رغم أنها لم تسجل إصابات بكورونا.. كيف اختلفت أجواء رمضان في غزة هذا العام؟

عدد القراءات
1,307
عربي بوست
تم النشر: 2020/05/14 الساعة 14:44 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2020/05/14 الساعة 15:04 بتوقيت غرينتش

عندما نتحدث عن شهر رمضان فإننا نتحدث عن "لمة" الأسرة عند الإفطار، وصلاة التراويح في المسجد، وصوت المسحراتي وقت السحور، وفوانيس وزينة رمضان التي تملأ كل البيوت والحارات، والقطائف اللذيذة التي تُعد فقط في هذا الشهر ويُقبِل على شرائها المسلم والمسيحي، وعن كل الطقوس الجميلة الخاصة بهذا الشهر الفضيل.

توجهت في ذلك اليوم عصراً إلى سوق الزاوية في ميدان فلسطين بمدينة غزة هاشم، هذا السوق الذي يُعد من أقدم الأسواق التاريخية وأعرقها، فمَن يذهب إليه يشتم رائحة عبق التاريخ في كل حانوت من حوانيته الصغيرة، فكتبت بعض الصور القلمية التي تحكي عن طقوس رمضان الجميلة في غزة، رغم حصار الاحتلال الإسرائيلي وحصار فيروس كورونا.

في بداية جولتي الصحفية التقيتُ هناك ببائع التمور والزيتون، فكل ما يبيعه في حانوته يفتح الشهية على سفرة الطعام، كونه يبيع الزيتون بكافة أشكاله وألوانه، والفلفل الأحمر المطحون والمكبوس، وجميع أنواع المخللات، فتعتبر المقبلات من الأساسيات اليومية التي توجد على سفرة الإفطار، سألته عن حركة البيع والشراء فقال لي أبومحمود صحاب الحانوت: "أنا لي سنوات طويلة فاتح محلي، الوضع ليس كَكُل عام فإن فيروس كورونا أثّر بشكل سلبي على البيع في السوق، خاصة مع تخوّف الناس من القدوم إلى هنا بشكل يومي للتسوق، ومع استمرار إعلان حالة الطوارئ بسبب فيروس كورونا قلّت حركة الشراء في كافة الأسواق".

وأنا أسير في هذا السوق كنت أرتدي كمامة وقفازات كإجراء احترازي من فيروس كورونا المستجد، وأستخدم المُعقِّم للضرورة، وهناك كنت ألتقط بعض الصور بين الحين والآخر، وفجأةً سمعتُ كلماتٍ موجهةً لي تأتي من صاحب محل عطارة، رجل ستيني كان يجلس على كرسيّه أمام حانوته يقول: "صحافة صحافة تعالي عندي صوّري محلي، الوضع واقف والحال واقف وإجت هالكورونا كملت علينا، بدنا العالم يشوفنا ويدعمنا، غزة فيها مصيبتين مصيبة حصار اليهود ومصيبة الكورورنا اللي مش عارفين من وين إجتلنا!" كم كانت كلماته تعبّر عن سوء حالته المادية والمعيشية المزرية، فحانوته الصغير كان خالياً تماماً من المشترين، وكادت الدموع تسيل على وجنتيه أثناء حديثه معي، لولا أنَّ سيدة أتت لتشتري منه أنقذت الموقف حينما سألته "بكم بتبيع الحنة يا حاج؟" لحظتها انسحبتُ بهدوء من أمامه.

لمحتها من بعيد وهي تجلس وسط السوق على لوح خشبي وفي جعبتها التوت البري الطازج، اقتربت منها وقلت لها كل عام وأنتِ بألف خير يا حجة، كيف حالك؟ ردت: "وإنتِ بخير يا بنتي تعالي اشتري مني توت طازة، أنا بزرعه في أرضي، والصبح قطفته، هالأيام موسمه"، قلت لها "سلم إديكي وعنيكي أكيد راح أشتري منك". أم محمد تجاعيد وجهها تحكي مرارة ما تعيشه من حال سيئ، فهي تقطن في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، تأتي إلى السوق كل يوم، فهي تعيل أسرتها المكونة من عشرة أفراد بعد استشهاد زوجها في الحرب الأخيرة على قطاع غزة، والتي تصادف ذكراها شهر رمضان أيضاً؛ حيث ذقنا خلالها ويلات ومآسي مخيفة لوطأة ما تحمله لنا من ذكرى موجعة، كما أنه لم يشعر بنا أحد خلالها غير رب العالمين!.

أما عن مشهد الفرحة داخل حانوت بائع الفوانيس وأسلاك الزينة التي تضوي كل محله وخارجه، والأطفال المجتمعين عنده فكانت لا توصف، حياة أمل وفرحة بعيون الأطفال، فكل من أتى إلى حانوته كان يشتري منه، اقتربت إليه وحادثت صاحب المحل، وهو شاب عشريني، قال لي: "أنا خريج جامعة تخصص محاسبة، لكن الظروف السيئة التي تعيشها غزة ما قبل فيروس كورونا وقلة الوظائف والبطالة جعلتني في هذا المكان حتى أبيع زينة رمضان وأترزق". لم أندهش من كلام هذا الشاب، كوني أعيش في هذا البلد الصامد الصامت، فغزة محاصرة لأربعة عشر عاماً، والمعابر مغلقة، وتعيش بلا كهرباء، والخريجون على أرصفة الطرقات بلا وظائف، وويلات حروب ألمّت بها، غزة المدينة الصغيرة الجميلة حملت في جَعبتها ألمَ ووجعَ آلافِ المدن، والحمد لله على كل حال.

الطفل محمد حافي القدمين، ذو الأعوام السبعة، صاحب العيون الخضراء والبشرة القمحية والذي ظل يلاحقني طيلة جولتي الصحفية بعربته الصغيرة التي يبيع بداخلها السمبوسك والنعناع والجرجير، وكان يقول لي باستمرار: "اشتري مني يا خالتي أمانة بدي أجيب خبز وحمص لإخوتي، طب بدك أريحك وأحملك أغراضك بعرابيتي طول الطريق!". فهذا الطفل من سكان بيت حانون، شمال قطاع غزة، يأتي كل عام في هذا الشهر الفضيل حتى يبيع بعربته الصغيرة التي يجوب بها السوق ما تُعده له أُمه، آملاً أن يشتري منه المارة ويذهب إلى بيته فرِحاً.

لم أجد إجابة تشفي قلبه الصغير وقلبي الحائر طيلة إلحاحه الشديد عليّ كي أشتري منه، غير أني أعطيته "اللي فيه النصيب" واشتريت منه علبة سمبوسك وربطة جرجير لا بأس بها، الأمر الذي جعله يطير فرحاً!

فهناك غيره عشرات الأطفال الذين يتواجدون كل يوم في السوق، فقد حملوا في عيونهم هموماً لا يعلم بها غير رب العباد.

سوق الزاوية، هذا السوق العريق يتألف من أكثر من 30 حانوتاً أو دكاناً، ويوجد في كل حانوت اللوازم الرمضانية والمنتجات الغذائية، ويقصده الصائم في هذا الشهر، وفيه جميع الأغراض البيتية وكافة أنواع الأجبان من جبنه صفراء وبيضاء والكشكوان والحلاوة وكافة المكسرات الخاصة بحشوة القطائف، إضافة إلى تمر هندي، قطين، سوس، خروب، قمر الدين، فريكة، حمص، جوز، لوز، جوز الهند، وكافة أنواع الخضراوات والفواكه واللحوم، ويكفي رائحة البهارات والتوابل التي شدتني للتمعن بأصنافها العديدة، إضافة إلى رائحة العطور والمسك، وزينة رمضان الجميلة.

وأنا أسير هناك شاهدت في طريقي المسجد العمري الكبير، والذي يعتبر أقدم وأعرق مسجد في مدينة غزة، حيث كان وقت أذان العصر، عندما قال المؤذن صلوا في بيوتكم، صلوا في بيوتكم، عند إقامة الصلاة كان المسجد خالياً من المصلين في مشهد يعتصر القلوب ألماً وحزناً في هذا الشهر، وهو شهر العبادة، وقفت دقيقة صمت أمامه، وبالكاد استطعت احتباس دموعي وانصرفت من المكان، كوني لم أستطع حبس الدمعة في عيني أكثر من هذا، خاصة بعد أن لمحني عجوز جاء بجانبي وهو يستند على عكازه، وقال لي: "الله يفرجها يا بنتي، الجامع مسكر من شهرين، أنا كنت مقيم فيه ليل نهار أصلي وأتضرع لله، وبعدين سكروه خالص، وفجأة وجدته أجهش بالبكاء أكثر مني!". ففيروس كورونا قضى على كل شيء جميل من طقوس رمضانية، فقد قلّت به العزائم والزيارات الأسرية، والشيء المحزن أننا افتقدنا فيه الصلاة في المساجد، والذهاب إلى صلاة التراويح وصلاة الجماعة يوم الجمعة، فلم نعهد رمضان من قبل دون تراويح، وهكذا الحال في المسجد الأقصى المبارك، وبيت الله الحرام الذي خلا من زحام وطواف المصلين، ولأول عام يُحرم المعتمرون من أداء مناسك العمرة آخر هذا الشهر الفضيل، اللهم أزل عنا غُمة هذا الوباء، وأعدنا إلى بيتك سالمين مأجورين وأنت راض عنا يا الله.

وفي آخر جولتي في هذا السوق بحثت عن بائع القطائف الذي يشتهر هناك بجودة عجينته ومذاقها الطيب، وخبرته خلال السنوات، فهو يُعَد من أقدم المحلات التي تبيع القطائف في هذا السوق، وعندما وصلت إليه كان محله يعج بالمشترين، فوقفت بجانب لوح الصاج الذي يسكب عليه العجينة ألتقط بعض الصور بعد أن أخذت الإذن منه للتصوير، وكباقي المشترين اشتهيت حبة قطائف كوني صائمة، فطلبت منه أن يلف لي نصف كيلو في ظرف، فقال لي مبتسماً: "حاضر يا صحافة عحسابك كل المحل!".

أختم مقالي، كل عام وشعبنا الفلسطيني بألف خير، وقدسنا الأبية بألف خير، وغَزَّتنا الجميلة بألف خير، اللهم ارفع عنا الوباء والبلاء، واحفظنا بحفظك، وعافنا وأعفُ عنا، وتقبل منا صيامنا وقيامنا يا الله.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:[email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

هبة الوعري
كاتبة فلسطينية
كاتبة فلسطينية من غزة هاشم، مقدسية الأصل وأفتخر، درست صحافة وإعلام من جامعة الأزهر بغزة، أعمل في مجال الإعلام وكتابة المقالات الصحافية، وعندي طفلتين هما كُل حياتي.
تحميل المزيد