أكثر من مجرد احتجاجات ضد الفساد.. هل يطيح الشعبوي نافالني بآخر القياصرة؟

عربي بوست
تم النشر: 2021/01/28 الساعة 11:15 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2021/01/28 الساعة 11:19 بتوقيت غرينتش
المعارض الروسي أليكسي نافالني - رويترز

قبل أسبوع وتحديداً في الـ23 من يناير/كانون الثاني الجاري انطلقت مسيرات احتجاجية، موزعة أفقياً في عموم القطر الروسي. السبب البارز على السطح لتلك الاحتجاجات هو المحاولة الفاشلة لتسميم المعارض السياسي الأبرز لنظام فلاديمير بوتين، أليكسي نافالني ثم اعتقاله فور عودته من رحلة العلاج بالخارج.

يتسم النظام الروسي بصلابة شديدة وقدرة على تجاوز الاحتجاجات المتكررة وذلك لأسباب متنوعة متعلقة ببنية النظام وخريطة تحالفاته الداخلية. لكنه يبدو هذه المرة في مأزق أكبر من المعتاد وأكثر تخوفاً من امتداد موجات الاحتجاج للمزيد من المدن ولقطاعات أخرى من المجتمع الروسي العريض.
ويبدو ذلك التخوف طبيعي عند الوضع في الحسبان الاحتجاجات والانتفاضات التي اجتاحت العديد من دول الاتحاد السوفييتي السابق واستطاع بعضها إسقاط الأنظمة أو رؤوسها، بينما فشل بعضها بفضل الدعم الروسي، فإلى أي مدى يستطيع نظام فلاديمير بوتين الصمود هذه المرة؟

نافالني ليس معارضاً تقليدياً 

قد يُبدي بعض المراقبين والمحللين لموجات الاحتجاج في الداخل الروسي تأييداً لأية قيادة لتلك الحركات الاحتجاجية من دون حتى الوقوف على من يؤيدون وأيديولوجياتهم. ومن يبحث خلف المعارض الروسي نافالني، يتأكد أن النظم الاستبدادية تصنع ومن دون قصد أبطالاً من بعض الشخصيات العنصرية أو حتى المناهضة لحقوق بعض الأقاليم والطبقات. خاض نافالني سابقاً معركة ضد العمال القادمين من القوقاز،  كما أيَّد وفقاً لبعض التقارير حملة يقودها القوميون تسمى "أوقفوا إطعام القوقاز" التي دعت إلى إنهاء الدعم الفيدرالي للحكومات التي يسميها "الفاسدة" و"غير الفعالة" في الشيشان وجمهوريات شمال القوقاز الأخرى، وهو ما يعني أنه يحمل صفات اليمين الشعبوي الأوروبي أكثر مما يحمل من توصيفات اليمين الليبرالي التقليدي، ويبرز نافالني بحسب بعض التوصيفات الإعلامية كصاحب الصوت الأعلى في انتقاد الرئيس بوتين، وبالذات في مجال مكافحة الفساد، وهذا ما يسمح به النظام الروسي ذاته في الوقت الحالي.

 فقد ظل الرجل  لزمن طويل كناشط في مجال مكافحة الفساد، الوجه الأبرز للمعارضة الروسية للرئيس فلاديمير بوتين،  وتأتي قوته الرئيسية استناداً لرصيده لدى جمهوره في مواقع التواصل الاجتماعي. فلدى المدون البالغ من العمر 44 عاما ملايين المتابعين الروس على وسائل التواصل الاجتماعي، ويتمثل إنجازه السياسي الأكبر في أنه قد تمكن من إيصال بعض مؤيديه إلى المجالس المحلية في سيبيريا في انتخابات عام 2020.، وقد قاد عدة احتجاجات سابقاً في عموم البلاد ضد السلطات، لكنه لم يتمكن من تحقيق، ما يعد على الأرجح، حلمه الأكبر في تحدي بوتين في صناديق الاقتراع.

رد فعل النظام الروسي

لكن أتت ردود فعل النظام الروسي على الاحتجاجات الأخيرة على نفس منوال  وطريقة تعامل الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مع الاحتجاجات والغضب الشعبي ضده، ولكن بطريقة أكثر إبهاماً. فقد اضطر الرجل للخروج على التليفزيون الروسي للرد على من ينتقدون الفساد المتعلق بإنشاء قصور رئاسية وشخصية بعد أن نشر أنصار نافالني صوراً لقصر أسطوري سموه قصر بوتين وسجل الفيديو مشاهدات فاق تعدادها بحسب تقارير 86 مليون مشاهدة، ويقول ناشرو الفيديو إن القصر المشيد على شاطئ البحر الأسود، اضطلع بتمويل بنائه أثرياء مقربون من بوتين، وخرج بوتين لينفي ذلك قائلاً ما يمكن ترجمته "هذا القصر الضخم ليس لي" دون توضيح إذا ما كان لروسيا أم لمن؟ 

الاحتجاجات أكبر من نافالني

برغم أن قضية محاولة اغتيال نافالني بتسميمه من قِبل النظام الروسي وما ينشره نافالني حول فساد نظام بوتين، مثلت فتيلاً لإشعال الأزمة إلا أن الوضع الاقتصادي المتردي جراء فترة طويلة من انخفاض أسعار النفط ونفقات الحروب خارج البلاد والدعم غير المشروط للعديد من الحكومات الموالية للنظام الروسي سواء في محيطه المباشر أو بعيداً عنه، وكذلك التبعات السيئة لأزمة فيروس كورونا اقتصادياً على الوضع الداخلي الروسي، وتكلس النظام السياسي الروسي وعدم قدرته على تجديد ذاته وخروجه على ثنائية بوتين-ميدفيديف، كل تلك عوامل قادرة على تفجير الوضع أكثر وأكثر وجعله أخطر من مجرد احتجاج سياسي محدود أو عابر.

فبحسب بعض المحللين، فإن الاحتجاجات هذه المرة قد تمتد لتحدي النظام السياسي وسلطة بوتين نفسه، سواء بتعدد أسبابها ما بين الاحتجاج على السياسات الاقتصادية لنظام بوتين وكذلك سياسات التعامل مع الجائحة التي وصفت بالفاشلة في الداخل الروسي نفسه. ولعل هذا ما يفسر الانتشار الواسع والسريع للاحتجاجات في أكثر من 100 مدينة روسية في يومها الأول مع وعود باستمرار الاحتجاج في نهاية الأسبوع من قبل قادة التظاهرات.

خريطة المعارضة الروسية 

وبرغم انقسام المعارضة الروسية لنظام بوتين تقليدياً إلى ثلاث مجموعات رئيسية، أولاها تيار الديمقراطية الليبرالية التي يقودها نافالني، والمجموعات اليسارية التي تفتقد لقيادة فاعلة، وتيار القومية المتشددة التي تبرز في مجموعات من الأحزاب القومية الصغيرة، فإن الاحتجاجات الأخيرة بطابعها الشبابي الذي يشارك فيه الكثيرون لأول مرة، جعلت المجموعات الثلاث تعرب عن دعمها لنافالني، الذي اكتسب صفة رمزية بصرف النظر عن عدم الاتفاق معه في الهدف النهائي المرجو من معارضة النظام الحالي. وبالتالي يمكن القول إن السلطة الروسية أخطأت في التعامل مع نافالني من خلال محاولة تسميمه أولاً ثم اعتقاله فور عودته للبلاد بعد نجاته من محاولة الاغتيال. وبالإضافة للأوضاع الاقتصادية المرتبطة بأزمة كورونا وانهيار أسعار النفط وصادراته، ارتفعت درجات الحنق الشعبي وائتلاف المعارضة ودفعت ممثليها إلى الالتفاف شخص نافالني.

وانتشرت الاحتجاجات في أقاليم تشهد برودة قارسة تفوق -60 درجة فهرنهايت في إقليم سيبيريا، كما شهد احتجاج سانت بطرسبرغ إقبالاً أكبر من نظيره في العاصمة موسكو. ولذا فمن المحتمل وجود صلة بين معدلات الإصابة بفيروس كورونا وعدد المحتجين، حيث تتزايد الاتهامات للنظام الروسي بسوء إدارة أزمة فيروس كورونا في بعض المدن، حيث كان تعامل سلطات سانت بطرسبرغ مع الوباء أسوأ من تعامل نظرائهم في موسكو، وكانت معدلات الإصابة في بعض الأحيان أعلى في ثاني مدينة في روسيا عنها في مدينة رأس المال والعاصمة المزدحمة.

احتجاجات متكررة ونظام شديد القدرة للقفز.. ما الجديد هذه المرة؟

في بداية الاحتجاجات ورغم زخمها في اليوم الأول فإنها قد لا تكون تتجاوز الأعداد التي شاركت في احتجاجات يوليو/تموز 2019، المرتبطة بانتخابات موسكو الإقليمية. لكن الملاحظ هذه المرة هو الانتشار الواسع أفقياً للاحتجاجات، يشير بعض الكتاب الروس إلى أن الاحتجاجات هذه المرة تتجاوز فكرة الاحتجاجات الليبرالية المرتبطة بالغرب والتي لطالما استغلها النظام لتقوية موقفه أكثر.

لكن الاحتجاجات هذه المرة ليست قائمة على أكتاف دعاة ومؤيدي الديمقراطية فقط، فلا تقوم بدعوة السلطات لاتباع القانون، أو إعادة فرز وعد الأصوات بشكل عادل، أو السماح للمرشحين بالترشح، أو إعادة حاكم مدينة منتخب كما هو حال للعديد من الاحتجاجات التي شهدتها روسيا في مناسبات انتخابية سابقة. ولكنها تندلع هذه المرة بسبب محاولة الاغتيال الفاشلة والاعتقال اللاحق لناشط معارض أعلن الحرب على النظام. وهذا ما يجعل المعارضة برمتها تستشعر خطراً أكبر من توحش نظام بوتين داخليا وعدم السماح لمعارضيه حتى بالبقاء أحياء. ووفقاً لبعض المحليين الروس، فعلى عكس الاحتجاجات التي أعقبت مقتل السياسي المعارض بوريس نيمتسوف في عام 2015، لم يهيمن على تجمع موسكو يوم السبت الماضي ممثلو المثقفين الليبراليين في العاصمة. نيمتسوف الذي كان في يوم من الأيام جزءاً من فريق بوريس يلتسين، كان أقرب كثيراً إلى ذلك القسم الفرعي من المجتمع الروسي، الذي يرى أن التسعينيات هي العصر الذهبي لروسيا. نافالني أقل بطولية لتلك المجموعة من الناس من نيمتسوف.

واللافت في الاحتجاجات التي خرجت، في 23 يناير/كانون الثاني الجاري، هو الحضور القوي لفئات الشباب، فضلاً عن أنه بحسب بعض التقارير فإن 35% من المشاركين نزلوا إلى الشارع للمرة الأولى في حياتهم، ما يشكل مؤشراً على مدى تفاقم مزاج الاحتجاج الشعبي، وهو ما تعززه الظروف المتدهورة المتراكمة التي سبقت الإشارة إليها، ورغم أنه لا توجد بيانات اجتماعية واضحة حتى الآن حول هذه الاحتجاجات حتى الآن، ولكن لم يبدِ المتظاهرون الأكثر تشدداً من سابقيهم. بدلاً من ذلك، يمكن وصفهم بالبروليتاريا الشابة الحضرية ما بعد الصناعية. أي أنهم على الأرجح أشخاص يعملون في قطاع الخدمات أو الوظائف المكتبية، وغير راضين عن وظائفهم ورواتبهم ولا يرقى مستوى المعيشة ونمط الحياة السائد لتوقعاتهم، وكذلك تضرروا بشدة من الآثار المزمنة لأزمة كورونا وتعطل القطاعات الخدمية بشكل كبير.

مستقبل بوتين 

كان احتجاج موسكو في نهاية الأسبوع أقل سلمية بكثير من جميع الأحداث السابقة، حيث كانت هناك العديد من الاشتباكات مع شرطة مكافحة الشغب منذ البداية، كما أن صور الهجوم على سيارة مكافحة الشغب بتلك الكثافة غير مسبوقة بالنسبة للحركة الاحتجاجية الروسية المعاصرة.

الرئيس الروسي فلادمير بوتين، رويترز

عادة ما تعرب العواصم الغربية دائماً عن دعمها للمتظاهرين الروس وتدين تصرفات الأجهزة الأمنية الروسية، وهي تصريحات ومواقف متكررة إزاء العديد من الاحتجاجات حول العالم. ولكن بعد تسمم نافالني في سيبيريا والعلاج في ألمانيا، بدا أن موقف الغرب من الاحتجاجات الأخيرة أكثر نشاطاً بكثير مما كان عليه في السنوات السابقة. وهو ما يزيد فقط المخاوف العامة والخاصة من النظام الروسي وبعض المواطنين الروس الموالين للنظام، حيث أصبح نافالني الصوت الثاني لروسيا في الخارج بعد بوتين وأصبح سياسياً على نطاق عالمي، وتتوافق التصريحات الغربية مع هذا الواقع الجديد.

ويتخوف النظام الروسي بقيادة بوتين من التحول للنموذج البيلاروسي؛ حيث المعارضة قادرة على قيادة احتجاجات متجددة بشكل دوري يتآكل النظام على إثرها. لكن النظام الروسي يبدو كنظام تصنعه وتتوارثه الأجهزة الأمنية والمخابراتية، وهي الأجهزة التي عادت لها الحياة بقوة في عهد بوتين. فوفقاً لبعض المحللين فما كان يقف في مواجهة الجهاز المخابراتي أيام الاتحاد السوفييتي كان الحزب، وهذا لم يعد موجوداً، والحزب الحكومي الحالي لبوتين "روسيا الموحدة" ليست له حيثية فعلية، والأحزاب الأخرى مدجنة، وبالتالي فتلك الأجهزة الأمنية ترى في ذاتها حزباً وأيديولوجيا قائمة بذاتها، وتبقى أجهزة مسلّطة على الناس. 


لكن إذا استطاع نظام لوكاشينكو الأكثر هشاشة من نظام بوتين البقاء بفضل دعم الأخير له، وكذلك نظام بشار الأسد الذي عادت له الحياة بعد موت محقق في منتصف العام 2016 بفضل التدخل الروسي المباشر، والنظام الإيراني استطاع البقاء في وجه موجات احتجاجية ممتدة ومركبة، فإن نظام بوتين لا زال قادراً  على الوقوف بوجه الاحتجاجات الحالية وتبعاتها، ولا يمكن زعزعته إلا عبر ثورة شعبية واسعة الانتشار وتحالفات سياسية واسعة وقادرة على تغيير رأي الأجهزة الأمنية والمخابراتية فيمن تراه آخر القياصرة أو من تبقى من رائحتهم في مخيلتها.

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

عمر سمير
كاتب ومحلل سياسي وباحث في العلوم السياسية
كاتب ومحلل سياسي وباحث في العلوم السياسية
تحميل المزيد