم (استمر ملكاً 72 عاماً)، فأمر بإجراءات عقائدية عقابية بحقِّ كل مخالفي مذهبه الديني من اليهود، ثم البروتستانت، فجرّدهم من كافة حقوقهم الدينية والمدنية، ووصلت في بعض الأحيان لطردهم من الأراضي الفرنسية.

ثم بعدها أتى الدور على الكاثوليك -أبناء مذهبه- الذين لم يسلموا من بطشه "الإلهي" في نهاية الأمر، بعدما أصرّ على فرض قوانين إيمانه على جميع السكان ومعاقبة كل مَن خالفها.

كما شهد عهده سلسلة متصلة من الحروب مع جيرانه الملوك -الذين آمنوا بدورهم أنهم امتداد للإله- فدخل في معارك ضارية مع بلجيكا وإنجلترا وإسبانيا أزهقت أرواح أعداد هائلة من الضحايا، وأدّت إلى تفشّي الأمراض والأوبئة في أنحاء أوروبا، بسب قناعة ملك كل جيش أن الله يُسانده وحده.

هنري الثامن: أنا الكنيسة

الملوك
هنري الثامن

اتّخذ هذا الملك بُعداً جديداً في النظرة إلى الحق الإلهي للحُكم، بعدما قرّر التمرّد على السيطرة البابوية على كنيسته، وتدشين كنيسة جديدة مستقلة هي كنيسة إنجلترا.

نصّب هنري الثامن نفسَه زعيماً لتلك الكنيسة، ولقّب رسمياً بلقب "الرئيس الأعلى لكنيسة إنجلترا"، ليكون أول ملك في تاريخ إنجلترا يجمع بين اللقبين الجليلين، مُلك الدولة ومُلك الدين.

وهو القرار الذي غيّر تاريخ إنجلترا للأبد، فبالرغم من أن الخلاف الأساسي بينه وبين البابا كان حول طلاقه من زوجته وارتباطه بامرأة أخرى، فإن هنري الثامن لم ينفك عن استخدام عبارات تربط بين رغباته ورغبات الله خلال التفاوض بينهما، ففي رسالة له إلى البابا أكد أن "زواجه الأول مخالف لله" لذا يريد التخلص منه.

أيضاً، اعتبر هنري الثامن أنه لا أحد يمتلك الحق في التصدّي لرغبته، ولو كان بابا الفاتيكان نفسه، وهو ما دفعه إلى المُضي قُدُماً في إجراءات الانفصال عن الكنيسة البابوية.

وبسبب هذا القرار اتّخذت إنجلترا سياسة معادية للكاثوليكية البابوية وسمحت للبروتستانتية بالانتشار في البلاد بأريحية حتى باتت أغلبية سكانية، بل صار لزاماً على كل ملك إنجليزي أن يكون بروتستانتينيّاً، وهو ما استمرَّ تطبيقه حتى اليوم.

جيمس السادس: معارضتي كُفر

الملوك
جيمس السادس

اشتهر الملك الإنجليزي بتمسّكه الشديد بنظرية "الحق الإلهي" في الحُكم، وبالرغم من اعتماد نظامه السياسي على البرلمان فإنه حرص دائماً على تأكيد أنهم بلا قيمة، في عام 1598م بعث لهم كتاباً قال فيه "الدولة الملكية هي أسمى شيء على وجه الأرض، إذا كان الخلاف مع الله كُفر فإن منازعة الملك في سُلطانه خيانة. الملك الصالح قد يلتزم بالقانون، لكنه ليس ملزماً بذلك، وإنما يفعل هذا من باب صلاح أخلاقه".

وهو ما سار عليه بإخلاص ابنه تشارلز الأول، فلمجرد أن البرلمان رفض إقرار مبدأ عام بأن من حقه فرض أي ضرائب على الشعب، حلَّ البرلمان وحكم لمدة 11 عاماً بلا سُلطة برلمانية حتى يتمكّن من فرض الضرائب على الإنجليز كما يحلو له!

وعُرفت تلك الفترة في التاريخ الأوروبي بمُسمّى "11 عاماً من الاستبداد".

في النهاية، سيدفع هذا الصدام المُستمر بين تشارلز وبرلمانه بسبب قناعة الأخير الراسخة بأنه يجب أن يكون بلا محاسبة إلى وقوع بلاده في حرب أهلية عام 1642م انتهت بإعدام تشارلز.

تُعتبر تلك الحرب الأهلية نقطة فارقة في التاريخ الإنجليزي، فبعد فترة من تمسّك ملوكهم الشديد -آخرهم تشارلز- بـ"الحق الإلهي" دون معارضة انقسمت البلد إلى فسطاطين كبيرين؛ الملكيون الذين أيّدوا الملك في كل شيء والبرلمانيون الذين اعتبروا أن هذا "الحق الإلهي" يجب أن يقيّد دائماً بعقود اجتماعية تربط صلاحيات الحاكم بمدى كفاءته لمنصبه وقُدرته على استغلال تلك الصلاحيات لما فيه صالح الناس، وفي النهاية انتصر البرلمانيون.

ومثّلت هذه الحرب بداية النهاية لمفهوم "الحق الإلهي" على الأراضي الإنجليزية.

اليمن الإمامية: نظام الرهائن

عرفت الدول الإسلامية الكثير من أشكال اعتبار الحاكم هو خليفة الله في الأرض، دخلت تلك النظرية في نظام الحُكم الإسلامي مُبكراً، فها هو الأخطل، شاعر البلاط الأموي، يمدح الخليفة الأموي بقوله "خليفة الله الذي يُستسقى به المطر"، وهو ذات المفهوم الذي حرص الخلفاء العباسيون على التمسك به منذ البداية، ويتضح من خطبة أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي لأهل مكة قائلاً "أيها الناس، إنما أنا سُلطان الله في الأرض".

"ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار"، بهذه الكلمات أنشد الشاعر ابن هانئ الأندلسي في حقِّ الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، وبالرغم من أن الكثيرين اعتبروها واحدة من أبرز أشكال تملُّق الحُكام في تاريخنا، فإنها في الحقيقة لم تكن كذلك، وإنما عكست اقتناعاً حقيقيّاً بالمعتقد الفاطمي في أن الخليفة هو امتداد لإرادة الله في الأرض، وأن إرادته وإرادة القدر واحدة.

وبخلاف ذلك تتعدد الأشكال التي وصلتنا، وتصف الحكام المسلمين بأنهم متّصلون بالسماء، وهو ما منحهم صلاحيات لا حدود لها، إلا أن أبرز حلات استغلال هذه الصلاحيات وقعت في اليمن، وذلك عبر إقرار الإمام على قبيلة نوعاً فريداً من الضرائب، وهي ضرائب الولد!

في العام 1918م، تمكن الإمام يحيى المتوكل من انتزاع السيطرة على البلاد من العثمانيين.

سريعاً، أظهر الإمام يحيى تعصباً لمذهبه الزيدي، الذي يعتبر الإمام شخصاً فوق البشر، وأنه حلقة الوصل بين الناس وبين الله.

من أجل أن يفرض الإمام يحيى سيطرته على أرض اليمن ذات الطبيعة الجغرافية المعقدة، استدعى من التاريخ اليمني أسلوب حُكم عُرف بـ"نظام الرهائن" يُجبر كل قبيلة على رهْن ابنٍ في سجنٍ خاضع لسيطرة الحاكم، حتى يضمن ألا ينقلب عليه أبوه شيخ القبيلة لاحقاً.

لم يخترع الإمام يحيى هذا النظام، وإنما عرفته اليمن منذ عصورٍ قديمة البعض أرجعها إلى الملك السبئي "كرب أيل وتر"، الذي حكت النقوش عنه أنه كان يحتفظ بأطفال الذوات والأمراء رهائن عنده.

المختلف هذه المرة أن الإماميين اعتبروا أن تطبيق هذا النظام من تمام تطبيق الشريعة الإسلامية.

فلأن الإمام يعتبر نفسه مُحارباً أول لـ"الطاغوت"، نظر إلى أي عملية عسكرية تقوم بها قواته على أنها "غزوة"، وأن أي قبيلة ترفض تسليم أبنائها إليه "خارجة عن أحكام الإمام وأحكام الشريعة"، وهو ما يستوجب قتالها حتى الموت، وفي بعض الأوقات فُرض على كل شيخ قبيلة تقديم "ضريبة مثلثة" تشمل ابناً وزوجة وابنة، بل في بعض الأحيان كان على شيخ القبيلة أن يدفع الضريبة بنفسه ويقبل الحجز لفترة من الزمن في سجن الإمام.

استمرَّ العمل بـ"نظام الرهائن" لفترة طويلة من الزمن، واستحقَّ انتقادات دولية كبرى، كما تعددت الثورات التي قادها رجال الجيش بدعمٍ من القبائل لإنهاء الحُكم الإمامي تأثراً بهذا النظام، آخرها ثورة السلال التي أنهت الحكم الملكي.

قال المشير عبد الله السلال في كتابه "ثورة اليمن الدستورية"، إن الأئمة المتوكلين اعتبروا أن كافة أقاليم اليمن ممتلكات خاصة بهم، تأثراً من قناعتهم الراسخة بأنهم امتداد لله في الأرض، ولهذا لم ينظروا لأي شيخ قبيلة إلا باعتباره "موظفاً عليه تقديم ولده رهينة للحاكم للدلالة على ولائه لله وللحاكم".

المصادر

نظام الرهائن في اليمن: في عهد المملكة المتوكلية اليمانية، أمين محمد الجبر، ص 10

كتاب السياسة والدين في مرحلة تأسيس الدولة الصفوية، علي إبراهيم درويش، ص 100

أزمة الوعي الأوروبي، بول هازار، ص 110

ثورة اليمن الدستورية، ضباط الثورة اليمنية على الحكم المتوكلي، ص 215

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال مقالاتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: [email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

أحمد متاريك
باحث في التاريخ وعلوم اللغة
باحث في التاريخ وعلوم اللغة، صحفي مصري، عمل محرراً في عدد من دور النشر.
تحميل المزيد