العذاب العظيم

عربي بوست
تم النشر: 2021/07/06 الساعة 13:57 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2021/07/06 الساعة 14:49 بتوقيت غرينتش
Istock

حين يفكر لا يستطيع التعبير خارج الكلمات، يُغلق فهمه، لا يقوم بطقوس معينة، إنما يكفيه الجلوس، يجبره التفكير أحياناً على الحركة، الصمت يستدعي ضوضاء كلمات خفيفة بداخله، يسميها تفكيراً، حالة خيانة اللغة لأصلها كفعل للتواصل، التفكير حضوره، حيث اللغة، يكون حضورهما معاً، في نفس النسيج، كوجهين لورقة العملة، لا يمكن قطع أحدهما دون الآخر، فالصوت الداخلي ليس سوى كلمات، فوضى خيالات وذكريات وتجارب مصطنعة أو حقيقية، لا يمكن التأكد.

يتأمل صورة لرجل ادعى أن حياته سرقت منه، ويضحك لأنه لا يمكنه التأكد من أنه امتلك حياته يوماً، يود النظر في عين باسكال، يردد "كنت صادقاً، إنهم يأتون بمسؤوليات وهماً اعتقدوا أنها حقيقة ومهمة، يكلفوا بأقصى درجات المشاغل"، يكرر "يا لها مِن طريقة غريبة لجعل العالم سعيداً"، سيقول رجل آخر "يا لها من طريقة لتغريب العالم"، ما الّذي يمكن فعله إذن لجعله تعيساً؟

يترك لذاته، حيث يفكر في قول بلايز باسكال "إنَّه لعذابٌ عظيمٌ أن يضطرَّ المرءُ لقضاء الوقت مع نفسه، مفكرّاً في ذاته".

يعاني من لوثة جنون، وحش يطلق صوته الداخلي إلى السماء، لسان مطلق الحرية في أن يقول، يصنع من اللعب بالجمل أشكالاً كما يركب الأطفال من الجمل علاقات لهو غريبة، المجنون شاعر طفل يمكن أن يرى الشباك سحابة وسماء واسعة، أو يرى طيراً لا يتحرك لفترة، يراه مسجوناً في لوحة الشباك.

المجانين شعراء، تلك نظرة قديمة قدم اختراع الحروف، الكاهن كان شاعراً، والإنسان البدائي لم يكن سوى شاعر. تقليد أصيل يجرد الكون من ملابسه، يمسك فوضاه، يبعثرها، يقبض على اللحظة عند عبورها السريع داخله. وصف للساكن في حركته الخفية، فلا شيء يستطيع البقاء واقفاً دون حركة للحظة.

تلك الأوقات التعيسة مخيفة لأنها تنفصل عن العيش، وتصبح موضوعاً، يفترض الإمساك بالفكرة منه، يسعى البعض لوصف فوضى اللحظة، البعض يحاول ترتيبها؛ فعل عبثي لا طائل منه.

الفكرة شبح خالي الملامح، ولا يمارس وظيفته كشبح وإنما يركض في خوف، وتتبدل الأدوار، حيث تحاول الإمساك به، لكنه غبي، لا يدرك الاتجاهات، لذا يركض في كل مكان مسبباً فوضى أكثر. يمكن ملاحظة نزعة "سادو-مازوخية" عند كتاب الأعمال الأدبية، تدركهم أحياناً رغبة في تدمير وإبادة الواقع، لذة في تقويضه ومحوه. يهدد الواقع أيضاً إفناء ذات الكاتب، وهناك أمثلة كثيرة عن شعراء انتهت تجربتهم بالجنون، هولدرلين مثلاً.

كان بودلير أمام عتبة الجنون، لم يقتحمه، رأى بودلير إمكانية تبديل الأدوار بالتناوب بين الضحية والجلاد، نظرة وجدها عند جوزيف دو ميستر، الذي أدرك العلاقة المتبادلة بين الضحية والجلاد، كلاهما مأخوذ نحو نفس الحتمية. 

كان بودلير جلاد ذاته، وأعتقد أن كل كتابة هي عملية جلد للذات، حالة تنفجر فيها اللذة بالتساوي مع عمق الألم، قد تكون نظرة كلبية إلى حد ما.

تنقل بودلير بين الحانات يقص على مسامع سكان الليل "مدانة منذ البداية، وأنها ستظل مدانة إلى الأبد"، مثل رامبو الذي يقول "أنا مدان منذ الأزل وإلى الأبد". إن الذنب شعور مشترك بين معظم الكتاب، ذنب يختلف عن الخطيئة الأولى في المسيحية، إنه شعور قديم بالوجود العارض، وإدراك للمأساة الحقيقية من الولادة، فهي بقدر مرارتها يصعب على متذوقها التخلي عنها وتركها.

لا أعتقد أن الكتابة تصلح لأن تكون علاجاً للإنسان من شيء، إنها عملية انكشاف، باعتبارها فعل اللغة القائم على التواصل، لكنها كلمات جسد يعيش في محيط اجتماعي يفرض قواعد وخطوطاً مقدسة. فعل يكبح نفسه عن التعري التام، ويترك مساحة للنظر بداخله نحو فراغ، مساحة خالية تولد معنى مبهماً، مثل لحظة ميلاد الكون الأولى، عملية خلق لعالم بديل، خارج الواقع، مبني من مادة ذات، تعيش في العالم، الذي يخشى الإنسان أن يجلس فيه وحيداً خوفاً من الجنون.

قرأ: إن لغتنا هي ذاتها اللغة التي تكون الأشياء، "إن نظام الأفكار وترابطها هو عينه نظام الأشياء وترابطها". 

لا أرى بداً من ترتيب تلك الفوضى القذرة، ليس مهماً أن تسرق الشعلة، أن تقدم للعالم المعرفة، الكلمات المخلصة، لا، فليس هناك من مخلص، بروميثيوس مقيد تأكل النسور كبده. مع ذلك فكلماته، وإن مثلت في الحاضر مسلك الجنون، بقوله لآيو، الفتاة التي حولها الإله الشهواني زيوس إلى بقرة، وبعثت هيرا زوجة زيوس ذبابة لا تتوقف عن الزن في أذنها وأمرت الأرض بأن ترفض أويها، للتيه في عذاب أبدي. تنبأ لها بروميثيوس بأن عذابها سينتهي في مصر، أعتقد أنه تنبؤ مثير للسخرية.

لنكمل، سينتهي تعذيبها في مصر، ستحمل ابناً يسمى إبافوس. ومن نسلها يولد هرقل سيحرره من عذابه بعد ثلاثة عشر جيلاً. إن الكتابة ليست شعلة ولا نبؤة بروميثيوس، وليست المخلص هرقل. وإنما اللحظة التي ندرك فيها أن بروميثيوس محب البشر وممثل العالم يُضرب بصاعقة زيوس فتلقيه إلى الهاوية.

إن بروميثيوس مهم لأنه لا يمثل وعداً بشيء، وينفي الكلبية التي وضعناها كاتهام، فهو دليل على أهمية الفعل، الكتابة والمعرفة والصدق وغيرها من المفردات التي ستكون شاهدة على فناء بروميثيوس وتحديد مصيرنا من صندوق باندورا، الذي لم يُبقِ للبشرية شيئاً إلا الأمل.

 إنه الختم فوق أجساد البشر، ذكرى عقاب بروميثيوس. ولا يمكن أن تمثل تلك الذكرى وعداً إنما رغبة في الوفاء للعذاب، لقبح أن تبقى وحيداً في غرفة تسمع صوت نفسك، مناجاة هاملت الداخلية التي يصبح عندها الجميع ثانوياً مقابل حضور الذنب.

"أتكلم من أعماق الهوة السحيقة

أتكلم من أعماق هاويتي".

مات بروميثيوس والكاتب يجب أن يكون مراوغاً ومخادعاً وصادقاً على درجات بحسب ما يقدم المعلم بروميثيوس.

كلمة معلم سخيفة.. يشطب

نكمل: ولا يمكن أن يؤول هذا في النهاية إلا لوصف بودلير "معنوياً وجسدياً كنت دائماً أشعر بأني على حافة الهاوية، ولا أقصد بذلك فقط هاوية النعاس والنوم، وإنما أيضاً هاوية الممارسة، والحلم، والذكرى، والرغبة، والأسى، والندم، والجمال، والعدد، إلخ… لقد غذَّيت الهستيريا التي تسكن في داخلي بنوع من الاستمتاع الشديد والرعب".

وهذا يفسر لما التفكير معادل موضوعي للقلق ومحفز لتبادل الازدراء والاشتباك في حلبة مع عدو خطير يمارس سلطة زيوس، قد تسميه دولة أو مجتمع أو أب أو حبيب أو دين أو فلسفة أو عقيدة أو أيديولوجيا أو صفحات النحو التي تقول "قل كذا ولا تقل كذا، مع بعض التشكيل".

الانسحاب من هيمنة السلطات تلك، ليس بسهولة الرحيل، السفر، تغيير الأماكن، بل يدخل الإنسان في صراع مميت لدرجة الملل؛ حيث مد وجزر على شاطئ الجنون.

في لحظة يردد بأنه لن يخدم شيئاً لا يريده "سواء سمّى نفسه وطناً أو ديناً أو عقيدة".. أو جنساً أدبياً إلخ.

 إنها لحظة تمتد إلى الأبدية، حيث سيتشكل العالم أمامي باعتباره تعددية للمعنى، إن المعنى حاضر في أتفه الأشياء حضوراً، يتبدي في الأشياء وليس له مظهر ثابت. ويفرض اللغة التي سيحضر بها عندما يحضر للحظات أو لا يحضر مطلقاً، وتصبح الكتابة ركضاً خلف تلك الفوضى، للعب معها، لحظة "التعبير عن النفس بأقصى ما يكون من حرية". وتلك التجربة الحزينة المؤلمة الكبيرة للوجود.

تسكع في ميناء بلا مراكب، التقرب من مدفئة لا تعمل، تأمل في وجوه مدمرة، ظلال أحلام لأشياء لم يأت منها إلا سرابها، الكلمات تحطم كل شيء، ولا يبقى من الفكرة إلا ظلها، خط الضوء المشوش خلف عبورها السريع ، حد الشعور بتوقف الزمن.

كما يقول بودلير "العالم، رتيب وصغير، اليوم، بالأمس، غداً.

دائماً يرينا في مرآته صورتنا:

واحة من الرعب في صحراء من الضجر!"

"ينقسم العالم إلى ما لا نهاية، وأحياناً أراه ما أنا وما ليس أنا". قال لنفسه

العالم ينبغي تسميته، والخلق سمة الشعراء، عندما أسمي شيئاً أعرفه، يتملكه الخيال، لكن بمجرد أن يلتفت عنه يتغير، يجب إعادة العمل، ديمومة لا تنتهي.

شرب القهوة، ونسيها على الأرض، عندما قام ليتحرك أثناء تفكيره، كسر الكوب، يتناثر الزجاج على الأرض عشوائياً، يقول "إن التفكير يجب أن يكون حاداً وصادماً ومختلفاً حتى بالنسبة للذين يوافقونه".

إن هذا ليوم آخر.

قال صوت "الجمال كله في الجنون".

قلت "عليك أن تقف على العتبة ولا تدخل".

قال "وغد متلصص، سارق، خائف من التجربة"

قلت "وقف على العتبة كثيرون، جمعت أعينهم أجزاء متناثرة من الصورة كفيلة بأن تكشف عن شيء".

قال "الجزء الكبير مخفي".

قلت "وسيظل هناك، الجزء الأعظم، يزيده الكشف اختفاءً".

أحياناً تصبح اللغة سجناً خشبياً والكتابة عملية تكسير في قضبانه، عملية بناء بكسر اللغة والمعنى، وتحويلهما إلى قطع ممزقة. أو تصبح سحابة، تُظل المارّين قليلاً، وتتعانق مع الشمس قبل عبورها إلى موضعها الآخر، إلى حركتها المستمرة.

الإله الملهمة ميوزا، أعد اليونانيون طقوساً لعبادتها، طلباً للإلهام. إنها لن تأتي أبداً بعد تحريك قلم أو فتح ملف للكتابة، هي مخادعة تأتي فجأة، تخير بين النوم وبينها، بين الأكل وبينها، بين العالم وبينها "تقول أيها البائس اكرهني لأنك تحتاجني". وتكون على حق، أحتاج من أكرهه، أوجه له اللكمات وأعجب به وأقدره كما يفعل الأعداء الشرفاء. لكن أريد التفكير فيها باعتبارها سيدة، جميلة، عنيدة، وليس عدواً قبيحاً، إنها أنتيغون، تجسد الثورات، الأفعال، الذكريات. إنها تقدم المساعدة برفضها لأن تتعفن الأفكار في الرأس. إن الكبرياء والخوف واليأس مشاعر تسيطر على تلك اللحظة، التي تسأل فيها عن الذي سيفرغ الآخر أولاً. علماً أن أنتيغون والكاتب معبآن من نفس البئر. وما يخفي عنهم تكونهما من نفس البنية، الكتابة باعتبارها عملية إضمار وإخفاء، شيء لا يوجد رغبة في مشاركته مباشرة مع العالم، تظهر خلال ومضات تكشف كل مرة عن هوية مزورة. ما جعل نيتشه يقول "أعطني قناعاً آخر"، لا يكفيني قناع واحد، أعطني ألف قناع وقناع، وتعالَ مجدداً، هناك الكثير يريد أن يقال.

إن الكشف عنها كما قلت لصديقي الصوت، ليس إلا زيادة في عمق ما تخفيه، اللغة تاريخ شخصي وتاريخ عالمي لذات عاشت في وضع تأثرت به، والتاريخ صنعه الصياد الذي اعتمد طقوس الرسم ليستعين بالأسطورة، وسيظل حياً ما دام فناؤنا لم يحدث بعد.

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علامات:
محمد أشرف
كاتب وقاص مصري
كاتب وقاص مصري مهتم بالثقافة العربية وعلم الاجتماع وتقاطعاتهما مع عالم الرياضة
تحميل المزيد