لماذا فشلت أمريكا في أفغانستان؟

عدد القراءات
860
عربي بوست
تم النشر: 2021/09/20 الساعة 12:23 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2021/09/20 الساعة 14:28 بتوقيت غرينتش
الجيش الأمريكي تلقى خسائر كبيرة في الأرواح منذ بداية غزو أفغانستان قبل 20 عاماً/ رويترز

كشف الإخفاق الأمريكي في أفغانستان عن أسوأ ما في الداخل الأمريكي، ولعل ما بدأ يتسرب عن العلاقة التي لطالما تفاخرت بها أمريكا بين المدني والعسكري، قد نسفته وهشّمت صورتَه المتراكمة الهزيمة الأفغانية الأخيرة، وأظهرت المعلوماتُ المتسربة عن تلاعب القادة العسكريين في أفغانستان بالرؤساء الأمريكيين منذ عهد باراك أوباما، وربما قبله، إن كان من حيث طلب المزيد من القوات والأسلحة إلى أفغانستان، أو من حيث التخلص من الإصرار الرئاسي على تخفيض الوجود الأمريكي، وسحب القوات من هناك. لكن بدا أن القاسم المشترك للجنرالات العسكريين، هو ديمومة الحرب، لتتواصل معها عُمولاتهم من المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، الذي يضخ بآلة الموت العسكرية للحرب الأفغانية والعراقية وغيرهما، بعد أن بدا معلوماً أن الجنرالات العسكريين، ومعهم السياسيون حين يتقاعدون يلجأون إلى العمل في هذه الشركات كمستشارين، ولذا فإن مصلحتهم الإبقاء على علاقة تجارية معها.

الفساد الذي ظهر في الحرب الأفغانية غير مسبوق، وحتى الآن ربما ما كشف عنه يُشكل قمة رأس جبل جليدي، فما أُنفق في أفغانستان خلال العقدين الماضيين بلغ ثلاثة ترليونات دولار، وبنظرة سريعة على البلد وما تحقق عسكرياً أو عُمرانياً، يظهر خيالية الرقم بالواقع، وتحدثت منظمات شفافية أمريكية عن فساد محقق وصل إلى المليار دولار سنوياً، لكن على ما يبدو أن الرقم أكبر من هذا بكثير.

الرئيس الأمريكي الأسبق جورج تجاهل خيارات كان يمكن أن تجنبه غزو أفغانستان مع القبض على بن لادن/رويترز

الفساد الذي نخر ببنية الدولة الأمريكية، انعكس على فساد كبير وواسع النطاق على مستوى الحكومة الأفغانية أيضاً، ورأى ذلك الأفغان كلهم حين كشف السفير الأفغاني في طاجيكستان عن سرقة الرئيس الأفغاني أشرف غني 169 مليون دولار خلال هروبه من كابول، بالإضافة إلى ما عثرت عليه طالبان في قصر نائب الرئيس الأفغاني آمر الله صالح وقُدر بـ12 مليون دولار، بالإضافة إلى فساد الجيش الأفغاني فأزكمت أنوف كل من هو في أفغانستان، لتصل نسبة الجنود الأشباح فيه إلى الثلثين، فعلى الورق عدده وكما أعلن عن ذلك الرئيس الأمريكي جو بايدن بنفسه بثلاثمئة ألف مقاتل، ليظهر لاحقاً بحسب دراسات رصينة أمريكية وأفغانية أن عدد الجيش لا يتعدى الـ96 ألف جندي.

فشلت أمريكا في أفغانستان منذ اليوم الأول حين قرأت خطأً الخريطة الوراثية الأفغانية، وهو الخطأ ذاته الذي ارتكبته من قبل بريطانيا ثم الاتحاد السوفييتي، فخالت واشنطن أن الدولة الأفغانية دولة حديثة عصرية مركزية، وانهمك جورج بوش بمشروع بناء الدول، ومنها دولة أفغانستان، ليتراجع عنه لاحقاً خلفه جو بايدن، فالدولة الأفغانية قبلية غير مركزية، وسطوة الرئيس وحلقته أضعف بكثير مما تتصوره أمريكا ومعه العالم، ولذلك فنفوذ وتأثير رئيس قبيلة في منطقته لا يقارن بتأثير رئيس أو وزير أو رئيس حكومة، وهو ما قد لا يفهمه من يأتي من خارج أفغانستان ولا يستوعبه ربما.

ومع استمرار الحرب الأمريكية في أفغانستان، ازداد الغوص بالرمال الأفغانية، رافضة أن تستوعب الدرس الإيرلندي، أو حتى الدرس الفيتنامي الذي كان من كدّ دمها ومالها وسمعتها، كونها بطل الفيلم الفيتنامي، فالحوار إنما يكون مع الأعداء، وليس مع من تحب، ولكن تأخرت كثيراً أمريكا في هذا الحوار، ولخّص ذلك مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق ريتشارد باوتشر بقوله: "لم نتعلم شيئاً من فيتنام، ولا من أفغانستان، ونحن نكرر الأخطاء الآن ذاتها".

واصلت واشنطن سياسة المكابرة والإنكار ولم ترضخ إلاّ مؤخراً للتفاوض، بعد أن كانت أفغانستان قد نالت الكثير من السمعة والحضور الأمريكي، تجلى ذلك بالخلافات البينية بين مؤسسات الدولة الأمريكية، وبين أمريكا نفسها وأوربا؛ حيث الكل يفكر اليوم بخطة حماية ذاتية بعيداً عن واشنطن إثر الهزيمة التي تعرضت لها في أفغانستان، وهي في الحقيقة لم تكن هزيمة أمريكية فقط، وإنما هزيمة الغرب كله، كما أسهب في ذلك المسؤولون العسكريون والسياسيون.

من اتفاق توقيع السلام بين حركة طالبان وأمريكا في العاصمة القطرية الدوحة/ رويترز

أخطأت أمريكا يوم لم تتمكن من الحصول على شريك إقليمي مجاور لأفغانستان، بحيث تعتمد عليه في تحركاتها، ففشلت في تطبيق استراتيجية أوباما القاضية بقيادة أمريكا من الخلف، لكن في أفغانستان كان عليها أن تقود من الأمام مع خسران حليف إقليمي مجاور لأفغانستان، كالحالة الباكستانية، كما كان عليه الأمر خلال حرب المجاهدين مع السوفييت، هذا الصدام المباشر كلفها الكثير ولا يزال، لا سيما بعد أن أرغمتها طالبان على التفاوض معها في الدوحة بعيداً عن باكستان، مما حرمها ميزة الضغط على دولة لها مصالح معها مثل باكستان، فجعلها ذلك وجهاً لوجه مع طالبان، ولعل الإصرار الأمريكي على نقل سفارتها من كابول إلى الدوحة وليس إلى باكستان خطأ آخر، إذ من شأنه أن يرفع كل الضغوط الأمريكية على باكستان فيما يتعلق بالشأن الأفغاني، وتتحلل معه باكستان من ضغوط سابقة.

ثمة أسباب كثيرة للفشل الأمريكي في أفغانستان، وربما بحاجة إلى كتب لشرح أسبابه ونتائجه، ولكن يبقى العنوان الأبرز في ذلك تهميش الأغلبية البشتونية منذ بداية الحرب، وفرض تحالف أقلوي مدعوم من الهند وإيران، وتهميش باكستان كلاعب إقليمي جيوسياسي هام في المنطقة، عنوان مهم لكل من يكتب عن الموضوع مستقبلاً.

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

أحمد موفق زيدان
إعلامي في شبكة الجزيرة، ومؤلف كتاب صدر حديثاً "صيف أفغانستان الطويل"
إعلامي في شبكة الجزيرة، ومؤلف كتاب صدر حديثاً "صيف أفغانستان الطويل"
تحميل المزيد