قادرة على غسل الأدمغة وخلق الأعداء ونشر أيديولوجيتها.. قراءة في تاريخ حروب الولايات المتحدة الإعلامية

عربي بوست
تم النشر: 2021/01/06 الساعة 11:03 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2021/01/06 الساعة 11:12 بتوقيت غرينتش
لقاء جمع أمريكا برئاسة ترامب والصين برئاسة تشي على هامش قمة العشرين في اليابان/ رويترز

يعتبر الغزو الإعلامي أو الحرب الإعلامية من سياسات الولايات المتحدة الأمريكية البارزة على مر تاريخها. فلطالما جندت وسائل الإعلام بمختلف أنواعها لخدمة مصالحها الخاصة ولتأطير الرأي العالمي في اتجاه واحد يسوق رؤيتها ويحمي مصالحها، بداية بالحرب الباردة ومحاولة جمع أكبر عدد ممكن من الحلفاء  ونشر الفكر الرأسمالي الليبرالي، وصولاً لتدخلاتها في الدول العربية والإسلامية والدعاية المغرضة التي مارستها لإضفاء شرعية دولية حقوقية على تدخلاتها تلك. وتعتبر المادة الإعلامية الأمريكية على الساحة الدولية، مادة محضرة ومعدة لخدمة أهداف السياسة الخارجية، سـواء من خلال اختيار الخبر والمعلومة والمشهد أو من خلال إخراجه والتعليق عليه، وربما من خلال اختلاقه أساساً.

تستعين الولايات المتحدة بوسائل الإعلام لتقرير وإصدار سياستها الخارجية وقد حرصت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على عدم التفريط بسـلاح الدعاية الأمريكية ضد أية دولة أو مجموعة أو أشخاص أو شركات أو أية جهات يمكن أن تهدد مصالحها بشكل مباشر، أو غير مباشر.

وبما أن النظام الدولي يعيش حالياً تغييرات كثيرة جعلت الولايات المتحدة الأمريكية تقف أمام تحدٍّ شرس يكمن في وجود منافسة قوية على العرش العالمي مع مختلف القوى العالمية و في مقدمتها الصين.

آلة الدعاية الأمريكية  

تاريخياً تعود جذور أول عملية دعائية إعلامية في الولايات المتحدة الأمريكية إلى فترة حكم الرئيس الأمريكي السابق وودرو ويلسون حيث انتخب ويلسون عام  1916 رافعاً شعار "سلام بدون انتصار"، في إشارة إلى عدم تورط الولايات المتحدة في خضم الحرب العالمية الأولى، حيث كان المزاج الأمريكي مائلاً إلى الهدوء ولا يرى ضرورة في التورط في حرب عالمية. واستمر بعد ذلك نشاط الإعلام الأمريكي بشكل موسع للتأثير على المواطنين داخل أمريكا وخارجها أيضاً تصدير أفكار على غرار "أمريكا المسالمة".

ومع اختلاف التوجهات الأمريكية، وبداية التدخل في شؤون العالم والتورط في الحرب العالمية الثانية، برزت موجة اعتراض كبيرة داخل الولايات المتحدة حول النزعة الأمريكية المتنامية للتدخل في شؤون العالم. ولكن بدأت الآلات الإعلامية الأمريكية في عملها على الفور، حيث تم تأسيس أجهزة إعلامية "تجيد التلاعب بعقول الأمريكيين"، حسب تعبير الفيلسوف نعوم تشومسكي، إذ يشير الأخير إلى أن الولايات المتحدة لا تمتلك وزارة للصدق تصور العقيدة الأمريكية أو تروّج للمبادئ العامة للدولة. لكن نظامها الإعلامي تسيطر عليه عناصر وظيفتهم تصميم ونشر وخلق حصة من العقائد والمبادئ التي تقوّض الفكر المستقل، وتمنع الفهم والتحليل، وتقوم بعملية غسيل دماغ جماعي للشعب الأمريكي والذي يؤدي إلى نتائج ظاهرها قرار حر، لكن باطنها وليد "منظومة الفخ"، والتنظير لوجهات نظر الدولة. [1]

ولطالما كانت مختلف الشعوب تنظر للمواطن الأمريكي على أنه مثال للحرية في اتخاذ القرارات وفي الممارسات السياسية والاجتماعية بدون قيود تلجمه أو تحجّمه. لكن الحقيقة أن تلك الحرية ليست مطلقة كما يعتقد الكثيرون فإن الإعلام الأمريكي يعمل باحترافية لغسل أدمغة المواطنين، كما تولت السينما الأمريكية على مر التاريخ عملية تأطير الرأي العام ووضع نظام محدد يسير في نفس طريق مصلحة الدولة و النظام.

 الصراع الأمريكي الصيني

تعتبر كل من الصين والولايات المتحدة الأمريكية قوى عالمية على المستوى الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي حيث تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى اقتصاديا في العالم حسب صندوق النقد الدولي، وهذا بإجمالي ناتج محلي يقدر بـ  22.2  تريليون دولار أما الصين فتحتل المرتبة الثانية بإجمالي ناتج محلي يقدر بـ 15.4 تريليون دولار وعسكرياً تعتبر ميزانية الجيش الأمريكي الأكبر عالمياً حيث تصل ميزانية الدفاع إلى 750 مليار دولار، أما المرتبة الثالثة فهي من نصيب الصين بـ 237 مليار دولار.

وتعيش الدولتين علاقات متوترة لعديد الأسباب، آخرها إلقاء اللوم على الصين بسبب انتشار وباء كوفيد-19 على مستوى العالم، كما أن الولايات المتحدة والصين تشتبكان في حرب تتعلق بالتعريفات الجمركية على السلع منذ عام 2018. ناهيك عن الحرب التكنولوجيا المشتعلة منذ زمن  ليس بالبعيد. 

وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على سياسيين صينيين تقول إنهم مسؤولون عن ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان بحق أقلية الإيغور المسلمة في شينجيانغ. وتواجه الصين اتهامات بممارسة عمليات احتجاز جماعي والاضهاد الديني والتعقيم الإجباري (حرمان من القدرة على الإنجاب) للإيغور والأقليات الأخرى.[2]

وبيّن جون بولتون  مستشار الأمن القومي السابق لدونالد ترامب، في كتابه "  The room where it happened "، أن الصين دخلت في منافسة شرسة على الهيمنة الإقليمية أو العالمية، كما وسعت بكين قدراتها العسكرية الصينية بإنشاء واحد من أفضل برامج الحرب السيبرانية الهجومية في العالم؛ وبناء البحرية ذات المياه الزرقاء لأول مرة منذ 500 عام؛ وزيادة ترسانتها من الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية، وتحولت الصين على مدى سنوات إلى قوة اقتصادية وعسكرية ضاربة، وكل هذا يشكل تهديد عميق لمصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية.[3]

الحرب الإعلامية الأمريكية على الصين 

يعتبر التضليل ونشر الأخبار الزائفة عن كيان أو شخص أو دولة ما، جوهر الحرب الإعلامية. فهي عملية تواصلية تتطلب استعمال وسائل الإعلام لنقل أخبار محرّفة، بغرض التشويش وإثارة البلبلة والتأثير على الرأي العام، بما في ذلك دفعه إلى رد فعل ما في اتجاه معين. وفي الغالب، يُحيل الحقل الدلالي للحرب الإعلامية على التسميم ونشر الأخبار المفبركة والكاذبة والمعلومات الخاطئة أنها حقيقية لا يعتريها الشك، مع اعتماد التهويل والتضخيم منهجاً لتحقيق أغراض هذه الحرب.

يقول السيناتور الأمريكي السابق الدكتور سام زاخم، تدرك الإدارة الأمريكية وخلفها جماعات الضغط الأمريكية والمؤسسات الأمريكية أن الصين قد أصبحت القوى الاقتصادية الرئيسية في العالم، وأنه سيتم استبدال بورصة وول ستريت عاجلاً أم آجلاً ببورصة شنغهاي للأوراق المالية. ولكن الخوف الدائم هو أن وسائل الإعلام في الصين خاضعة للدولة وليس في مواجهة الدولة كما يحدث في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا في كثير من الأحيان لا يصب في مصلحة الدولة الأمريكية. ولم يبق أمام هذه الاخيرة سوى سيناريو الصراع الطائفي بين مسلمي الصين في شينجيانج أو تركستان الشرقية والنظام الصيني. حتى يتم خلق مشاكل للصين مع جيرانها في العالم الإسلامي والعالم العربي.

وفي إطار الحرب الإعلامية المشتركة طلبت بكين من عدة مجموعات إعلامية أمريكية تعمل في الصين تقديم تصاريح بعدد العاملين فيها ومصادر تمويلها وعقاراتها، وذلك رداً على تصنيف واشنطن عدداً إضافياً من وسائل الإعلام الصينية على أنها "بعثات أجنبية".

ومن بين تلك المجموعات الأمريكية التي تعرضت لتلك المضايقات "إل آي تايمز" و"نيوزويك" و"أمريكان برودكاستينغ كوروبوريشن". وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية تشاو ليجيان في بيان إن المطالب هي "دفاع مشروع ومبرر عن النفس بكل ما للكلمة من معنى".

حيث بدأ الصراع الإعلامي عبر وعلى وسائل الإعلام عندما نشرت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية مقالاً بعنوان "الصين هي الرجل المريض الحقيقي في آسيا". ورأى البعض أن المقال ينمّ عن عنصرية فجة، وأن الولايات المتحدة تستغل الكارثة التي يعاني منها الشعب الصيني بسبب وباء فيروس كورونا. ويعتبر الكثيرون أن الخطوات الأخيرة التي اتخذتها الصين دفاعية بطبيعتها، حيث شنت الولايات المتحدة العديد من الحملات الإعلامية على الصين خلال العامين الماضيين. فيما أظهرت تحركات الصين أنها لن تبتلع الإهانة وتمررها مرور الكرام. ولكن ومن المأمول ألا يرفع الجانب الأمريكي من الرهان وأن يتخذ خطوات لتخفيف الحرب الإعلامية تدريجياً.

ولكن يبدو أن الحرب الإعلامية بينهما مستمرة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ومن الممكن أن تصبح أكثر حدة، حيث إن الولايات المتحدة الأمريكية ستعمل على استغلال القضايا الحقوقية ومختلف انتهاكات النظام الصيني الإنسانية لتدعيم موقفها وقولبة الرأي العام العالمي ضد الصين "الشمولية المستبدة"، في سبيل الحفاظ على هيمنتها وعلى مصالحها كفاعل وحيد مسيطر على النظام العالمي.

المراجع

حسن سعد عبد الحميد / مكانة الإعلام في السياسة الأمريكية/ المركز الديمقراطي العربي/تاريخ النشر 4  ديسمبر 2015 / تاريخ الاطلاع 02/01/2021

الصراع بين الولايات المتحدة والصين / موقع  bbc /  تاريخ النشر 25 يوليو 2020 /  تاريخ الاطلاع 02/01/2021

https://www.bbc.com/arabic/world-53537070

عواطف بن علي/ بولتون يكشف خبايا صراع النفوذ بين الصين وأمريكا/ جريدة الشرق/ تاريخ النشر 30 يونيو 2020 الساعة 7:00/ تاريخ الاطلاع 02/01/2021

أحمد مصطفى/ حرب وسائل الإعلام الأمريكية على الصين/Realist Arabic / تاريخ النشر 25.12.2019 / تاريخ الاطلاع 02/01/2021

US started the media war, China won't swallow the insult/Global Times Published: 2020/3/18

https://www.globaltimes.cn/content/1183024.shtml

 Andre Vltchek /China – US Media War/ Counter currents

Published March 17, 2020

1. /حسن سعد عبد الحميد / مكانة الإعلام في السياسة الأمريكية/ المركز الديمقراطي العربي/تاريخ النشر 4  ديسمبر 2015 / تاريخ الاطلاع 02/01/2021

2. الصراع بين الولايات المتحدة والصين / موقع  bbc /  تاريخ النشر 25 يوليو 2020 /  تاريخ الاطلاع 02/01/2021

https://www.bbc.com/arabic/world-53537070

3. عواطف بن علي/ بولتون يكشف خبايا صراع النفوذ بين الصين وأمريكا/ جريدة الشرق /  تاريخ النشر 30 يونيو 2020 الساعة 7:00 / تاريخ الاطلاع 02/01/2021

4. أحمد مصطفى/ حرب وسائل الإعلام الأمريكية على الصين/Realist Arabic /تاريخ النشر 25.12.2019 / تاريخ الاطلاع 02/01/2021

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

شروق مستور
كاتبة وباحثة جزائرية
طالبة جزائرية بكلية العلوم السياسية ومتخصصة في العلاقات الدولية
تحميل المزيد