جيل إماراتي متصهيّن

عدد القراءات
680
عربي بوست
تم النشر: 2020/09/08 الساعة 08:54 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2020/09/08 الساعة 15:20 بتوقيت غرينتش
التطبيع الإماراتي الإسرائيلي /عربي بوست

قبل أيام أجرى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو محادثة هاتفية مصوّرة مع أحد المسؤولين الإماراتيين الذي كان يتحدث معه بالعبرية. دعك من مضمون المكالمة التي كان يملأها الدفء والحميمية وكأنها بين عشيقين، ولكن اللافت في الأمر هو تحدث المسؤول الإماراتي بالعبرية التي تعلّمها، كما أخبرنا نتنياهو، من خلال كورسات أخذها أونلاين بتوجيهات من ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد.

منذ الإعلان عن اتفاق السلام بين الإمارات وإسرائيل، لا يتوقف الإماراتيون عن إبهارنا بحالة النشوة والغرام التي وقعوا فيها مع قادة ومسؤولي الكيان الصهيوني. فقد حلّ كثير منهم ضيفاً على الإعلام الإسرائيلي خلال الأسابيع الماضية، وهم يتحدثون بفخر عن الخطوة المشينة التي اتخذتها قيادتهم بإعلان تحالفها مع الكيان الصهيوني في الثالث عشر من أغسطس/آب الماضي. وفي جميع حواراتهم، يبدو هؤلاء وكأنهم يحاولون التقرّب من الإسرائيليين، واسترضاء قادتهم بكل الطرق من أجل الإسراع في بناء التحالف بين البلدين بطريقة فاجأت الإسرائيليين أنفسهم. فقد كتب يوسف العتيبة، السفير الإماراتي في واشنطن ومهندس التحالف بين بلاده وتل أبيب، مقالين في جريدة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية؛ الأول في ١٢ يونيو/حزيران الماضي بعنوان "إما الضمّ أو التطبيع"، والثاني يوم الجمعة في العشرين من أغسطس/آب، بعنوان "سلام عليكم" أو "شالوم عليكم" باللغة العبرية، حاول فيهما العتيبة تبرير وتسويق اتفاق السلام الذي تم الإعلان عنه مؤخراً بلغة لا تخلو من الاستجداء والتزلّف للإسرائيليين، حيث عدّد الفوائد التي سوف "يجنيها الإسرائيليون من الاتفاق في مجال السياحة وفتح الإمارات أمامهم في كافة المجالات، السياحة والعمل والتعليم، وحتى "الصلاة" في مركز التسامح الديني الذي سيتم تشييده في الإمارات".  ولن نستغرب إذا أصبح العتيبة كاتباً منتظماً في إحدى الصحف الإسرائيلية مستقبلاً!

ومنذ الإعلان عن الاتفاق، أجرت الصحف الإسرائيلية عدة حوارات مع عدد من المسؤولين الإماراتيين مثل أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية، وكذلك مع مساعد وزير الخارجية والتعاون الدولي للشؤون الثقافية الإماراتي عمر سيف غباش، ومع هند مانع العتيبة، مدير الاتصالات الاستراتيجية بوزارة الخارجية الإماراتية. ولم يتبق سوى أن نشاهد محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي في حوار مع القناة الإسرائيلية الثانية أو غيرها من القنوات الإسرائيلية! 

ويبدو الأمر كما لو أن هناك تنافساً محموماً بين المسؤولين الإماراتيين حول التقرّب من إسرائيل، وكأنهم كانوا محرومين من "الغيث الإسرائيلي" الذي نزل عليهم فجأة، فأخذوا يتسابقون ويهرولون كي ينهلوا من "نبعه" تيمناً وتبّركاً به، وذلك إلى الدرجة التي تجعلك تقف مشدوهاً أمام الأمر وتتساءل في اندهاش: كيف ومتى نبت في فضائنا العربي والخليجي كل هذا العفن والخبَث السياسي؟ ومن الذي زرع كل هذا التلوّث الفكري والتشوّه النفسي في عقول هؤلاء؟ ومن أي بئر فاسدة شربوا حب إسرائيل، مقابل التضحية بفلسطين أرضاً وشعباً؟ قطعاً ليس من أبيهم ومؤسس دولتهم الشيخ زايد، رحمه الله، الذي كانت له مواقف مشرّفة من فلسطين، وظل حتى آخر حياته وفيّاً لقضيتها وللعروبة.

في نفس الوقت حلّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضيفاً على قناة "سكاي نيوز عربية"، التي تُموّل وتُبث من أبوظبي. في حين بدأت بعض القنوات التلفزيونية الإسرائيلية تبّث تقاريرها من قلب دبي وأبوظبي، والذين أصابت مراسليهم الدهشة وكأنهم لا يصدّقون ما يفعلون. كذلك تم استقبال رئيس الموساد الإسرائيلي يوسي كوهين في أبوظبي، قبل أن يغادرها للبحرين من أجل عقد محادثات مع قادتها حول إمكانية إعلان التحالف معها.

قد يبدو الأمر مفاجئاً، وفاجعاً، للمواطن العربي، وهو يرى هذا الانحدار والانزلاق الإماراتي باتجاه إسرائيل، ولكنه قطعاً لا يجب أن يفاجأ إذا عرف أن الأمر يتم إعداده و"طبخه" منذ عقدين على الأقل. فلم يكن لهؤلاء المسؤولين الإماراتيين أن يخرجوا للحديث حول علاقة بلدهم بتل أبيب بهذه الكثافة والجرأة ما لم تكن هناك علاقات بالفعل تجري على قدم وساق بين البلدين. ولا يُعقل أن يكون ما نشاهده من استمتاع لديهم، وهم يتحدثون عن هذه العلاقة، وليد اليوم. ولعل هذا يثير التساؤل حول نجاح إسرائيل في اختراق النخب العربية الحاكمة نفسياً وسياسياً واستراتيجياً. وفي حين تذهب بعض الروايات إلى أن الأمر ليس غراماً بإسرائيل، بقدر ما هو التخوف من بعض الملفات والقضايا التي تحتفظ بها تل أبيب تمسّ بعض هؤلاء المسؤولين وقياداتهم، والخوف من استخدامها ضدهم وابتزازهم بها، إلا أن الأمر يتعلق بتحولات أعمق في عملية التنشئة والتربية التي جرت في الإمارات خلال العقدين الأخيرين، والتي قلبت الموازين لدى ساساتها وحكامها ونخبها. وهي عملية لا يبدو أنها تمت بعيداً عن أعين الإسرائيليين وحلفائهم، الذين اخترقوا النخبة الإماراتية وسيطروا على عقولهم، وبدّلوا مواقف بلادهم تجاه العرب، وقضاياهم خاصة قضية فلسطين. لذا فلا غرابة أن يتشارك هؤلاء جميعاً (نخب وقيادات الإمارات وإسرائيل) في المواقف من الربيع العربي، والديمقراطية، والإسلام السياسي.. إلخ. وأن يدعموا الدمار والخراب في اليمن وليبيا وفلسطين ومصر والسودان من أجل تحقيق مصالحهم.

لذا، فإن خطورة التحالف بين أبوظبي وتل أبيب لا تكمن في أبعاده الأمنية والاستراتيجية فحسب، ولكن، وهذا هو الأهم في أن تقوم الثانية باستخدام وتوظيف الأولى كرأس حربة في مشروعها لتغيير وغسل الأدمغة العربية، وذلك على غرار ما حدث مع قيادات الإمارات ونخبتها السياسية والإعلامية، بحيث يهرول الجميع إلى تل أبيب طالبين رضاها والتحالف معها، وذلك على غرار ما تفعل هذه النخب حالياً. بكلمات أخرى، سوف تصبح الإمارات بمثابة "بئر السّم" الفكري والعقلي التي تريد إسرائيل أن يشرب منها العرب، خاصة النخب الشابة، من أجل أن تتم "غسل" أدمغتهم وقلب الثوابت والموازين لديهم بحيث يصبحون أكثر بعداً عن قضاياهم، وفي القلب منها قضية فلسطين، وأكثر دفاعاً عن مصالح تل أبيب.

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

خليل العناني
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز الأميركية
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز الأميركية
تحميل المزيد