يسير لبنان إلى الزاوية محشوراً ومكبلاً دون معطيات حقيقية عن المستقبل والمآلات، سوى أن اتفاقاً دولياً وعربياً على أن نظامه يتهاوى ويعيش في غيبوبة وغير قابل للحياة مع أقطابه الرئيسية التي عبثت بكل الموازين، بما في ذلك موازين الفساد المتعارف عليها عالمياً، اخترقتها وقاحة الطبقة المأزومة التي باتت تبحث عن إنعاش لها هنا أو هنالك، علها تعيد الخارج إلى لبنان تحت عنوان "النحس يللي بتعرفوا أحسن من يللي بدك تتعرف عليه". لكن ما بدا في الممارسة مختلفاً جداً عن المتخيل، هروب عربي توجته السعودية ومعها الإمارات بمغادرة بيروت، عقوبات أمريكية ومقاطعة أوروبية شاملة باستثناء باريس التي وجدت في بيروت ضالتها في تحقيق انتصار إقليمي في منطقة تنسحب واشنطن منها، لكن باريس نفسها تعيش صدمة لا مثيل لها في تاريخها مع العرب، اصطدمت باريس بعقلية الاستحواذ اللبناني وتمترس الأحزاب خلف الطوائف في عملية تدمير ما تبقى من فتات المال، وعليه فإن لبنان يرقد تحت صخرة يقوم الجميع بالجلوس عليها لخنق ما تحتها وإخراجه منهكاً لا يقوى على التفاوض.
النفق مظلم والضوء بعيد
على رائحة السيجار الكوبي يسرد دبلوماسي غربي سابق سيناريوهات طويلة لمستقبل لبنان المأزوم، يبدأ حديثه عن أن لبنان في لعبة اللولب، وسيسقط في نهاية اللعبة، وسيكون السقوط مدوياً وموجعاً، حيث إن المنقذين الدائمين رفعوا أيديهم واستسلموا أمام مجموعة الحكم المسؤولة عن الكارثة، ولا ينفي الدبلوماسي أن سياسات الصبر الدائم والفرص المستمرة للمجموعة الحاكمة كانت خاطئة. لكن يؤكد الرجل أن اللبنانيين أنفسهم كانوا يذهبون للصناديق ويختارون نفس المجموعة منذ انتهاء الحرب، ووفق الرجل، فإن انتفاضة 17 تشرين كانت صادمة لأركان السلطة، للجميع باستثناء حزب الله، لذا فإن جميع القوى السياسية عقب الانتفاضة عاشت شللاً حقيقياً وضياعاً وتخبطاً منقطع النظير.
يشدد الرجل على أن الجميع يخسر، وأن الخسارة ستظهر بعد نفاد المال، ويتساءل الرجل: هل من الممكن أن يصمت اللبنانيون عن تردي أوضاعهم لمرحلة غلاء الخبز والطحين والوقود وانقطاع الكهرباء بشكل كبير؟ يشكك الرجل بنظرية الترشيد المعلن عنها، لكنه في الوقت نفسه يقول إن الخارج لن يسمح بتجويع اللبنانيين، وإن دبلوماسيي دول أوروبا وبعض العرب يرددون أنهم سيقدمون مع بلادهم الغذاء للناس، ولكن ماذا عن الاستشفاء والتعليم وباقي الملفات المرتبطة بمعيشة الشعب اللبناني؟
ووفق الدبلوماسي، فإن لبنان دخل في النفق المظلم القاتم اجتماعياً واقتصادياً، وإن ضوء الحل يبدو بعيد المنال. يسخر الرجل من تعويل البعض على ليونة سيظهرها بايدن في لبنان والمنطقة، ويتساءل هل الساسة اللبنانيون بعيدون عن قرارات واشنطن؟ فبحسب الدبلوماسي، فإن الديمقراطيين يتفقون مع الجمهوريين في تشددهم مع أداء حزب الله وحلفائه في لبنان، ويصوتون في مجلسي الشيوخ والنواب على كل القرارات المتعلقة بلبنان. وعليه فإن المرحلة القادمة لبنانياً ليست مبشرة إذا لم يتخلّ الساسة عن مطالبهم في عملية تشكيل الحكومة لوقف الاستنزاف الاقتصادي والتسريع بالإصلاحات وتحضير اللبنانيين لمرحلة تضحيات قد تمتد لثلاث سنوات حتى يتعافى القطاع المالي المنهار.
الإقليم متأهب.. لبنان في فوهة المدفع
يروي سياسي لبناني مخضرم ومتخصص في الشأن الإقليمي بأن العام 2021 لن يشهد انهيار لبنان بالمعنى الاجتماعي والثقافي، ويعتقد أن الكيان اللبناني سيبقى موجوداً وحاضراً. لكنه قد يشهد على انهيار بعض مؤسسات الدولة، فيما القوى الدولية تعول على الجيش وتستثمر في بقائه حاضراً ومتماسكاً. يسرد الرجل سيناريوهات متوقعة في المنطقة في ظل إدارة بايدن، الأول حصول اتفاق أمريكي – إيراني على قواعد جديدة وشروط مستحدثة فرضتها تطورات المنطقة، بدءاً من وقف التعامل مع الاتفاق السابق والحصار الاقتصادي، مروراً باغتيال سليماني وفخري زادة والمناوشات التي شهدها الخليج العربي.
لكن وبحسب السياسي اللبناني، فإن أي اتفاق أمريكي-إيراني سيخضع البلد أكثر بيد حزب الله، ويرى أن طهران ستعمل على تحضير نقاط القوة التي في يدها –الصواريخ الدقيقة لحزب الله وترسيم الحدود وشكل النظام السياسي القادم- لوضعها على طاولة المفاوضات الأممية عندما يحين الوقت. والأرجح أنها ستكون بعد الانتخابات الإيرانية في يونيو/حزيران القادم، وذلك بهدف تعزيز الاتفاق النووي السابق ومنع إدخال أي تعديلات جوهرية عليه. وأن الساحة اللبنانية مع حزب الله وحلفائه هي أحد الملفات التي سيجري استخدام الأوراق الحساسة فيها، والفوضى السياسية والتأخير بتشكيل الحكومة هي إحدى الأوراق التي تحرص طهران عليها وتسعى للاستفادة منها.
وبحسب الرجل، فإن السيناريو الثاني الأكثر خطورة، وأنه في حال لم يجر أي اتفاق بين واشنطن وطهران، فإن المنطقة ولبنان مفتوحة على أحداث غير متخيلة في ظل الرغبة الإسرائيلية بتوجيه ضربات لإيران وأذرعتها وحماسة نتنياهو لذلك، حيث حاول شرح فوائد توجيه الضربة القاسمة لإيران في ظل تأثيرات الحصار الغربي لها وانعكاسات كورونا على الاقتصاد الإيراني المتأزم، وذلك لضيفه الأمريكي -رئيس أركان الجيوش الأمريكية الجنرال مارك ميلي- والذي يمتلك رؤية مغايرة تماماً، يسهب السياسي المخضرم بالحديث عن خطة بايدن لتقسيم العراق ولبنان وسوريا لفيدراليات، ما يعني أن لبنان سيعيش مرحلة الغلبة فيها لمن يملك القوة. فوفق الرجل فإن التقسيم المتخيل يعني أن لبنان سيصبح تحت تأثيرات ثلاثة، تركيا شمالاً، والغرب وسطاً، فيما إيران جنوباً.
يخشى السياسي اللبناني من سيناريو مخيف ثالث، أن تجنح واشنطن ومعها تل أبيب لتوجيه ضربة قاصمة لإيران وأجنحتها في المنطقة -لبنان وسوريا وغزة- قبيل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة في مارس/آذار المقبل في ظل التأزم السياسي لنتنياهو، ما يثبت قواعد جديدة في الساحة قبيل تقسيم المنطقة بين ثلاثي الإقليم، أي تركيا وإيران والكيان الإسرائيلي، فيما العرب سيلتحقون في المحاور الثلاثة. يختم الرجل نقاشه المستفيض بالقول: أشهر عصيبة ستمر "الله يطلعنا بخير وسلامة"، فالنظام اللبناني قد ينتحر في الزاوية، ونحن الثمن.
مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.