5 إجراءات عقابية ينفذها الاحتلال للضغط على المقاومة والحدّ من عملياتها

عربي بوست
تم النشر: 2021/06/29 الساعة 17:28 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2021/06/29 الساعة 18:28 بتوقيت غرينتش
iStock

تشكل المقاومة في الضفة الغربية والقدس المحتلتين أبرز عوامل إقلاق الاحتلال وزعزعة أمنه، واستهداف مستوطنيه والمناطق التي يقطنون فيها، وتصاعدت أدوار المقاومة هذه على أثر معركة "سيف القدس" والهبة الفلسطينية الشاملة، فصعدت المقاومة الفلسطينية عملها، عبر استهداف بؤر استيطانية بأكملها، على غرار ما يجري في جبل صبيح، وانخراط مئات الشبان في عمليات الإرباك الليلي بشكل شبه يومي.

وأمام استمرار المقاومة بمختلف أشكالها وصورها، وتحقيقها خسائر بشرية ومادية لا يمكن الاحتلال التغاضي عنها، رسخت المقاومة نفسها واحدةً من أبرز أدوات الفلسطينيين لمواجهة تغول الاحتلال في المناطق المحتلة، وواحداً من أنساق تجاوبهم مع ما يجري في القدس والأقصى من اعتداءات. 

وهذا دفع الاحتلال إلى تطبيق المزيد من الخطط للحد من عمليات المقاومة في المناطق المحتلة، فصعدت أذرع الاحتلال الأمنية مطاردتها لمنفذي العمليات الفردية وذويهم، ورسخت سلطات الاحتلال مجموعةً من الأدوات العقابية والإجراءات القمعية، استهدفت على حد سواء منفذي العمليات الفردية، والمناطق التي تشهد مواجهات دائمة، ونستعرض في هذا المقال أبرز 5 أدوات تستخدمها سلطات الاحتلال لوقف العمليات الفلسطينية، وتتنوع بين إجراءات قمعية، وعقابية، وأمنية، وسيبرانية، وغيرها.

هدم منازل منفذي العمليات الفردية

تُعد سياسة الاحتلال في هدم منازل منفذي العمليات الفردية أبرز سياسات الاحتلال العقابية بحق منفذي العمليات الفردية وذويهم، فبحسب منظمة "بتسليم" الإسرائيليّة استخدمت سلطات الاحتلال في عام 2020 الهدم كإجراءٍ عقابيّ بحق 7 منازل فلسطينيّة، وهذا ما أدى إلى تشريد 22 شخصاً من بينهم 7 قُصر، وأشارت معطيات المنظمة إلى أن عدد عمليات الهدم على خلفية عقابية بلغ 14 منزلاً في عام 2019، و9 منازل في عام 2018.

وبحسب هذه المنظمة، تشكل هذه السّياسة عقاباً جماعيّاً تحظره أحكام القانون الدوليّ، وأشارت إلى تواطؤ القضاء الإسرائيلي مع أذرع الاحتلال الأخرى لترسيخ هذا الإجراء العقابي، إذ يرفض قضاة محكمة "العدل العليا" الإسرائيليّة بشكلٍ متكرر الالتماسات التي يرفعها الفلسطينيّون ضدّ هدم منازلهم، وهذا ما يجعل قضاء الاحتلال جزءاً من المنظومة التي تطبق الإجراءات العقابية بحق الفلسطينيين، وكشفت المنظمة أن القضاة يؤولون أحكام القانون الدوليّ، ويقبلون الذرائع التي تقدّمها حكومة الاحتلال، وأبرزها أنّ الهدم يهدف إلى "الرّدع" وليس "العقاب". ولكن تكرار عمليات الهدم واستهداف المنزل الواحد أكثر من مرة يؤكد هذا التواطؤ بين أذرع الاحتلال الأمنية والقضائية.

ومن ضمن الإجراءات العقابية بحق منفذي العمليات، إغلاق سلطات الاحتلال منزل المنفذ بالأسمنت المسلح، ففي 21/10/2020 أغلقت قوات الاحتلال أجزاء من منزل الأسير نظمي أبوبكر، من بلدة "يعبد" جنوبي جنين بالأسمنت لمنع استخدامه بشكلٍ دائم، ونقلت مواقع عبرية أن الإغلاق تم بقرار من "المحكمة العليا" الإسرائيلية، التي ألغت قرار الهدم الصادر عن جيش الاحتلال، واستبدلته بقرار إغلاق أجزاء من المنزل، وأعلن رئيس حكومة الاحتلال في وقتٍ سابق أنه أوعز بهدم منزل أبوبكر على أثر الإعلان عن أسره.

وكانت آخر قرارات الهدم الصادرة عن سلطات الاحتلال، في 23/6/2021 إذ صادقت محكمة تابعة للاحتلال الإسرائيلي على هدم منزل الأسير منتصر شلبي (44 عاماً) في بلدة "ترمسعيا" شمال مدينة رام الله، وجاء قرار المحكمة على أثر رفض الالتماس الذي قدمته عائلة الأسير شلبي، ويأتي قرار الهدم بعد اعتقال قوات الاحتلال شلبي في بلدة سلواد شرق رام الله في السادس من أيار/مايو 2021.

قطع الطرق وفرض إجراءات عقابية جماعية

شهدت المناطق الفلسطينية حراكاً شعبياً لافتاً، ويعد ما يجري في جبل صبيح وبلدة بيتا نموذجاً للمقاومة الفلسطينية الشاملة التي أربكت الاحتلال منذ أسابيع عدة، ولم يعد يستطيع مواجهة ما يجري من عمليات إرباك ليلي وحرق الإطارات، وفي سياق إجراءات الاحتلال لوقف هذه العمليات أغلقت قوات الاحتلال في 23/6/2021 الطرق المؤدية إلى جبل صبيح كافة. وأفادت مصادر محلية بأن جرافات الاحتلال أغلقت الطرق المؤدية إلى جبل صبيح، في محاولة لمنع الفلسطينيين من الوصول إلى الجبل، وتأتي فعاليات الإرباك الليلي لمواجهة مخطط استيطاني يقضي ببناء بؤرة استيطانية في قمة الجبل.

تشديد التعامل مع راشقي الحجارة

ومع تنوع عمليات المقاومة في المناطق المحتلة، لم تعد ملاحقة منفذي العمليات النوعية هاجساً وحيداً للاحتلال وأذرعه، فقد أظهرت المعطيات مطالبات أمنية إسرائيلية بتشديد الإجراءات الأمنية بحق راشقي الحجارة الفلسطينيين، وتصاعدت هذه المطالبات على أثر مقتل جندي من نخبة جولاني في 12/5/2020، إذ طالب الصحفي الإسرائيلي يوسي بيلين في مقالة له الوزير في حكومة الاحتلال حينها بيني غانتس بتغيير وسائل التعامل مع ملقي الحجارة، وطالب الجنرال مائير أندور بالسماح لجنود الاحتلال "بفتح النار على رماة الحجارة الفلسطينيين"، واصفاً هذه العمليات بأنها "سلوك يومي".

استدراج منفذي العمليات الفردية عبر خلايا وهمية

لم تقف محاولات مخابرات الاحتلال عند محاولة الاكتشاف المسبق لمنفذي العمليات الفردية، عبر المراقبة الإلكترونية ومراقبة المنشورات الفلسطينية على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، ضمن الحملة التي أطلقتها أذرع الاحتلال الأمنية في عام 2017 ثم تطورت هذه المراقبة في السنوات التالية، بل عملت أذرع الاحتلال على استدراج الفلسطينيين، باستخدام هذه الشبكات، فقد كشفت المعطيات عن بناء مخابرات الاحتلال "خلايا وهمية"، للإيقاع بالفلسطينيين، وتهدف هذه الخلايا إلى "الكشف المبكر" عما يطلق عليه الاحتلال "الذئاب المرشحة"، وهم الفلسطينيون الذين يمكن أن ينفذوا عمليات أو يشاركوا فيها.

وتتم هذه المحاولة عبر اختيار مخابرات الاحتلال التواصل مع شاب فلسطيني بعد دراسة منشوراته، وتحليل تفاعلاته عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في إطار بناء صورة حول تفاعل الشاب مع المستجدات في الساحة الفلسطينية، إضافةً إلى دراسة محيط المستهدف في حياته الواقعية والافتراضية، ويتم إيهام الشاب المستهدف أن خلية للمقاومة تتواصل معه، للإيقاع به، وبحسب تحقيق صحفي فلسطيني بلغت هذه المحاولات حدّ تخفي ضباط في مخابرات الاحتلال أو عملاء بدور عناصر في المقاومة، ولقاء بعض هؤلاء المستهدفين، واعتقالهم لاحقاً بتهم التحضير لتنفيذ عمليات فردية.

وتهدف أذرع الاحتلال إلى تحقيق إنجازات مباشرة في التنبؤ بالعمليات الفردية، وهذا ما يعطيها فرصة لكشف الفلسطينيين الراغبين بتنفيذ عمليات فردية، والانخراط في عمليات خاصة بالمقاومة تكون أكثر تنظيماً، وأكثر قدرة على ضرب أهداف الاحتلال. وعلى جانب آخر تخلق محاولات الاحتلال هذه جواً من الريبة والشك تجاه أي تواصل تقوم به المقاومة، وهذا ما يضرب الثقة بأي تواصل يقوم به مقاومون منفردون، أو خلايا تتبع فصائل المقاومة، فتزداد مصاعب تنفيذ عمليات المقاومة في المناطق المحتلة.

الاعتقال والحبس المنزلي الليلي

تستخدم سلطات الاحتلال الاعتقال كواحدةٍ من أبرز الأدوات العقابية بحق الفلسطينيين، وعلى الرغم من أن سياسة الاعتقال لا تنحصر بالمشاركين في عمليات المقاومة أو المواجهات فقط، بل تشمل النشطاء الفلسطينيين والمرابطين في الأقصى، فإن البيانات الصادرة عن المؤسسات الفلسطينية تشير إلى تصاعد حملات الاعتقال في الأشهر التي تشهد ارتفاعاً في وتيرة عمليات المقاومة. ففي شهر أيار/مايو 2021 شهدت المناطق الفلسطينية المحتلة بما في فيها الأراضي المحتلة عام 1948 تفجراً للأحداث، ومواجهاتٍ غير مسبوقة، وبحسب المؤسسات الفلسطينية اعتقلت قوات الاحتلال نحو 3100 فلسطيني في مختلف المناطق الفلسطينية المحتلة، من بينهم 42 امرأة، و471 طفلاً، وأشارت هذه المؤسسات إلى أن الكثير من حملات الاعتقال كانت منظمة، استهدفت النشطاء، والشبان الذين يقودون الحراك، خاصة داخل المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948.

وبحسب مؤسسات الأسرى، اعتقلت قوات الاحتلال نحو ألفي فلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948، ونحو 677 فلسطينياً من القدس المحتلة، وتترافق هذه الاعتقالات عادة مع العديد من الانتهاكات الجسدية والنفسية، وأشارت مؤسسات الأسرى إلى أن أذرع الاحتلال القضائية وجهت أكثر من 170 لائحة اتهام بحق المعتقلين، ومن أبرز هذه التهم، المشاركة في المظاهرات الرافضة لسياسات الاحتلال.

ولم تعد سلطات الاحتلال تكتفي بالاعتقال والسجن للفلسطينيين بل استحدثت، منذ بداية عام 2020، عقوبة جديدة ألا وهي "الحبس المنزلي الليلي"، ففي بداية شهر كانون الثاني/يناير 2020 فرضت سلطات الاحتلال "الحبس المنزلي الليلي" على تسعة شبان من بلدة العيسوية في القدس المحتلة، ويفرض القرار على الشبان التزام منازلهم من الثامنة مساء حتى السادسة صباحاً. وتستخدم سلطات الاحتلال في هذا الخصوص تشريعات قانونية وضعها الاحتلال البريطاني، وتصدر عن قائد الجبهة الداخلية، ويطبق عادة في أوقات الحروب بصورة جماعية، ولكن سلطات الاحتلال استخدمته بصورة فردية.

أخيراً، على الرغم من خطط الاحتلال وإجراءاته العقابية المختلفة، وتسخيره كل مقدراته الأمنية و"السيبرانية"، يؤكد مشهد المقاومة في المناطق الفلسطينية المحتلة، أن استمرار مواجهة الاحتلال بمختلف الطرق والأدوات هو خيار الفلسطينيين الأول، وأن تجدد أشكال المواجهة، وانخراط الفلسطينيين فيها باستمرار، هما الوقود الذي يسمح لحالة المقاومة أن تظل عصية على التوقف، وقادرة على تجاوز إجراءات الاحتلال، وأن الفلسطيني يعي دور المقاومة في استهداف الاحتلال على الرغم من الأثمان الباهظة التي يدفعها، وهذا ما يجعل العقبة الأولى أمام هذه العمليات ليس الاحتلال وأذرعه فقط، بل السلطة الفلسطينية، وما تقوم به من تنسيق أمني، ومحاولة لوأد أي قدرة فلسطينية على بلورة العمل المقاوم في الضفة الغربية، التي تعد خاصرة الاحتلال الأضعف، وهنا يبرز السؤال الملح في هذه المرحلة كيف ومتى ستنتهي السلطة عن لعب هذا الدور "الاحتلالي" بكل ما تحمله الكلمة من معنى؟

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علي إبراهيم
كاتب فلسطيني
باحث في مؤسسة القدس الدولية
تحميل المزيد