الجدل حول الزنا ولحم الخنزير بين مسلمي أوروبا.. عن الحاجة لخطاب فقهي جديد

عربي بوست
تم النشر: 2021/06/11 الساعة 11:07 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2021/06/11 الساعة 11:07 بتوقيت غرينتش
iStock

زمان عندما كنت أدرس الشريعة في دار العلوم، كنت مغرماً بالبحث عن التعليلات العقلانية لأي حكم شرعي أدرسه. بمعنى كيف كان العلماء والفقهاء يعللون تحريم شيء ما مثل الزنا وشرب الخمر وأكل لحم الخنزير… إلخ.

ويمكن أن تقول إنني كنت ومنذ البداية مغرماً بدور العقل في التشريع؛ ولذا كنت أشعر بضيق- وما زلت- ممن يقللون من قيمة العقل ودوره في التشريع الإسلامي، مع أن الإسلام دين عقلاني حتى النخاع! فكل شيء في الإسلام متعلق بالعقل ومنوط به؛ فبالعقل نفهم، وبه نستنبط ونقعد ونطبق أيضاً؛ فكيف نستهين به مع أنه المعول عليه في كل شيء؟!

وأذكر أنني جمعت بداية تعريفات كثيرة لمعنى "الحكم الشرعي"، وكنت معجباً وما زلت بتعريف الفقيه المالكي أبي عمرو جمال الدين بن الحاجب (570 – 646هـ) في كتابه "مختصر المنتهى" والذي يقول فيه إن "الحكم الشرعي" هو "خِطاب الله المتعلقُ بأفعال المُكلفين بالاقتضاءِ، أو التخييرِ أو الوضعِ".

المقصود بالوضع هنا "الوضع الشرعي" الذي يكون سبباً للأمر بفعل شيء ما أو لمنع فعل هذا الشيء. ولكن هذا موضوع شرحه يطول ولا مجال له الآن. ولذا أعود لموضوع التعليلات الفقهية فأقول: إننا لو نظرنا لتعليلات الفقهاء للأحكام الشرعية عامة سنجد أننا يمكن أن نقسمها لعدة أنواع بحسب درجة استخدام العقل.

فهناك نوع من التعليلات لم أكن أميل إليه بداية، يرى أن الشيء يحرم ليس لسبب في ذاته ولكن فقط لأنه أمر إلهي ولا يحتاج لتعليل عقلاني. فالخمر مثلاً لا تحرَّم لأنها تتسبب في السكر وتضر بالصحة وتذهب بالمال، ولكنها تحرم لأن الله سبحانه طلب ذلك، ويريد إظهار عبوديته بين البشر بالامتثال لأوامره.

وآنذاك لم أكن أميل لهذا الرأي؛ ظناً مني أن أصحابه يعانون كسلاً عقلياً ولا يريدون البحث عن أسباب منطقية؛ أي عقلانية، للتحريم مثلما يفعل أصحاب النوع الثاني من التعليلات الذين يجتهدون في البحث عن أسباب حقيقية لتحريم أي شيء.

وهؤلاء- أي أصحاب هذا النوع الثاني- وطَّدوا أنفسهم على فكرة عقلانية توجههم، وهي أن شيء ما يُحرم لخصائصه الذاتية المفسدة، فطالما حُرم فلابد وأنه مفسد مضر ولا نفع فيه؛ ولذا اقتضت حكمة المولى تعالى تحريمه، ولا بد أن نستخدم عقولنا للبحث عن هذه الحكمة.

وهنا تجد اجتهادات عقلانية متباينة في التنقيب عن أسباب تحريم هذا الشيء أو ذاك. وعندما تطالع كتب أصحاب هذا النوع الثاني تجد الأسباب العديدة لتحريم المحرمات في الشرع الإسلامي؛ فلتحريم الخمر أسباب صحية واقتصادية معروفة لديهم، ولتحريم أكل لحم الخنزير أسباب معروفة أيضاً أهمها استقذاره، ولتحريم الزنا أسباب جاء بعضها في القرآن من قبيل أنه فاحشة واعتداء على حق الغير وأنه يتسبب في خلط الأنساب وإفساد المواريث.

وكنت أفرح عندما أقدم أفضل التعليلات التي وجدتها لمن يسألني من المعارف والأصحاب. ولكن هذا زمان مضى، فالآن، هنا في أوروبا، ومع أسئلة معارفي وتلاميذي وابني بالطبع لم يعُد لأغلب هذه التعليلات وجاهة عقلانية تناسب حياتنا هنا في البيئة الأوروبية.

فإذا قلت إن تحريم لحم الخنزير بسبب قذارته لأروك أن الخنازير تعيش هنا بطريقة أفضل من نصف البشرية! ولو قلت إنه بسبب الأمراض التي تتسبب فيها قالوا إن أهل الطب عندهم تعبوا من البحث عن هذه الأمراض ولكنهم لم يجدوا شيئاً.

ولو سألوك عن تحريم الإسلام للعلاقات قبل الزواج أو أثناءه وقلت إن هذا "زنا" وإنه حرام للأسباب السابقة استغربوا كلمة "الزنا" وقالوا نحن نمارس "الحب" عن تراض، ونستخدم العوازل الطبية، ولن تخلط الأنساب ولو اختلطت فلا مشكلة لدينا، وابنك هو الذي تربيه، لا الذي تنجبه.

المهم أنه بعد تكرار مثل هذه الجدالات وجدتني أميل للرأي الأول الذي طالما تجنبته، والآن كلما سألني أحد عن سبب تحريم شيء ما في الإسلام أجد ألا فائدة من تكرار الأسباب التي أعرفها، ولا من الدخول في جدالات مرهقة لا تنتهي، ولذا أصبحت أقول لمن يسألني: هذا أمر ديني محض وإنني أتعبد بتجنبه، وسواء وجدت أسباباً وتعليلات لهذا التحريم أم لم توجد، فالأمر عندي سيان.

والحقيقة مذاك وأنا أشعر أن تعاملي مع الناس هنا أصبح أيسر ودون تحفز. ولكن هذا حل فردي لشخص واحد هو أنا. وهو حل لا يفلح دوماً. وما زلت أذكر صاحب الشقة التي كنت أسكنها في السنوات الأولى بعد وصولي لبروكسل عندما سألني بعد أحداث باريس الإرهابية: هل يرى المسلمون بالفعل أن أوروبا "دار حرب"؟

الحقيقة فاجأني السؤال وسألته أين سمع هذا المصطلح: "دار الحرب"؟ فقال: من أحد خبراء الإسلام في التلفزيون. فطمأنت الرجل بأن هذا ليس صحيحاً وأن المصطلح غير قرآني. نعم هذا المصطلح وُجد بالفعل مرة قبل مئات السنين، ولكنه الآن مثل المصطلحات الأوروبية التي قبل ألف عام ولم يعد أحد يستخدمها؛ أي أنه مصطلح تقادم ولا يناسب حالتنا هنا على الإطلاق؛ فنحن نعيش هنا كمواطنين، وأوروبا بالنسبة لنا "دار مواطنة" لا "دار حرب".

والحقيقة عندما أتأمل كل هذا يزداد يقيني بأن أجيالنا الجديدة- هنا في الغرب- في حاجة ماسَّة لفقه جديد بمصطلحات جديدة وتعليلات فقهية جديدة.

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

عبد السلام حيدر
أستاذ جامعي متخصص في التاريخ
أستاذ جامعي متخصص في التاريخ
تحميل المزيد