كيف تساهم في جعل طفلك مشوَّهاً دون أن تدري؟

عربي بوست
تم النشر: 2021/06/04 الساعة 12:01 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2021/06/04 الساعة 12:53 بتوقيت غرينتش
iStock

مثلما كنّا مهووسين بالتلفاز صار الأطفال –اليوم- مهووسين بالهواتف والشاشات، ومن غريب الأمور التي نعيش تناقضاً فيها أنّنا نحمل هواتفنا طوال الوقت، أو لعلّنا لا نطيق البعد عنها لأكثر من متر أو ساعة، ونطلب من الأطفال البارعين في التقليد بألّا يمسكوها، فحينما يراني طفلي أمسك بالهاتف حينما أرضعه، ثم حينما أجهّز أكله، ثم حينما أجلس معه، وحتّى أثناء انتظاري لنومه، ألن يرغب في إمساكه؟ فبأيّ حقّ قد أحرمه من شيء -أنا نفسي- لا أستطيع مفارقته؟

يقرّ معظم خبراء النّفس بأنّ شخصية الطّفل تتشكّل في سنواته الخمس الأولى، ذلك أنّها السنوات التي يستعدّ فيها الطّفل للتأقلم مع العالم، ومخالطة النّاس، وهذا يتحقّق بالضرورة في سنوات عمره الأولى، حيث يجب أن يكتشف، ويتعلّم، ويتحرّك، ويخرّب، ويلهو، ويعيش طفولةً طبيعيّة، ويحبّذ أن يترك –فيها- بعيداً عن كلّ ما من شأنه أن يمرضه، أو يتعبه، أو يقلق صحّته النّفسية.

لقد كنت أملك الكثير من النظريات حول التّربية، وكيف يجب أن نتعامل مع الأطفال، وبعد الاحتكاك برعاية طفل صغير ذهلت من انبثاق طفرة بين ما قرأته في كتب التربية وبين الواقع، وإن كانا في مجملهما شيئاً واحداً، فركنت إلى مدى اختلاف شخصية كلّ طفل، وبالتالي فلا يجب التعامل مع جميع الأطفال بنفس الطريقة، ومن طرائف ما حصل في البداية أنه كان نائماً ذات يوم، وحينما استيقظ وجدني بقربه، ومن صدمته بي صفعني، فهل كان يجب أن أردّ الصّفعة لأخيفه أكثر أم أتحمّلها وأضمّ خوفه وأشعره بالأمان؟

ذات يوم شعرت بانزعاج كبير حينما بلّل ملابسة لمرّات كثيرة في وقت متقارب، لأنّني في كلّ مرّة كان يفعلها كنت أقول له: لا بأس، لكن حينما تشعر برغبة في الذهاب إلى المرحاض أخبرني، لكنّه كان يعيدها، فوجدت نفسي ألومه على ما لم يستطع التحكّم فيه، فهو في النهاية مجرّد طفل، لم أرحم ضعفه! فاعتذرت منه، ووعدت نفسي بأن أغيّر طريقة تعاملي معه، وسأحاول بالدّرجة الأولى تفهّمه، كي أستطيع التحاور معه باللغة التي يفهمها، ويفضّلها، وإن كانت لعباً، فأن تأتي للوجود وتحاول أن تعتاد على قوانين هذا العالم ليس شيئاً هيّناً. وعندما رحمت ضعفه رحمتني الأحداث التي توالت بعدها، وأصبح أكثر استجابةً معي، ثمّ في الأصل: كيف يعقل أن نلوم شخصاً ما على شيء لم يكن يقصده، أو يعرفه؟

تختلف دوافع الانجاب، منها ما قد يأتي لأنّ العائلة القريبة والبعيدة تترقّب أن يثمر الزواج بمولود، ومنها ما قد يأتي جهلاً، كأن تكون المشاكل في ذروتها فتقترح النّساء على المرأة أن تنجب طفلاً تثقل به زوجها، وتثبته، وهذا خاطئ، فأغلب الرجال إن عزموا على الفراق فلن يثنيهم عنه آلاف الأطفال. لكلّ زوجان ظروفهما الخاصة، ولا يجب أن ينجبا إلّا حين يكونان قادرين على تربية وتحمّل مسؤولية طفل صغير. وإنّ ما نحصده في شباب أبنائنا ليس إلّا نتاجاً لما زرعناه في طفولتهم، ولهذا فمن الضّروريّ أن يتمّ التركيز على مواكبة نمو الطّفل، وحمايته، والبقاء معه، وإعطائه كامل وقته، وعدم تجويعه للحنان والمحبّة، وأن يكون انصهار تربية أمّ وأب، وليس فقط تربية أمّ وحدها، فكيف لا أقع في خطأ تربية ابني وحدي دون أن يشاركني والده تربيته؟

تبدأ الثغرة الأولى حينما يبدأ الرّضيع في البكاء ليلاً، فيحمل الأب فراشه لغرفة أخرى لأنّه يعمل صباحاً، وتتساهل الأمّ مع هذا الفعل، قد يبدو بسيطاً، لكنّه شيئاً فشيئاً يعوّد الأب على الاتكال على زوجته، وعدم تحمّل مسؤولية أطفاله، فهل سبق لأمّ أن نامت وابنها يبكي من ألم؟ فهكذا ينبغي أن تشارك الأمّ الأب في جميع تفاصيل ابنها، وأن يكون مدركاً لكلّ ما يحدث، ومواكباً له، وعارفاً به، فالإنجاب قد كان قراراً وفعلاً ثنائيّاً، إذن فهو مسؤولية ثنائية.

إنّ الملاحظ للحياة التي يعيشها الأطفال اليوم، مقارنةً بالتربية السليمة التي يجب أن يتلقوّها سيتأكّد من أنّ هناك فراغاً ما، سنحصده خراباً في المستقبل، وبدل أن يقبل شبابنا على الحياة سيقبلون على الأطباء النفسيّين، وسيكونون عرضةً لعالم سيئ قد تكثر فيه الجرائم، وترتفع نسب الانتحار، والتيه، وفقدان الهويّة الذي سيصيبهم فيما تبقّى من عمرهم، مجرّد التمسّك بالأوهام، وترك الواقع لعيش حياة غير واقعية في الحقيقة أمر مؤسف، بدل أن يحمّل ابني لعبةً ليصادقها، أليس من الأفضل له أن يأخذ لعبةً حقيقيّةً ليلعب بها؟ إنّنا نخرسهم، ونسكتهم، مقابل أن نحظى بهدوء لنختلي بهواتفنا، أو من أجل راحتنا الأنانية. وهذه الطّرق في الطّمر ستخلق منهم نسخاً متكرّرة، وغير سويّة في نواحٍ عديدة، إنّ الأطفال صاروا عالةً علينا، نرميهم للبعيد، ونهملهم أيّما إهمال، كلّما مررت بمشاهد من هذا التنافر الذي سيُسأل عنه الآباء وحدهم، فما داما موجودين فلا يوجد غيرهما ليسأل عنه، تساءلتُ: أيّ نموذج طفوليّ هذا الذي نصنعه؟

البيئة المستقرّة

إنّ الاستقرار هو أهمّ ما يجب أن يتوفّر في بيئة الطّفل، كثرة التنقّلات لن تنجم عنها سوى العزلة، وعدم القدرة على التأقلم، حينما يعتاد الطفل نمطاً معيّناً، ويجد نفسه في كلّ مرّة في بيئة جديدة فإنّه لن يستقرّ عليها. والاستقرار النفسيّ أيضاً مهمّ له، فمن الجيّد أن تكون البيئة التي يعيش فيها خالية من المشاحنات الكثيرة، والصّراخ الناجم عن الصراعات غير المنتهية. وفي فئة الأمّهات العاملات لمدّة طويلة، فإنّ من الأفضل -إن تعذّر إيقاف العمل إلى أن يكبر الطفل قليلاً- ألّا يتم الرّكض به من بيت الجدّات إلى الخالات والعمّات، ويفضّل أن يظلّ في بيت أسرته، لا أن يتعاقب على البيوت، ويصعب عليه معرفة معنى: الدّيار، والدّار، والبيت الذي يستند عليه، ويصنع ذكريات معه، وينتمي إليه.

بناء لغة للتواصل

للأطفال لغات تواصل مختلفة، منهم من يعبّر عن نفسه بالرّسم، ومنهم من يعبّر عن نفسه بالكلام، ومنهم من قد يصبح أكثر تفتّحاً وقت اللعب، وقد تتعدّد اللغات التي يتحدّث بها كلّ طفل، لكن من الجيّد أن يتمّ التركيز على بناء لغة معه، وأن يتمّ تعويده على البوح، وعدم التكتّم، وإن كانت الغاية من هذا التواصل تروم شيئاً فإنّها تروم فهم الطفل واحتياجاته، ومشاعره، ورغباته، ودوافعه.

التساهل مع الفوضى

كانت لرجل ابنة صغيرة تلعب في البيت، وإذ بها تسقط الستار، فأخذ والدها يدها فضربها بسلك أحدث إعاقةً في يد الفتاة فندم بعدها أشدّ النّدم. كلّ ما في البيت يعوّض، وتبقى سلامة طفلك أهمّ من أغلى ما قد يوجد في البيت، يجب على الحواف أن تغطّى، وعلى الأشياء الحادة أن تسلم من وصول الطفل إليها، وما يوجد في البيت فكلّه بيئة اكتشاف، يجب التساهل مع محاولة اكتشافها المستمرّة، وعدم تقييد الطفل تحت حجّة عدم القدرة على لمّ الفوضى بعده. النظافة والفوضى الحميدة مختلفان تماماً، ولا يجب الخلط بينهما أبداً، وابنك سيكون طفلاً لمرّة واحدة.

اللعب

إنّ أهم ما يشغل الطفل هو اللعب، ولكلّ مرحلة عمرية ألعاب مخصّصة لها، إذ سيكون من الظّلم أن تلهو الطفلة ذات الخمس سنوات بنفس الدمية لأربع وعشرين ساعة، فيجب أن يتمّ استغلال هذه المرحلة في تعليمها أشياء كثيرة، بل وسيسهل عليها التعلّم من خلال اللعب أكثر، والعمل على مساعدتها في التأقلم وملاحظة طريقة انسجامها مع الأطفال الآخرين، ومحاولة إصلاحها إن كان فيها خلل ما. اللعب ليس تمضية للوقت فحسب، بل من خلاله يمكن أن نبدأ مراحل التعلم، والتأقلم، والرّفع من مستوى ذكاء الأطفال وحفظهم، والتعرّف عليهم وعلى ميولهم أكثر.. وهذا ما يوضّحه منهج "مونتيسوري".

الخطأ شيء ضروري

لا يجب على الطفل أن يجلد نفسه إن قام بشيء خاطئ أو لم يحسن فعل أمر، ولا أن نرفع سقف توقّعاتنا ولا نرضى إلّا برؤيته متفوّقاً، فنظرات الخيبة تظهر على الوجوه، ويمكن لأيّ طفل استشعارها. إنّ طفلاً متوازناً، وعادياً، أحبّ مليون مرّة من طفل ممتلئ بالعقد، وإن كان الأوّل والبارع في كلّ ما تلمسه يداه، الخطأ شيء ضروري، للكبار والصغار على حدّ سواء، فلسنا سوى جزء من حياة تعاش بالتجارب، فإن أصبنا كان خيراً، وإن أخطأنا صوّبنا خطأنا وتعلّمنا منه. ومنه يجب احتواء الطفّل لا معاتبته بطريقة قاسية قد تولّد لديه شعوراً بالذّنب من اللاشيء.

كن متواجداً قدر الإمكان 

 هناك لحظات في حياة الطفل لا يجب أن يشغلك شاغل عنه، ستندم فيما بعد إن غبت فيها، ولن ينفعك النّدم حينها.

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

حفصاء عمراوي
طالبة وكاتبة مغربية
طالبة فلسفة ومهتمة بمجالات الأمومة والطفل والمجتمع
تحميل المزيد