قراءة لتاريخ يهود مصر قبل النكبة وصورة الإسرائيلي في السينما المصرية

عربي بوست
تم النشر: 2021/06/05 الساعة 11:41 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2021/06/05 الساعة 11:43 بتوقيت غرينتش
صورة تعبيرية

تناولت الكثير من الأعمال السينمائية المصرية الصراع العربي لا سيّما المصري/الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي، سواء كانت قصة العمل تدور حول الصراع بشكلٍ رئيسي أو تُلمّح له وسط القصة الرئيسية، كوّنت تلك المشاهد صورةً للمواطن الإسرائيلي؛ سواء كان جندياً أو مدنيّاً، تغيرت تلك الصورة أيضاً باختلاف السياق والزمان، الذي يفرض نظاماً سياسياً وثقافياً آخر، مختلفاً عن سابقه في ذلك الصراع. نناقش في الجزء الأول من مقالنا كيف كانت تلك الصورة على المستويين الأخلاقي والعسكري مقارنة بالواقع اليهودي في مصر قبل النكبة، وإلى أي مدى تغيّرت تلك الصورة مع تعاقب أنظمة الحكم المختلفة في مصر؟

يهود مصر قبل النكبة

قبل الحديث عن صورة الإسرائيلي في السينما المصرية، لا بد من التفرقة بين الإنسان معتنق الديانة اليهودية المتواجد في كل بلد كأي إنسان آخر له ديانة أُخرى، وبين الإنسان الصهيوني صاحب مشروع الاحتلال وطرد السكان الفلسطينيين والاستيطان بدلاً منهم في أرضهم، بل الرجوع لمعرفة سمات الوجود اليهودي في مصر على مرّ الحقب الماضية منذ بداية الوجود الإسلامي إلى وقتنا الحالي. 

قُدّرت أعداد اليهود بداية الفتح الإسلامي من 40 إلى 70  ألف يهودي مصري في مدينة الإسكندرية فقط، حيث كانت هي العاصمة المصرية آنذاك، بالإضافة إلى أعدادٍ قليلة من اليهود تواجدوا في محافظاتٍ ومدن مصرية أُخرى، حيث تحوّلوا أصحاب الديانة اليهودية إلى أهل ذمّة، يقيمون شعائرهم في معابدهم، ويتعايشون وسط المجتمع الجديد وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية من دفع جزية وغير ذلك. [1]

مرّ اليهود المصريون وغيرهم من المهاجرين الجدد إلى مصر بتحولات اجتماعية وسياسية وقانونية في ظل تحوّلات نُظم الحكم في مصر من قيام وسقوط الدول والحكام، شهدت تلك التحولات صعوداً وهبوطاً من حيث مكانتهم داخل نظام الحكم القائم كغيرهم من معتنقي الديانات الأخرى وعلى رأسهم الديانة المسيحية، إلى أن جاء محمد علي وبدأ في الاستقلال بالدولة المصرية شيئاً فشيئاً من التبعية العثمانية في إسطنبول. [2]

حيث شهد حكم العلويّة في مصر، أي أبناء محمد علي (1805 – 1952) تطوراً كبيراً من حيث أخذ اليهود مكانتهم داخل الدولة المصرية، حيث شجعت أروقة حكم الباشا المتتالية هجرة الأجانب إلى مصر ومنهم أصحاب الديانة اليهودية، لتزويد الدولة المصرية بأدوات وخبرات الحداثة الأوروبية في بناء مؤسسات الدولة وعلى رأسها الجيش والأمن والصحة. إلى أن بلغت أعداد اليهود المصريين حتى منتصف القرن الماضي من 80 إلى 120 ألفاً، قبل أن تبدأ الهجرة من مصر بهدف الاستيطان وبفعل الطرد وغير ذلك. 

انقسمت اليهودية في مصر بين اليهود القرّائين واليهود الربّانيين وهم الأكثر عدداً؛ حيث تكتّلوا في مدينتي القاهرة والإسكندرية، وكأي مجتمع تفرق اليهود بين عدّة طبقات دنيا وعليا ومتوسطة من حيث التعليم والثقافة والمادة، حيث شغلوا مناصب كبيرة حكومية مثل وزير المالية والمواصلات الأسبق يوسف قطاوي باشا (حكومة سعد زغلول 1924 – أحمد زيور 1925)، فضلاً عن إسهاماتهم الكبيرة في بدايات السينما المصرية عبر شخصيات فنّية مثل توجو مزراحي، يعقوب صنوع، نظيرة موسى، نجوى سالم، ليلى مراد، ناهيك عن عشرات الصحف والمجلات التي أُسست بواسطة الكتاب اليهود [3]. حتى الطبقات الدنيا والمتوسطة منهم عاشوا حياتهم وسط المجتمع المصري، مارسوا جميع الحرف والمهن بلا تفرقةٍ أو نبذٍ لاسيّما بعد دستور 1923 الذي كفل لهم ولغيرهم من الأقليات الدينية إنشاء جميعاتٍ وأنشطة دينية وثقافية واجتماعية، ولم يتعرضوا لأي شكلٍ من أشكال النبذ بسبب الدين أو العرق [4]. 

منذ عشرينات القرن الماضي، ومع قيام المشروع الصهيوني بشكلٍ واقعي على أرض فلسطين وبداية هجرة اليهود من كل أنحاء العالم، بدأت الجمعيات الصهيونية في الإنشاء في الفترة بين 1900 إلى ما قبل النكبة، بل أنشأت في مصر جمعية باركوخبا الصهيونية النشطة في الدعوة والترويج إلى الاستيطان والهجرة، وجمعيات ومدارس أخرى باسم أبناء صهيون، أحباء صهيون، دائرة هرتزل، جمعية الأدب العبري، لجنة التنسيق الصهيونية، بالإضافة إلى منظمة الصهيونيين بمصر بقيادة جاك موصيري وليون كاسترو. 

كان الهدف من إنشائها إقناع اليهود المصريين بالهجرة والاستيطان بأرض فلسطين، نجحت تلك الجمعيات في إقناع البعض، بينما رفض البعض الآخر من اليهود المصريين الهجرة، بل رفضوا المشروع الصهيوني، وتمسّكوا بمصريتهم ووطنيتهم، لكن كان اختيار الرفض والقبول متاحاً في عهد الملكية، قبل قيام الجمهورية المصرية ودخول مصر تحت الحكم العسكري الناصري في حرب مباشرة مع الكيان الصهيوني الذي بدأ في ترسيخ دولته على أرض فلسطين، حيث خاضت مصر حروب 1956، نكسة يونيو/حزيران 1967، حرب الاستنزاف، وصولاً إلى عبور خط بارليف وانتصار أكتوبر/تشرين الأول عام 1973 [5]

تلك المواجهات المباشرة أجبرت الكثير من اليهود المصريين على الهجرة من مصر إلى وجهات متعددة بين دولة الكيان الناشئ، أوروبا، والولايات المتحدة، وهذا بفعل الخطاب السياسي المصري والعربي أيضاً القائم على العروبة وطرد اليهود دون تفرقةٍ بين مؤيد لدولة إسرائيل الناشئة وبين من يرفضها. هذا الخطاب شوّش على الفعل الجمعي للاجتماعات الثقافية المصرية بشأن نظرتهم الأخلاقية لليهود المصريين، حيث أصبح البعض لا يفرق بين نبذ اليهودي المصري الداعم للصهيونية وحربها واحتلالها أراضي العرب، وبين الرافضين لها، أشهرهم اليساري المصري اليهودي هارون شحاتة، الذي سجنه السادات لاعتراضه على اتفاقية كامب ديفيد، والتي تتولى ابنته ماجدة في وقتنا الحالي رئاسة طائفة اليهود المصريين، والذين يُقدّر عددهم بأقل من 20 شخصاً، من بينهم سيدات مسنّات فوق التسعين عاماً [6].

أخلاق الإسرائيلي في السينما المصرية

أما السينما المصرية، فلم تتعمّق في تناول اليهودي المصري، وجوده وأخلاقه وتعايشه وسط المجتمع المصري، واقتصرت أرشفة حياتهم السابقة داخل مصر على العديد من الدراسات والأفلام الوثائقية، بينما لم تُفرّق السينما في معظم أفلامها بين المواطن المدني الإسرائيلي أو الجندي في الجيش، فكما هو معروف كل مواطن إسرائيلي هو مورد بشري بالنسبة لحرب الوجود التي يخوضها الكيان الصهيوني، لكنها أيضاً فرّقت بين اليهودي كديانة وبين الصهيوني كمشروع استعماري توسعي، يسعى لاحتلال الأرض العربية من النيل إلى الفرات. 

عشرات الأفلام المصرية التي تناولت الصراع العربي الإسرائيلي، أقدمها هو فيلم "فتاة من فلسطين" الصادر عام النكبة 1948، بطولة صلاح نظمي وحسن فايق وإخراج محمود ذو الفقار، مروراً بعشرات الأفلام في مرحلة السبعينات والثمانينات وصولاً إلى الألفية الجديدة. تناولت تلك الأفلام انتصار حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973، حروب الأبطال والجواسيس المصرية أثناء تلك الحروب، إمكانية العثور على المعلومات، بالإضافة إلى محاولات التطبيع السياسي والثقافي بين الكيان الصهيوني والأنظمة والشعوب العربية. 

من ناحية الأخلاق، دائماً ما جسدت السينما المصرية سمات الخبث والكذب والتدليس عند الإسرائيلي، فتجد في فيلم فتاة من إسرائيل الصادر عام 1999، بطولة محمود ياسين وفاروق الفيشاوي، تجد فاروق الفيشاوي الذي جسّد دور "يوسف" أستاذ علم الاجتماع الإسرائيلي بجامعة تل أبيب يكذب على الأسرة المصرية التي التقى بها على أرض طابا في سيناء، ويُخفي عنهم هُويّته كمواطن إسرائيلي، بغرض التقرب منهم واجتذاب أحد أولادهم لأسرته مقابل عرض فرصة عمل يجني منها أموالاً طائلة في الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى بعض الشباب الإسرائيلي، السكارى بشكلٍ دائم، والذين يسعى فرد منهم إلى اغتصاب الفتاة المصرية، بل يقتل أحد أفراد العائلة عندما يمنعه من فعلته. 

في فيلم السفارة في العمارة الصادر عام 2005، إخراج وتأليف كل من عمرو عرفة ويوسف معاطي وبطولة الفنان عادل إمام، تجد السفير الإسرائيلي باسم "ديفيد كوهين" والذي جسد دوره الفنان لطفي لبيب، يذهب إلى الاحتفال بعيد ميلاد جاره المصري "شريف خيري" وعندما يفسد الحفل، بسبب تلاقي الأسرة المصرية الرافضة للوجود الصهيوني مع السفير، يأخذ السفير "علبة الجاتوه" أثناء تركه للمنزل، ما يدل على صفة البخل لديه في إطار كوميدي، ناهيك عن المُحايلات والابتزاز الذي سعى السفير إليها من أجل التفاوض مع جاره المصري حول شقّته والتنازل عن القضية المرفوعة بطرد السفارة الإسرائيلية من العمارة. 

أما فيلم ولاد العم عام 2009، إخراج وتأليف شريف عرفة وعمرو سمير، فقد فرّق بين اليهودي الساكن في إسرائيل كمواطن رافض للصهيونية وسياساتها بحق الشعب الفلسطيني، وبين المواطن الإسرائيلي الداعم للصهيوينة، في مشهد بين بطل الفيلم الضابط المصري مصطفى والذي جسّده الفنان كريم عبدالعزيز وبين الدكتور "فيكتور" صاحب الصيدلية التي يعمل بها الضابط المصري، حيث نبّه عليه أنّه يهودي فقط وليس صهيونياً. لكنّ الفيلم لم يعطِ مثالاً أخلاقياً غير الخسة والدناءة والكذب والتزوير للمواطن الصهيوني المتمثل في ضابط الموساد "دانيال"، جسد الدور الفنان شريف منير حيث قام بالكذب على زوجته، بل خطفها هي وأولادها إلى إسرائيل لتكتشف بعد سنوات من الزواج أنّه ضابط إسرائيلي استغلّها. 

فكانت أخلاق المواطن الصهيوني سيئة للغاية، بينما فرقت السينما بين اليهودية كديانة والصهيونية كَمشروع إمبريالي، في حين تجاهلت تجسيد الحياة الحقيقية لليهود قبل أحداث النكبة وهجرتهم من مصر، أما ما تواجد في ثقافة الشعب العربي والمصري حيال أخلاق اليهود بشكل عام، فكان من ضمن أسبابه الخطاب السياسي الشعبوي لقادة العروبة والقومية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، فضلاً عن أسبابٍ أُخرى تتعلق بالموروثات الدينية والتاريخية المغلوطة بالنسبة للسياق التحليلي في واقعنا الحالي. 

الهوامش

1- قاسم عبده، اليهود في مصر، دار الشروق، القاهرة 1993، ص 9

2-  نفس المرجع، ص 20

3- وائل سعيد، توجو مزراحي علامة في صناعة السينما المصرية، موقع ضفة ثالثة، نشر في 28 مايو/أيار 2021. 

4- سهام نصر، اليهود المصريون بين المصرية والصهيونية، دار الوحدة للطباعة والنشر، القاهرة 1980، ص 13

5- نفس المرجع، ص 21

6- للمزيد حول هارون شحاتة، انظر مذكراته، يهودي في القاهرة، دار الثقافة الحديثة، القاهرة 1987. 

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

أحمد عبد الحليم
كاتب وباحث مصري في قضايا السياسةوالاجتماع
كاتب وباحث مصريّ، له العديد من المقالات والدراسات والتحقيقات المنشورة باللغتين العربيّة والإنجليزيّة في عدد من المؤسّسات البحثية والمنابر العربية. مؤلّف كتابي «الحارة العربيّة» و«أجساد راقصة»، صدرت عن دار الجديد، بلبنان عام 2021.
تحميل المزيد