ما لم يتعلمه نجيب ساويرس من بيل غيتس

عدد القراءات
3,400
عربي بوست
تم النشر: 2020/04/02 الساعة 12:33 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2020/04/02 الساعة 14:10 بتوقيت غرينتش

لا أنكر أنني لدي إعجاب خاص بشجاعة السيد نجيب ساويرس في طرح أفكاره، بصراحة صادمة، بشكل يخجل الكثيرون من أقرانه المشاهير ورجال الأعمال عن فعله.. لذلك لم أستغرب تصريحه الأخير المثير للجدل، عندما دعا الحكومة المصرية لإعادة الناس إلى أعمالهم خلال أسبوع، كي لا تنهار "عجلة الإنتاج"، مبرراً هذا بأن الفيروس لا يقتل إلا 1% من المصابين، وأن الذي سيُصاب سيتعافى، المهم ألا ينهار الاقتصاد.

ومع أن السيد نجيب استخدم التقدير الأفضل (1%) لنسب الوفاة المحتملة للمُصابين بفيروس كورونا، وهو الشيء غير المؤكد في ظل خضوع الأمر برُمته للمزيد من الأبحاث حتى الآن، إلا أنه نسي أن يوضِّح لنا كيف سينهض الاقتصاد في حال تنفيذ الحكومة دعوته، وتزايد انتشار الفيروس بالتبعية بين سكان مصر الذين يتجاوزون 100 مليون، ولاكتساب "مناعة القطيع" المطلوبة لتحقيق نظريته بخصوص "أن من يَمرض سيتعافى"، يتطلب الأمر إصابة 70% من السكان، أي 70 مليوناً، يموت منهم 1% حسب تقدير السيد نجيب، أي 700 ألف إنسان تقريباً، ومن المُتوقَع بعدها أن تنهار المنظومة الصحية تماماً، ويتقلص الاستهلاك إلى حدوده الدُّنيا، ويشيع الذعر في المجتمع، وتفقد الحكومة قُدرتها على إدارة الأزمة بعد أن تتراكم الجثث، آه الجثث! يبدو أن الملياردير المصري لا يهتم في قرارة نفسه بأمر موت بضع آلاف من البشر، من أجل دوران عجلة الاقتصاد بطاقتها المعتادة، لتستمر الأرباح بوتيرتها المعتادة، ولو على حساب حياة الناس الذين صنع من خلالهم ثروته وشُهرته، في أنانية حتى من الناحية العملية الخالية من الحس الإنساني، لكن يبدو أن شهوة الربح تُعمي الإنسان عن كل شيء آخر.. يبدو أن الأمر لا علاقة بكم المال الذي يمتلكه الإنسان، شخصياً أعرف صاحب أحد المقاهي أخبر عُماله أنه ملتزم بدفع "نصف" يومياتهم، رغم الإغلاق الكامل للمقاهي حالياً، لأنه يعلم أنهم "صحاب بيوت"؛ لا أظن أن صاحبنا يمتلك 0.01% من ثروة السيد نجيب، لكنها الرحمة تُنزع من بعض القلوب.

الملياردير المصري ليس الوحيد من رجال الأعمال المصريين الذين طرحوا فكرة وجوب عودة الناس للعمل بأي شكل، بغض النظر عن خطورة هذا على حياة آلاف وربما ملايين من المصريين، فالسيد الدكتور علاء عرفة، رجل الأعمال المعروف، صرح أيضاً بوجوب عودة الناس إلى العمل في أقرب وقت، وأن يتم تطبيق الحظر على كبار السن وأصحاب الأمراض المُزمنة فقط، متجاهلاً التهوُّر الكامن في فكرة مثل هذه، ومصمماً على أن الوضع الاقتصادي لا يسمح إلا بعودة الناس لأعمالهم.

الأمر ليس صُدفة إذاً، أو يتعلق بشخص محدد بعينه من طبقة رجال الأعمال، ومشاهير وأثرياء المجتمع المصري، بل حالة من اللامبالاة تسود بين طبقة الأغنياء في مصر، تجاه الأزمة التي تعصف بالعالم كله، لامبالاة لم ينج منها نجوم كرة القدم أيضاً.

ففي الوقت الذي صرَّح فيه يورغن كلوب، المدير الفني لفريق ليفربول الإنجليزي، الذي كان على وشك التتويج ببطولة الدوري الإنجليزي بعد غياب دام لسنوات، قبل أن يتم تأجيل الدوري بسبب تفشي جائحة الكورونا، قائلاً إن كرة القدم لم تعد أولوية الآن، والمهم هو الحفاظ على سلامة البشر حول العالم.. ليس مُستغرباً أن يخرج هذا التصريح، بالرغم من احتمالية حرمان المدرب العالمي وناديه من تحقيق إنجاز طال انتظاره من قِبل ملايين من مشجعي ليفربول في إنجلترا والعالم، لكن مَن يهتم بكرة القدم وشؤونها الآن، في ظل مِحنة كهذه؟

في نفس الوقت، أعلن نجم نادي برشلونة، الأرجنتيني ليونيل ميسي، قراراً وافق عليه لاعبو الفريق الإسباني بالإجماع، بتخفيض رواتبهم بقيمة 70%؛ حفاظاً على حقوق ومرتبات جميع العاملين في النادي في ظل ارتفاع وتيرة أزمة كورونا في إسبانيا، وهو القرار الذي نال احتراماً وإشادة كبيرة من الجميع.

الأمر إذاً له علاقة بوجود رابط بين نجوم المجتمع وأفراده في مثل هذه الأزمات الكُبرى، حيث الانشغال بالمصلحة الفردية يُعد تصرفاً يستحق الوصف بالغباء وليس الأنانية فقط.

هذا الوعي الغائب لدى معظم أعضاء طبقة مشاهير وأثرياء مصر، يبدو حضوره وإدراكه هو الدافع الأكبر لرجل الأعمال والملياردير الأمريكي بيل غيتس، والذي أعلن تبرعه بـ100 مليون دولار لمواجهة جائحة كورونا، ودعا مؤخراً الحكومة الأمريكية لتطبيق حظر كامل لمدة 6 أسابيع في جميع الولايات، لحصار الوباء الذي يحصد يومياً مئات الأرواح في أمريكا، حيث تُعد حالياً هي الدولة الأولى في عدد المُصابين به في العالم.. تطبيق اقتراح السيد بيل بالحظر الدائم لـ6 أسابيع، ألن يؤثر على حركة ملياراته؟ بالطبع سيؤثر، لكنه يمتلك من الوعي ما يجعله يُدرك أن الخسارة المُحتملة على المدى المتوسط والبعيد، في حال عدم السيطرة على الوباء، ستكون مئات الأضعاف على الاقتصاد وكافة مناحي الحياة، بما ينذر بكارثة أسوأ من الحرب العالمية الثانية في تأثيرها المُدمِر، وهذه المرة ستطول العقبات البشر جميعهم.

بيل ليس الوحيد من أثرياء العالم الذي أخذ موقفاً واعياً تجاه أزمة كورونا؛ في إيطاليا مثلاً استطاع رجال الأعمال والأثرياء بها جمع ما يقارب 44 مليون دولار لمواجهة الوباء الذي يعصف ببلادهم، وكان أبرزهم المصمم الإيطالي العالمي جورجيو أرماني الذي تبرع بـ 1.4 مليون دولار، وقال في تصريح تداوله الكثيرون عن الأزمة في بلاده: "لن أدع إيطاليا تسقط على ركبتيها وإن أنفقت كل ثروتي".

وفى الصين، قدم جاك ما، صاحب شركة "علي بابا"، أهم موقع صيني للتجارة الإلكترونية، نحو 500 ألف من مُعَدّات فحص فيروس كورونا، ومليون كمامة للولايات المتحدة، بالإضافة إلى 5.8 مليون دولار لمعامل الأبحاث، وحث على التعاون الدولي للتصدى للمرض.

وتبرع أغنى رجل أعمال فى هونغ كونغ، لى كاشينغ، بـ13 مليون دولار للعاملين في القطاع الطبي في مدينة ووهان، التي كانت مركز تفشِّي الوباء.

فيما قالت شركة "أمازون" إن تفشي فيروس كورونا تسبب في زيادة كبيرة في عمليات التسوق عبر الإنترنت، ما أثر على إمكانية الشركة العملاقة لمواكبة الطلب، ودفعها إلى إضافة 100 ألف وظيفة جديدة بدوام كامل وجزئي في الولايات المتحدة الأمريكية، ورفع الرواتب، وتقديم تسهيلات في الإجازات والحضور، وأطلقت الشركة صندوق إغاثة بقيمة 25 مليون دولار، سيسمح للموظفين بالتقدم للحصول على منح تساوي أسبوعين من الأجر إذا تم تشخيص حالتهم بفيروس كورونا.

فهل من الممكن أن نرى في الأيام المُقبلة جهوداً حقيقية ملموسة، من أثرياء ومشاهير مصر، لدعم المتضررين من أزمة كورونا من أهل "العمالة باليومية" التي يُعد أهلها هم أكبر المتضررين من الناحية الاقتصادية في اللحظة الحالية؟ هل من الممكن أن نشاهد دعماً معنوياً منهم، من خلال زيارات ميدانية لهم مثلاً لدعم الطواقم الطبية التي تواجه الموت وجهاً لوجه في المستشفيات المصرية في حربهم اليومية ضد الوباء؟

فجهود المشاهير والأثرياء ليست ترفاً في وقت الأزمات، فحضورها يُشعِر أبناء المجتمع بخطورة الأزمة التي يواجهونها، وبحتمية التعاون والتماسك المجتمعي، والتمسك بسلوكيات التكافل الاجتماعي، وهو الطريق المضمون لنجاة كل مجتمع في أوقات الأزمات العصيبة.. من المهم أن يشعر الناس العاديون أنهم ليسوا بمفردهم في مواجهة الخطر، وأنهم لن يدفعوا الثمن وحدهم.

لدى مصر نماذج مضيئة من جهود مشاهيرها في أوقات الأزمات، ففي عام 1960، قام الفنان علي عبدالعال بالتبرُّع بكل ما يملك في البنك لصالح تمويل بناء السد العالي، والذي كان يُعد حينها حلم المصريين في توفير الطاقة الكهربائية وتنظيم فيضان مياه النيل، واكتفى الممثل الراحل بدخله من عمله في محل بيع الأسماء الذي ورثه عن والده.

رحل بعدها بعام، وودّعته مصر في جنازة مهيبة حضرها المشير عبدالحكيم عامر، تقديراً لجهود رجل بذل كل ما يملك من أجل دعم بلاده وأهلها.

 واليوم، ماذا يمكن أن يقدم المشاهير والأثرياء المصريين لدعم جهود مكافحة الوباء في بلدهم؟

التحدي الأهم الذي يواجه دول العالم حالياً هو عدد أجهزة التنفس الصناعي المتوفرة بكل دولة، وهي الوسيلة الأهم لعلاج مصابي الكورونا في المراحل المتأخرة، ومؤخراً أعلنت شركة "ميدترونيك" الأمريكية تخليها طوعاً عن حقوق ملكيتها لأحد أجهزة التنفس الصناعي التي تنتجها الشركة الرائدة في مجال تصنيع الأجهزة الطبية، داعية جميع دول العالم للاستفادة من المخطط والتصميم الكامل للجهاز الذي أتاحته الشركة مجاناً للجميع؛ إدراكاً للأزمة التي تواجهها البشرية دون تمييز، فهل من الممكن أن نشهد مبادرة يقودها أثرياء المجتمع المصري، لتصنيع ما تحتاجه المستشفيات في مصر، لمجابهة النقص في عدد أجهزة التنفس الصناعي؟

ألا يمكنهم القيام بحملة لشراء الآلاف من نماذج اختبار فيروس كورونا قليلة التواجد في المستشفيات المصرية، لتوسيع نطاق الكشف عن المصابين بالفيروس أولاً بأول، تجنباً لانتشار واسع قد يكون سببه قلة عمليات اختبار الفيروس، في ظل فقر الإمكانيات بالمستشفيات المصرية؟

نظن أن هناك الكثير مما يمكن فعله، فقط لو تخلى البعض عن أنانيتهم العمياء، في وقت يتكاتف فيه الجميع، لأن نجاتنا جميعاً مرتبطة بنجاة كل فرد فينا، قبل أن يُحكي في كتب التاريخ مستقبلاً، عن قوم أهلكتهم أنانية مشاهيرهم وأثريائهم.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:[email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

أحمد مدحت
كاتب ومدوّن مصري
أحمد مدحت خريج كلية التجارة جامعة الإسكندرية، عمل كاتباً حراً في عدة صحف ومنصّات عربية مختلفة.. مُهتم بالكتابة في المجالات الأدبية المختلفة، خاصة مساحات العلاقات الإنسانية على تنوعها.
تحميل المزيد