تمردن على الواقع وشكلن وفداً لمقابلة الانتداب البريطاني.. ما الدور الحساس الذي لعبته النسويات الإسلاميات في فلسطين؟

عدد القراءات
652
عربي بوست
تم النشر: 2020/08/27 الساعة 11:18 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2020/08/27 الساعة 11:18 بتوقيت غرينتش

عندما وجدت كتاب "النسوية الإسلامية ودورها في التنمية السياسية في فلسطين" في أحد المعارض، كان إقبالي على الحصول عليه ناشئاً من حرصي على كل الأدبيات التي تجعل قضية فلسطين حية في الذاكرة وتحمي التاريخ الفلسطيني المهدد بالضياع، لم ألتفت ساعتها إلى كلمتين مهمتين وردتا في العنوان، الأولى هي كلمة النسوية وقد ظننت حينذاك أن اللفظ قد اختير لمجرد المشاكلة وإنما المقصود هو الحديث عن دور الناشطات الإسلاميات في الجهاد في فلسطين، كما لم تستوقفني كلمة التنمية السياسية بأكثر من أنها تعني العمل السياسي تمييزاً عن العمل العسكري والخيري، حيث المجالان اللذان شاركت فيهما المرأة الفلسطينية بنصيب وافر، ولكن بدخولي أكثر في عالم الكتاب كنت سعيداً بأنني كنت مخطئاً، فمفهوم النسوية الذي تنسب بعض المفكرات كالسعداوي وفاطمة المرنيسي نفسهما إليه هو المقصود، وهذا المصطلح الذي كان لاحقاً لمفهوم الجندر الذي عقدت له مؤتمرات عالمية كانت تتحدث عن المرأة والسكان واشتهر منها مؤتمرا القاهرة وبكين، ولحق بالمصطلح الظن السيئ نظراً لأنه تطرق إلى العلاقات الجنسية خارج دوائرها الشرعية المقبولة دينياً، وما يتعلق بها من الإجهاض وتوفير موانع الحمل للمراهقات لدرجة أنه في مجتمعاتنا العربية اصبحت هذه المفاهيم مشوشة ومحاطة بالشبهات، ولكن الحقيقة أن موضوع النسوية في إطاره الواسع لا يقتصر على ما ركز عليه الإعلام الإسلامي وهو المواضيع التي تستثير الريبة، وإنما هو أوسع من ذلك، وكما اختارت المؤلفة التعريف الذي أرتاح إليه هو وصف لنساء إسلاميات الديانة، ناشطات بالعمل الاجتماعي والحقوقي ومجالات الأسرة، فاعلات في مجالات التنمية المختلفة، مرجعيتها الفكرية والقانونية هي النصوص الشرعية الإسلامية الثابتة، القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وبهذا المعنى نجد أن هؤلاء النسوة قد توسعن في المهام التي نشط عزمهن على تحملها إلى المعنى الواسع لأن النساء شقائق الرجال، وإن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يقاسمونهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي أنهن بشكل حقيقي خرجن نظرياً وسيخرجن عملياً على مفهوم التخصص الذي يجعل المرأة ملكة بيتها، ويجعل عمل أعمالها ما له علاقة بالزوج والأسرة، ويطالبها علانية أو بحكم واقع الحال بالاكتفاء بهذا المجال وعلى إقرارنا بأنه مهم ويقع ضمن الأولويات، ولكن هل ينتهي أمر كل النساء إلى أن يُعتقلن فيه وطوال أعمارهن وينذرن له جميعهن كل حيواتهن!

 إن مفهوم التخصص هو الفهم الذي تشترك فيه كل الاتجاهات الإسلامية، ولكننا تحت ضغط الضرورة أتاحت تنظيمات لنسائها مشاركة أكبر ولقد رأينا استشهاديات مثلاً، كما انطلقت الكثيرات من نساء الحركات الإسلامية إلى ترميم المجتمع مما ينشأ فيه من تصدعات بتأثير حالة المقاومة وما تتضمنه من حروب وما تقدمه من شهداء، والأمر واسع من العمل الخيري الذي يبرز فيه جمع التبرعات إلى رعاية الأيتام وذوي الإعاقات وحتى المشاركة في الفعاليات الجماهيرية ذات الطابع السياسي الفاقع مثل التظاهرات والاعتصامات.. إلخ، ولعل التطور الذي شهدته الأدوار التي تمارسها المرأة من خلال تنظيم حماس إنما هو انعكاس لأن حماس ليس عندها موانع فكرية تمنع المرأة من التقدم للأمام، وحسبما تفرضه تطورات الحالة الاجتماعية لمجتمع كالمجتمع الفلسطيني الذي تفرض عليه حالة المقاومة والتحدي استثمار كل جهد ممكن. إن التحديات التي يتعرض لها المجتمع الفلسطيني لا تترك له ترف إعادة المرأة إلى حصن التخصص بأجنحته الفندقية المتعددة، لكن رغم هذا تبرز المؤلفة أن شعوراً فاعلاً بين العاملات في الحقل الإسلامي يدل على أن هذا التطور كله لا يكفي.

ففي عصر صدر الإسلام الذي يقول محمد عمارة إن العاملات من الصحابيات في حمل الهم العام بلغن ا/٨ من عدد الرجال بما يفوق أي نسبة مثلها في أي من حركات التحرير عبر التاريخ، يمكن لهذه النسبة على تميزها أن تكون أقل مما نحتاجه حالياً، وما كانت هذه النسبة قصوراً في عصر الإسلام الأول وإنما لأن تصحيح الترسبات الجاهلية يأخذ وقتاً طويلاً لإحداث التغيير الاجتماعي المطلوب، ولو استمرت مسيرة الصحابيات كما كانت في عصر النبوة ولم تدخل عليها التفسيرات الذكورية للنصوص والعودة الخفية لقيم الجاهلية لكانت النسبة أقرب إلى التساوي وخاصة في مجتمع كالمجتمع الفلسطيني فرضت عليه تحديات وجودية ربما منذ عصر الأندلس لم يمر بها قطر آخر.

ومجتمع يمر بأكثر فترات تاريخه حرجاً أحوج إلى كل عناصره رجالاً ونساء سواء بسواء. إذن فهؤلاء النسويات الإسلاميات في المجتمع الفلسطيني لم يقتنعن بمكتسباتهن التي أتاحتها لهن الضرورة وقوانين المجتمع التي استجابت للتحدي، بل وجدن أنهن يلتقين مع النسويات الأخريات في الكثير مما هو مطلوب لرفع الحيف عن النساء وتمكين المرأة من أداء دورها في المجتمع، الدور المطلوب بشدة والذي لا تتأخر فيه النساء خطوة واحدة عن الرجال، ولقد أعجبني أن المؤلفة جعلت النسويات من غير الإسلاميات ممن شملتهن بإهدائها، اعترافاً منها بوجود الكثير مما يجتمعن عليها ويمكن أن تتوحد فيه جهودهن.. واضح أن طموح النسويات المسلمات يتجاوز الواقع الحمساوي وإن كن قد نشأن تحت مظلته، فالهدف أن تستقر القواعد التي تحرر شقائق الرجال من كل ما يقصر بهن عن هذه المهمة، وأن يتاح لهن العمل في البيئة الطبيعية دائماً وليس فقط عند إملاء الضرورة.

يحوي الفصل الثاني من الكتاب توصيفاً لمكونات الحركة النسوية الفلسطينية وتأثرها بالتشظي السياسي في الساحة الفلسطينية لدرجة أن النسويات الإسلاميات يجدن رفضاً من قبل الاتحاد العام للنساء الفلسطينيات التابع لمنظمة التحرير على خلفية الصراع بين حماس وفتح، وكنت آمل أن يكون ما يجمع النسويات أكثر مما يفرقهن، فالبحث المشترك عن حقوقهن والعمل الخيري والاجتماعي كلاهما عادة ما يكونان عابرين للتجمعات السياسية ولكن للأسف تبقى الحزبية السياسية مرض فلسطين.

كما تقدم الكاتبة عرضاً مشوقاً لنضال النساء الفلسطينيات منذ بداية المسألة الفلسطينية، فهن اللواتي يستطلعن مكامن العدو للمجاهدين ويقمن بالكثير من الخدمات اللوجستية، إضافة إلى التظاهرات السياسية والمؤتمرات والمشاركة في كافة مظاهر العمل الوطني، ومواكبة الحركة النسائية العربية والتفاعل معها، وشهدت الأحداث ارتقاء مجموعة من الشهيدات، ولقد نقلت المؤلفة المادة الثانية من نظام الجمعية النسائية في القدس، والتي عبر فيها عن رؤية متقدمة من النساء لدورهن وواقعهن، وكان واضحاً أن اهتماماتهن وأجنداتهن أوسع كثيراً جداً مما هو كائن اليوم في كثير من البلدان فيما يتعلق بالمرأة ودورها ونشاطها الحياتي، ولنتأمل مثلاً المؤتمر الأول لنساء فلسطين الذي انعقد إثر ثورة البراق عام ١٩٢٩ وقد شكلن وفداً لمقابلة ممثل الانتداب البريطاني في فلسطين سلمنه فيه قرارات المؤتمر، مطالبين بالرد عليها والتجاوب معها، ومن تلك القرارات الاحتجاج على وعد بلفور ،وعلى العقوبات الجماعية وعلى المعاملة السيئة للمعتقلين، وتمثل المؤلفة للمسؤوليات التي تحملتها المرأة الفلسطينية بجدارة بحيث فاق الواقع الصعب واخترق كل القيود الاجتماعية، وكيف أسسن فرقاً عسكرية لدعم الثوار وأعمال التحريض مثل منظمة رفيقات القسام وفرقة زهرة الأقحوان، وكانت أعمالهن تتضمن التطبيب والتمويل والمراقبة في الطرقات ونقل الثوار والسلاح.. إلخ، وللأسف تعرضت المسيرة النسائية الفلسطينية للكثير من الانتكاسات وراوحت بين الصعود والهبوط، وتقسم المؤلفة مسيرة المرأة بين التأسيس (١٩٢٢-١٩٤٨) ومرحلة الانحسار والنكوص (١٩٤٨-١٩٦٧) ثم مأسسة العمل النسائي (١٩٦٨-الانتفاضة الأولى) ثم النهضة الجماهيرية (١٩٨٧ -أوسلو) ثم الارتداد للخلف بعد دخول السلطة وهي الفترة التي يبدو فيها تأثر العمل النسائي بنفس المؤثرات السلبية التي تعيقه في الدول العربية بفعل الأنظمة السلطوية.

كما وتقدم المؤلفة عرضاً تاريخياً لظهور تيار النسوية الإسلامية ومراحل تطورها منذ افتتاح قسم خاص بالنساء في أحد المساجد ثم تعميم التجربة والانطلاق من الدروس الدينية إلى كافة آفاق العمل الاجتماعي والتنظيمات الطلابية، ومن ثم ممارسة فعاليات سياسية بامتياز كالاعتصامات والتظاهرات، التجربة ناضجة وواثقة خاصة إذا أخذنا في الاعتبار المعيقات الداخلية والتي تنبع من الفهم السطحي للدين والهيمنة الذكورية التي تلبس مسوح الدين، وكذلك المعيقات الخارجية وخاصة من الدوائر النسوية التي ساء ظنها بالمتدينات وأعطت نفسها الحق في حرمان الإسلاميات من الانتماء إلى المنظمات النسائية الوطنية. وهكذا ظهرت الرابطة الإسلامية للمرأة الفلسطينية كمؤسسة موازية للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية كرد فعل على استبعاد الإسلاميات، وبهذا الفعل ظهرت الحركة النسوية الإسلامية للوجود.

إن مسيرة حياة الكاتبة من خلال الحركة الإسلامية والتربية المسجدية إلى الرابطة الإسلامية للمرأة الفلسطينية إلى أن تكون مرشحاً للعمل في المجلس البلدي في نابلس تعطي مثالاً عن التطور الذي مرت به المرأة الفلسطينية، من التخصص في البيت والأسرة إلى العمل الاجتماعي المحكوم بالضرورة إلى المشاركة مع الرجل سواء بسواء لإقامة وطن لا يستغني عن النساء وليس لديه ترف تركهن في مملكة التبعل.

عاودت مطالعة الإهداء الذي استوقفني وأنا أدلف إلى صفحات الكتاب، والذي شعرت عند وقفتي الأولى بأن محرر الكتاب لم يخدمه أسلوبياً بما يكفي، ولكن في وقفتي لحظة الختام تساءلت هل كان استخدام المؤلفة لميم الجمع بدلاً عن نون النسوة مقصوداً لتدشين مرحلة جديدة تشارك فيها النسويات الإسلاميات في كل مجالات الحياة حتى أن الخطاب يتسع ليجعل حواجز الحروف والتخصيص الجنسي لغوياً ماضياً تاريخياً متخلفاً لا رجعة إليه.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:[email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

صالح الشحري
طبيب فلسطيني
طبيب فلسطيني واستشاري أمراض نساء و توليد. مهتم بالشأن الثقفي وقضايا المجتمع وسبق أن كتبت عدة مقالات في موقع huffpost النسخة العربية.
تحميل المزيد