فريق بمواصفات سيارة BMW.. ما سر العملاق الألماني الجديد؟

عدد القراءات
5,154
عربي بوست
تم النشر: 2020/04/15 الساعة 16:21 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2020/04/15 الساعة 16:22 بتوقيت غرينتش
فريق بمواصفات سيارة BMW.. ما سر العملاق الألماني الجديد؟

الحياة عادلة إلى أقصى الحدود شريطة عدم اليأس، وقاعدتها الأسمى أن من يسعى سينتصر ولو بعد حين.

هذه المقدمة الحكيمة تقع موقع استهلال لرحلة قصيرة المدى في باطن جوليان، الفتى الذي هوى كرة القدم، وقبل أن يستفيق من سكرة الحب أنهت إصابة الركبة اللئيمة الحلم حتى قبل أن يبدأ. ولأن للكرة أوجهاً كثيرة أدرك جوليان أن ركل الكرة الذي أغلق فصلاً حزيناً، سيحمل له السعادة في فصول أخرى، كالوقوف جانب الملعب، كما لو أنك فرد في المنظومة الأساسية للعبة أو ربما الفرد الأهم.

حسناً حسناً، نحن هنا لا ندون قطعةً من الفلسفة، بل نضع الأساسات لنتدحرج نحو التفاصيل، نحو عقل جوليان والأفكار الموسومة له كقائد سفينة الكفاءة وربان الذكاء التكتيكي.

هل أنت متأهب لأول خطوة في الرحلة؟ هل أنت مستعد لمشاهدة الأسئلة ثم الإجابات؟

الخليط والتنوع

يجمع فريق لايبزيغ كمنظومة بين التنوع والمرونة، بإمكان الشكل التقني أن ينطلق عبر ثلاثي خلفي، ثم رباعي في الوسط، وثلاثي في الأمام. وقد يبدأ عبر خماسي في الوسط وثنائي في الأمام مع ثبات في الخلف. غالباً ما يكون النظام ثابتاً مع تغيير في التمركز والتكتيكات والخصائص لتلائم كل خصم، سواء أكان هجومياً أم دفاعياً أو فريقاً له ثغرة في العمق أو الطرف.

من هذه النقطة بالذات -أي الخصائص- يفتتح ناغلسمان جلسة التحليل في الفيديو بالغرفة التي تجمع أعضاء الفريق، خاصةً في المباريات المعقدة تكتيكياً. ستشهد هذه الجلسات المغلقة محاولة الفريق التلون كالحرباء حسب الخصم، حتى الإيقاع ومناطق التمرير وأماكن الهجوم تتغير بناءً على نقاط ضعف كل منظومة يقابلونها.

يمكن أن نصف فريق لايبزيغ تحت إمرة ناغلسمان بأنه خليط بين فرق مورينيو وبيب غوارديولا، لأن منظومتهم تتكيف مع المساحات الشاسعة والضيقة، عبر التحولات السريعة في الحالتين المهمتين لكل لقاء. في الجانبين البناء من الثلث الأول أو الوصول للثاني يؤديه الفريق بدقة ومهارة عاليتين، لذلك هم حرفيون في تسيير كل دقيقة بإيقاعها الخاص، كإيقاعات الكرة الطائرة مثلاً.

من هم هؤلاء بالتحديد؟

في إحدى الإحصائيات هناك علاقة بين لايبزيغ وبين الإيقاع السريع، فحسب إحصائيات معدلات الاستحواذ فهم يبلغون معدل 54% كل لقاء، أي 60 دقيقةً من عمر كل لقاء تقريباً. خلال هذه المدة إجمالي التمرير يفوق 550 تمريرة، أي تمريرة كل 6 ثوان، أي أن كل لاعب لا يحتفظ بالكرة لمدة طويلة.

وإذا استثنينا التوقف أثناء ضربات الأخطاء، وأثناء الركنيات ورميات التماس، واحتفاظ قلوب الدفاع بالكرة أثناء الصعود بها من الخلف، فإن الفارق بين كل تمريرة وتمريرة في الثلث الثاني قد يصل إلى أقل من ثانيتين، وفي الثلث الثالث إلى أجزاء من المئة فقط، هذه الأرقام البسيطة توحي بأن فريق لايبزيغ فريق منظومة وليس فريق فرد بعينه.

الشيء المختلف عن الفرق التي تلعب بتوازن هي أرقام فريق لايبزيغ المرتفعة في خلق الفرص، التي تبلغ الــ12.1 فرصة سانحة للتسجيل، 10 منها نظامها التمرير القصير، أي أن الفريق يعتمد التبادلات السريعة والأساليب الهجومية التي تبنى على الثلاثيات والثنائيات. والدليل أن 0.5 من معدل الأهداف الذي يصل 2.3 هدف كل لقاء هو عدد الأهداف المسجلة من خارج منطقة الجزاء، والباقي إما من داخل منطقة الـ6 ياردات أو من داخل منطقة الجزاء.

الإنسيابية والديناميكية.. فريق يلعب وكأنه سيارة BMW

في أي من مراحل البناء هنالك تحركات مهمة في قاعدة لايبزيغ الحيوية في جميع الخطوط. في بادئ الأمر هناك ثلاثة خطوط للبناء، الـDouble Pivot في الثلث الثاني يمثلان وسيلة لا غاية، يمتلكان أهمية كبرى في هذه المرحلة من عمر الهجمة. في لايبزيغ هناك حالات ووضعيات مختلفة للبناء، إما الصعود عبر الأظهرة، وبه يتحرك محورا الارتكاز إلى تلك الجهة المنشودة عرضياً.

الحالة الأخرى أن يمرر الدفاع نحو أحد محوري الارتكاز، فينزل بعدها قلب الهجوم ليكون خيار التمرير القصير، ويجذب معه دفاع الخصم فيفتح مساحة يهاجمها الجناحان خلف دفاع الخصم بالكرة الطولية، أو أن يتحرك أحد محوري الارتكاز عمودياً، ليتشكل بذلك حلان بين الخطوط، أمام الظهير أو قلب الدفاع.

الحالة المكررة أيضاً هي نزول الجناحين إلى العمق عوض المهاجم، وهنا ستفرغ المساحة لأحد الظهيرين للصعود والتحرر، وإن لم يتحرر فسيمثل طعماً، في هذه المحطة بالتحديد الــZone 14 مستهدفة لفتح الثغرة منها. فمرحلة البناء في لايبزيغ متشبعة بثقافة اللعب الموضعي، التحرك ثم التمركز، التحرك ثم التمركز، والأهم هو التناسق في التحرك والتوقف، والتأهب لأي حالة كيفما كانت.

المرحلة التي قليلاً ما تجذب المحللين هي الأسلوب الذي يجذب به لايبزيغ الفرق التي تلعب بالـMidBlock أو الـBlock المتأخر، هناك انتشار وتحركات مدروسة، ووضعيات أجساد مختلفة متناسبة مع كل وضع، فلنشاهد كيف يقف لاعب خط الوسط على اليمين، والآخر على اليسار، والجناح على اليسار، وقلب الهجوم، ولاعب بين الخطوط.

من المهم أن نذكر أن لايبزيغ غالباً -في الهجوم- ما يلعب بجناح يمين يؤدي على الخط وفي العمق، وجناح يسار أكثر دخولاً إلى العمق، عموماً فالاثنان مفيدان للوضعية الهجومية. ففي الأوقات التي يصبح فيها الفريق أقرب إلى المرمى يصبح الظهير متقدماً أكثر، في عملية تسمى تكتيكياً بالــOverlap والجناح أقرب دخولاً إلى العمق.

عند الوصول للثلث الثالث وبعد وصول الظهير للمساندة في العمليات الهجومية يصبح الجناح في العمق قليلاً، ويتقدم لاعب من خط الوسط لصناعة ثلاثية هجومية، في هذه اللحظة يتحرك الجناح البعيد أيضاً إلى نفس الجهة مع نفس تحرك قلب الهجوم لفتح خيارين آخرين للتمرير وصناعة أسلوبين.

أولهما أن تخرج اللعبة نحو الظهير الذي سيمرر عرضياً إما للداخل أو الخارج، والثاني أن يتحول اللعب نحو الظهير البعيد الذي يستغل خلق الجناح للمساحة هناك، هذه اللعبة تمثل الأساس الأسمى لفكر منظومة لايبزيغ، أن ينتهي الفريق إلى صناعة ثغرة ثم مهاجمتها.

ما المفاجئ في أسلوب لايبزيغ؟

يخلق التحرك المستمر زوايا متعددة للتمرير، كما يولد أساليب وحلولاً هجومية. تكتيكياً بناء أسلوب هجومي يندرج تحت تعريف صناعة الهدف، هذه الحالة من اللقاء تمتاز بالسرعة في التمرير، ويظهر جلياً أن لايبزيغ فريق مبادر بالكرة العمودية، هذه الوضعية متسلسلة أكثر من سابقتها، لأن الإيقاع المرتفع فيها يحتاج لعمل تكتيكي متكامل بين أضلاع الهجوم.

يسعى الفريق بالتمرير العمودي الغالب على التمرير العرضي إلى الوصول بأقصى سرعة ممكنة لمرمى الخصم، بأسلوب مباشر محض، هنا عليك أن تمتلك لاعب خط وسط دقيق التمرير، شجاعاً في اتخاذ القرار، بينما المهاجم يشبه لاعب الارتكاز في كرة اليد، يلعب بحنكة وظهره إلى المرمى، يتسلم وهو يدرك إلى أين سيتجه، وإلى أي خيار سيمرر.

الأفكار المضادة تولد الفرق

الهجوم هو أبرز سمات الدفاع، هذه الخطوة التالية بعد خسارة الكرة تمثل عاملاً نظرياً فائق الأهمية في منظومة لايبزيغ. يؤدي ذلك إلى صناعة مجموعة من الحالات التكتيكية حسب الوضعيات في الأمام. هل من في الأمام يضغطون بشكل جيد، هل هناك ثغرة في ضغطهم، ماذا لو كسر الضغط بتمريرة طولية، أو من خطأ في التمركز؟

هذه الأسئلة هي أول ما يخطر في بال المنظومة الدفاعية بعد خسارة الكرة في الهجوم، الفترة الأولى تنطلق بالضغط العكسي، إغلاق منافذ التمرير وخنق الفريق الخصم في ثلثه الأول، ومحاولة افتكاك الكرة دون خطأ، في هذه الوضعية يتقدم خط الدفاع نحو الدائرة لمراقبة مهاجمي الخصم، وحسب الوضعية يمكن لأحد لاعبي الدفاع استباق حركة المهاجم.

الوضعية الثانية، إذا خرق خط الضغط الأول سيحاول الخط الثاني ألا يضغط بشراسة، بل تغلق فقط منافذ التمرير بالمرور نحو الإيقاع الثاني، سواء في العمق أو الأطراف، أما الوضعية الثالثة ففور وصول الكرة لمهاجم الخصم السريع سيحاول قلب الدفاع تهيئة وضعية جسد ملائمة، ومحاولة إطالة مدة هجوم الفريق الخصم.

أما حالة خسارة المواجهة فالخطأ التكتيكي هو الحل في هذه اللحظة، ويدخل في ذلك عدة عوامل، منها سرعة المهاجم ووضعيته باتجاه المرمى، وتوقيت اللقاء ونتيجته، والمساحة، وهل هناك تغطية.

الأحلام لا منطق فيها

قد يكون دخول ناغلسمان إلى عالم التدريب فرصةً لخوض مغامرة عظيمة، ربما بعد ثلاثين سنة أو أكثر، سيكون جوليان الصغير أشيب الرأس أهون الجسد، إذا كان للقصة نهاية كنهايات الأفلام ستكون أشبه بالحلم، إصابة ركبة مبكرة، ثم عودة لصناعة تكتيك خاص، مرصع بالذكاء الألماني، والخبث الموضعي للعبة: "لمسة وتمريرة".

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

زيد شقيري
كاتب رياضي يسعى إلى الركض خلف المعرفة كل يوم.
كاتب رياضي يسعى إلى الركض خلف المعرفة كل يوم.