لماذا قررت هجر كل مواقع التواصل الاجتماعي واللجوء إلى تويتر؟

عدد القراءات
1,024
عربي بوست
تم النشر: 2020/09/10 الساعة 11:56 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2020/09/10 الساعة 11:56 بتوقيت غرينتش

الحقيقة أنني من الذين تعودوا استخدام شبكات التواصل الاجتماعي بشكل متفاوت ومختلف، وإن كان النصيب الأكبر قد منحته لموقع فيسبوك، وهذا حسب اعتقادي ليس اختياراً حراً مني، ولكن اختيار تمليه مجموعة من العوامل أهمها طبيعة الموقع والأدوات والفرص التي يوفرها من ناحية، وكذلك سمات المجتمع الذي أنتمي إليه افتراضياً وأشعر بالانسجام مع ما يطرحه من أفكار وقضايا وقصص. 

ونحن اليوم نحيط ذواتنا بمجموعات صاخبة من الأصدقاء والخبراء والغرباء ونسعى الى تأكيد المزيد من التواصل وتعزيز التشارك في كل شيء، حتى تلك العواطف التي كان الشاعر بالأمس ينزوي الأيام والشهور ليستصدر منها قصائد غالية تحولت اليوم إلى مجموعة من الرموز البالية والباردة التي نضعها هنا وهناك صدقاً وزوراً.

إذ يمكننا أن نفهم جيداً أن الأشياء في موقع فيسبوك لم تعد حقيقية وصادقة كما كانت في البداية، والأخطر دائماً في هذا الموقع هو ذلك الضجيج المستفحل والأصوات المرتفعة والصراخ الجماعي الفاقد للمعنى والدلالة، الجميع يتكلمون ويحللون ويخاطبون ويتعملقون في جميع المجالات، بل ويخلقون مناخاً لترذيل كل خطاب متخصص ومتجذر في العمق، إننا بصدد توصيف ما يشبه جمهورية للعبث والفوضى، تلك الأرض التي يتعالى فيها الحمقى وتشرئب فيها أعناقهم ويعتلون منابر للخطابة أمام حشود من المجهولين والمعطوبين. ولهذا قررت اللجوء بعيداً عن هذه العوالم المتخشبة إلى جمهورية تويتر الفاضلة، هذه التي تبدو كمساحة إبداعية مستقلة ومفتوحة على عوالم ومعارف متنوعة وثقافات مختلفة قد تزينت بها سماؤها الزرقاء الزاهية بواحات من الأدب والقصيد وشذرات من الفكر العالي والخلق المتعالي، تويتر يبدو كربوة عالية تحتاج إلى متسلق جبال لغوية ومرتاد لواحات وبساتين معرفية. 

نعم لقد اخترت بكل قناعة العيش والبوح في كنف هذا العصفور الصغير والتغريد بلسانه والكتابة على جدارياته الباسقة التي لا يشاركك فيها أحد، ولكنها متاحة للقراءة والتفاعل بعيداً عن الثرثرة والبربرة التي تعج بها صفحات فيسبوك وغيرها من المنصات، إن اهتمامي بالكلمة والكتابة دفعني إلى البحث عن المناخات التي تستوعب الحاجة إلى تجسيد دواخلنا المنهكة وذواتنا المنتصبة على خشبات المسرح الإنساني في دهشة المتعثر، لا مفر لنا إلا البحث على البيئة التي تحفز فينا ينابيع الكتابة وتمنحها ولادة جديدة وبعثاً إبداعياً، ففي اللحظة التي استعمرت فيها السياسة وسائل الإعلام وانفرد السياسي بالفضاء العمومي، فتح تويتر الفضاء واسعاً أمام الفعل الثقافي ليفرغ شحناته ويخلع عنه ذلك الاغتراب الطويل في عالمنا العربي.

لقد كان من أمثلة هذه التجميعات العكاظية الثقافية ما ذكره الأستاذ عبدالله الغذامي في مقدمة كتابه ثقافة تويتر، حيث أسس مجموعة من الشباب مجموعة لمناقشة كتبه تحت هاشتاغ اسمه نقاش_الغذامي، وتبدأ الفكرة بالتوافق على عنوان كتاب وتحديد جدول زمني لمناقشة محاور الكتاب وامتدت المبادرة لشهور، وتمت مناقشة أكثر من 15 كتاباً للغذامي، وإن كانت ثقافية تويتر ليس أمراً مطلقاً بل تتخللها دائماً ممارسات عرجاء تنحصر في فئة من المغردين الذين لا ثقافة لهم سوى ثقافة التجديف عكس التيار والتجريف اللغوي والأخلاقي، وهي من الإرهاصات المستفحلة في كل المنصات الاجتماعية والتي يصفها الغذامي في تغريدة له أن منصة تويتر منحت الفرصة للحمقى والحكماء للتغريد على حد سواء، والمسؤولية تقع على النخبة والمثقفين والكتاب في لجم وعزل هذه الفئات.

غرّد كأنك تحلق فوق المجرة

ما الذي يجعلني أهتم كثيراً بصوت العصفور الأزرق وهو يغرد؟ ما الذي  يجعلني أنتبه له بكل فضول وتركيز ولو كنت محاصراً في حافلة مزدحمة أو في اجتماع عمل طارئ أو فسحة عائلية، إن التغريدة حين يهتز لها الهاتف فهذا يعني أن هدهد سليمان (عليه السلام) قد حضر وأنه جاءني بنبأ يقين، فكل تغريدة هي بمثابة تواصلك الدائم مع العالم بقادته ونخبته ومؤسساته، ستصلني كل التغريدات التي يقذف بها دونالد ترامب في أتون معاركه مع خصومه ووسائل الإعلام الأمريكية، نعم ستوقظني تغريداته من النوم وأنا القاطن في الجنوب الجزائري ولكنني أحلق وأتجول في واشنطن ونيويورك وأعرف الأخبار القادمة من هناك، لا يتعلق الأمر بمجموعة من الأخبار بل بحصار خانق قد يحول تويتر إلى جداريات إخبارية تجعلك ترصد كل شيء، الجميع يخاطبونك رغم أنك لا تنتمي إلى الجميع ولا تهتم حتى لتغريداتهم إلا في بعدها الإنساني والثقافي، إن حضور الذات بكل تفاصيلها وفصولها وسردها بكل مشاعرها وأشعارها ومشاركتها مع الجميع هو ما يميز تويتر، فجميعنا منفتح في هذه المساحة الضيقة وتذوب كل الألوان والأسماء والمستويات التي فرضها الواقع وتحجمت من خلالها فرص التواصل، وقد وجدت أنه من المثير أن تنتهي العلاقة المهيمنة بين الشيخ والمريد كما يصفها الغذامي، وتتحول إلى تفاعلية تتسم بالكثير من التحدي والنقد اللاذع الذي يسقط فيه المشاهير وترتفع بسببه أسهم المغردين.

مغردون لا يتنفس بدونهم تويتر

لم تكن تغريدات الشيخ سلمان العودة مجرد تغريدات، بل كانت أكثر من ذلك، كلماته تعبر الحدود وتجتاز القناعات لتستقر في تلك الأماكن الباردة والمظلمة من ذواتنا، ولا أعرف شيخاً داوم على المراجعات والوسطية والخطاب الإنساني البسيط وتواصل مع الجميع شباباً وشيباً مثلما فعل.

سلمان بن فهد العودة كان خير مَن يغرّد ليرسم السعادة والبسمة والتفاؤل في عيون متابعيه، الاعتذار والعطاء والوفاء والإخلاص.. تلك القيم التي زرعها عبر جداره، هو اليوم رهن الاعتقال ونحن على رصيف الشوق في انتظار أن يغرّد الشيخ مرة أخرى. 

كما لا يمكنني أن أمرّ على تويتر دون أن أسكب العبرات والعبارات وأنا أتفقد حساب الشهيد الراحل جمال خاشقجي، هذا القلم الذي كان أكبر من الملك وجنوده  وأصدق من كل الذين ادعوا الوطنية وسلبوا هذا الحق منه، رافقت حسابه لسنوات وتمحّصتُ تغريداته، فلم أجد فيها إلا كل الحب والنصيحة والوسطية في الدفاع عن السعودية داخلياً وخارجياً ثم ماذا بعد ذلك؟ يُصلب ويُغتال وكأن الكبار لا وطن يحتويهم ولا وطن لهم.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:[email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علامات:
هشام سراي
كاتب ومدوّن جزائري
كاتب ومدوّن جزائري
تحميل المزيد