تأييد أعمى لسياساته ودعم كامل لموقفه.. كيف يروّج الإعلام البريطاني لحملة ماكرون ضد الإسلام؟

عربي بوست
تم النشر: 2020/12/12 الساعة 15:24 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2020/12/12 الساعة 15:25 بتوقيت غرينتش
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون - رويترز

اكتسب مشروع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، "إسلام تنويري"، مزيداً من الأهمية والعجالة بعد مقتل المدرس صامويل باتي. وفي هذه الأوقات العصيبة، قرر ماكرون أن لا صوت يعلو فوق صوت معركته، فهاجم أي شخص عبّر عن انتقادات- ولو يسيرة- لنهجه وطريقة تعاطيه مع المسألة، وضمن ذلك الإعلام الأمريكي، الذي يحمل له ماكرون احتقاراً فريداً من نوعه.

الانتقادات التي توجهها وسائل الإعلام الأمريكية لماكرون تتناقض بشكلٍ صارخ مع إيمان وسائل الإعلام البريطانية بالنسخة "الماكرونية" للإسلام. ويحاول ماكرون من خلال مشروعه، فرض رؤية معينة للدين الإسلامي وكيف ينبغي للمسلمين أن يروا معتقدهم، وما يمكنهم أن يعترضوا عليه، بل الطريقة التي ينبغي أن يعلّموا بها أولادهم. وفي حين حذرت وسائل الإعلام الأمريكية من هذا المستوى الخطير من الرقابة الفكرية، فإن أغلب الصحف البريطانية عبرت عن تأييدها للمقاربة الفرنسية.

وفي يوم الأربعاء 9 ديسمبر/كانون الأول، صدّق مجلس الوزراء الفرنسي على مشروع القانون "الداعم للمبادئ الجمهورية" الذي قدَّمه ماكرون، وسيخضع قريباً للنقاش في المجلس الوطني.

تكرار سردية الحكومة

وقد حث مقال افتتاحي في صحيفة التايمز البريطانية على "الدعم الكامل" لحملة ماكرون، وأثنى على تخطيط الحكومة البريطانية لحظر التعليم المنزلي ومنع الأئمة الأجانب من تدريب الواعظين في فرنسا، باعتبار هذه الإجراءات "آلية للدفاع عن النفس في دولة ديمقراطية". ونسمع الآن أن الأطفال الفرنسيين سيحمل كل منهم رقم هوية، ما يعتبره المقال إجراءً لحمايتهم من "براثن الإسلاميين". وقد يرى المراقب للسياسة الدولية، أن تلك السياسات تشبه في بعض جوانبها القمع الصيني لمسلمي الإيغور، وأن هذا قد يستدعي ما هو أكثر من مجرد التكرار والاتباع الأعمى لسردية الحكومة الفرنسية.

إن الثناء على هذا القمع ليس مفاجئاً من صحيفة هاجمت المسلمين في بريطانيا ونشرت قصصاً زائفة عنهم، لكن الحماسة جاءت أيضاً من صحيفة الغارديان اليسارية الوسطية، التي قبلت بمزاعم ماكرون بأن قوانينه هدفها "مواجهة نزعات الانفصال الديني".

وجاء التأييد للجهاز الأمني أيضاً من صحيفة التليغراف، في آخر محاولاتها لنشر فكرة أن المسلمين في "باقي أنحاء أوروبا" يمثلون مشكلة بقدر ما هم مشكلة في فرنسا. هذا وقد اشتكت مجلة ذا سبيكتاتور البريطانية من أن ماكرون يقف "وحده" في سبيل جعل أوضاع المسلمين في أوروبا أصعب، ولم تكتفِ المجلة بأن الذين ينبغي لهم أن يتصدوا لسلطته المتغولة يدعمونه ويؤيدونه.

وتُظهر المقارنة بين وسائل الإعلام الأمريكية والبريطانية خضوع الجيران البريطانيين لماكرون. فصحيفة نيويورك تايمز، التي عبَّر الرئيس ووسائل الإعلام الفرنسية عن استياء خاصٍ منها، نشرت قصة عن قتل رجال الشرطة لقاتل باتي، في تناقض صارخ مع المواقع الإخبارية البريطانية التي نشرت قبل أسابيع من مقتل باتي، تقارير غير مؤكدة تزعم أن الرجل صاح "الله أكبر"، مهدداً بتفجير برج إيفل بقنبلة. ولاحقاً اتضح زيف هذه التقارير.

من يجرؤ على انتقاد ماكرون؟

استهدف ماكرون وسائل الإعلام الأمريكية، لأنها عكس جاراتها البريطانية، جرؤت على التشكيك في حملته القمعية على مواطني فرنسا المسلمين. وقد بحثت المقالات في سياق سياسات ماكرون، ومن بين ذلك اعتبارها مناورة انتخابية تهدف إلى التفوق على اليمين المتطرف. ودارت نقاشات مشروعة حول سياسة العلمانية باعتبارها غطاءً للعنصرية المعادية للمسلمين.

هذا ولجأت صحيفة فايننشيال تايمز، المفضلة لدى ماكرون، إلى حذف مقال أزعجه، ونشرت بدلاً منه رسالة الرئيس شبه الخالية من أي أدلة على مزاعمه، ومن بينها الزعم بأن فرنسا بها "أحياء ترتدي فيها الفتاة التي عمرها ثلاثة وأربعة أعوام، النقاب".

أظهر الإعلام الأمريكي تنوُّع وجهات النظر، ولم يكتفِ بالرقص على أنغام الرئيس الفرنسي وتحيته باعتباره نصير حرية التعبير في العالم. والاحتقار الذي ظهر في برامج التعليق البريطانية يُظهر شبه إجماعٍ على تقدير الدولة الأمنية واحترامها.

وتُظهر الأبحاث الاستقصائية من Declassified UK، أن الصحف المطبوعة في بريطانيا تنشر "معلومات انتقائية تدعم أولويات واضعي السياسات". وهذه الخدمة عابرة على ما يبدو، للقناة الإنجليزية. فمن الاعتقالات التعسفية إلى ترويع طلاب المدارس، لا يُذكر تغول الدولة الفرنسية إلا لِماماً.

هذا ويتهم وزير التعليم الفرنسي الجامعات بأنها أسيرة الأيديولوجيا "الإسلامية اليسارية"، ولم تجرِ أية محاولات لفحص ذلك المصطلح وتفسير استعمال رجل سياسة له. أما مفهوم "الفاشية الإسلامية"، الذي يفضله المروجون لبروباغاندا الحرب من المحافظين الجدد، فيروج له أيضاً عديد من المعلقين المعادين للإسلام بصورة متزايدة.

والهدف هو الخلط بين الأفعال المخبولة لأفراد مسلمين مثلما حدث في 11 سبتمبر/أيلول أو داعش، ومصائب وكوارث الفاشية الأوروبية، التي نفذتها الحكومات على أرض أوروبا في ماضٍ ليس ببعيد.

"أعداء الجمهورية"

وحين أعلن وزير الداخلية، جيرالد دارمانان، حل "التجمع المناهض للإسلاموفوبيا" وقال عنه إنه "عدو للجمهورية"، رغم الإدانة الواضحة من المنظمة للهجوم على باتي، قالت هيئة الإذاعة البريطانية BBC، إن هذه المجموعات لها "واجهة إنسانية"، بينما هي "في الكواليس تخدع المجتمعات الصغيرة بفرنسا".

والاستهانة بمن يرغبون في الدفاع ضد هذا التعدي الواضح على الحقوق المدنية واضحٌ في تقرير BBC، الذي جاء فيه: "بلا شك، سيتم توجيه اتهامات قريباً، من اليسار ومن الجماعات الإسلامية، بأن هذه الإجراءات عشوائية، وأن الحكومة لا يمكنها أن تغلق الجماعات التي، بغض النظر عن رأيها فيها، لها جانبٌ إنساني أيضاً".

وقادة الدول الإسلامية المشكوك في قدراتهم ومؤهلاتهم، والذين لا تعبر آراؤهم عن آراء أغلب المسلمين، يُمنحون مساحة أوسع للظهور في الإعلام الفرنسي والعالمي ويتم تقديمهم باعتبارهم البديل "الوسطي" للتيار السائد، أو "المتطرف" بلغة الإعلام. قد يشمل هذا التيار المتطرف أطفالاً يطلبون أطعمة حلالاً في المدارس، فهذه من العلامات "الناعمة" على الإسلاموية كما يروّج ماكرون وأتباعه اعتباطاً. وفي الواقع، هذا النزاع على وجبة الغداء في المدارس تكتيك من الساسة اليمينيين، ليقولوا بوضوح للأطفال المسلمين، إنكم إذا أردتم أن تكونوا فرنسيين حقيقيين، فعليكم أكل لحم الخنزير.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون

ورغم هذا الخط الإعلامي المؤيد للحلول الأمنية ولفرنسا، يظل المعلقون البريطانيون غير راضين. فقد عبّر تشارلز مور في صحيفة التليغراف عن أسفه لأن مقتل باتي حظي "باهتمام قليل لدرجة صادمة" في بريطانيا، وكررت صحيفة ميرور وموقع iNews وجهة النظر هذه. وقبل الواقعة بأسبوعين فقط، نشر موقع iNews هجوماً مراوغاً على المسلمين، يتساءل حول ما إذا كان الجنس والإسلام متوافقَين من الأساس، ذلك لأن البعض واتتهم الجرأة للاعتراض على عقد عرض للملابس الداخلية من المغنية ريهانا، على وقع أغنية تضم نصوصاً إسلامية مقدسة.

هذا ونعتت الكاتبة ميلاني فيليبس وسائل الإعلام بالجبن في مواجهة الإسلاميين، وأثنت في موضع آخر على الكاتب الفرنسي إريك زمور في عمودها. زمور هذا أعلن أن المسلمين عليهم الاختيار بين فرنسا والإسلام، وامتدح نظرية الاستبدال العظيم، وهي نظرية تقف وراء كثير من الهجمات الفتاكة التي نفذها المؤمنون بتفوق البيض.

خيالات استشراقية

إنَّ طرح وتعاطي الإعلام البريطاني للمفاهيم الدينية ضمن النموذج الأمني يصلان إلى حد جعل المستحيل ممكناً. على سبيل المثال، رددت صحيفة الديلي ميل كلمات دارمانان التي يتهم فيها والد أحد الطلاب بإصدار "فتوى" ضد باتي. لكن الخبر لم يوضح أن المسلم العادي لا يمكنه إصدار فتوى أو حكم ديني. وهذا مجرد مثال من أمثلة عديدة على التلاعب بالمصطلحات الإسلامية من أجل خدمة الخيالات الاستشراقية التي تتصور ثقافة وحشية فيها الحجاب يُساوي الاضطهاد، والمدارس مراكز للتلقين، والفتوى ترجمتها الحرفية حكمٌ بالإعدام.

إن تسريع الحكومة الفرنسية خططها لصنع "إسلام فرنسي تنويري"، عبر إعطاء القادة المسلمين في فرنسا مهلة 15 يوماً "للاعتراف" بأن الإسلام "دين لا سياسي"، أدى إلى مزيد من الاستعداد من جانب وسائل الإعلام ذات الميول اليسارية، لطرح الأسئلة عن التناقضات في سياسة الدولة الفرنسية.

لكن في الأيام الأولى للهستيريا، ومع استغلال السياسيين لمقتل باتي في استهداف الأقلية، وقع الأمر على عاتق مجلة Spiked الإلكترونية، وهي ليست مجلة صديقة للمسلمين، لتطرح الأسئلة عن محاولة الدولة الفرنسية "الحفاظ على حقنا في حرية التعبير عن طريق إسكات من يختلفون معنا". وحقيقة أن الأمر متروك لمجلة إلكترونية للتشكيك في المقاربة السلطوية للحكومة الفرنسية إدانة صارخة لوسائل الإعلام السائدة وتحمسها لقمع فرنسا لمواطنيها المسلمين.

– هذا الموضوع مترجم عن موقع Middle East Eye البريطاني. 

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

فيصل حنيف
إعلامي ومحلل سياسي
محللٌ إعلامي بمركز مراقبة وسائل الإعلام، وعمل سابقاً مراسلاً إخبارياً وباحثاً في صحيفة التايمز وهيئة الإذاعة البريطانية. ويتناول آخر تقاريره التغطية الإعلامية البريطانية للإرهاب.
تحميل المزيد