اليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية

عدد القراءات
2,517
عربي بوست
تم النشر: 2020/02/25 الساعة 15:05 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2020/02/25 الساعة 15:05 بتوقيت غرينتش
الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك

مات مبارك أول رئيس مصري مخلوع ثار شعبه ضده في ثورة يناير وأجبروه على الجلوس ذليلاً داخل قفص الاتهام وواجهوه بتهم القتل والفساد والسرقة.

فاليوم يرحل بدنك ليكون لمَن خلفك آية وعبرة أن الحكم والسلطة والجيش والشرطة والقمع وإن داموا لك 30 سنة فمصيرهم إلى زوال، وأن الدولة العميقة والقضاء والنيابة لو تلاعبوا وزوروا وحذفوا أدلة إدانتك على مدار 9 سنوات فمصيرك إلى قبر ضيق مظلم يصاحبك فيه عملك ودعوات المظلومين وشكواهم إلى من تجتمع عنده الخصوم.

ما أشبه اليوم بالبارحة لو أن الطغاة يتفقهون، في فبراير من عام الثورة المصرية خرج علينا فوزي بشرى في قناة الجزيرة بصوته المميز قائلاً لمبارك: "فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية"، ولكن مبارك أبى وأبى مَن خلفه أن يعتبروا أو يتفكروا في ما آلت إليه أحواله فبرّؤوه من كافة التهم اللهم إلا قضية القصور الرئاسية، ونقلوه من سجن لمستشفى عسكري لمحل إقامة فاخر وعاملوه كرئيس سابق وليس كمجرم أفسد البلاد والعباد ثم أطلقوا كثيراً من لجانهم الإلكترونية تترحم عليه فور إعلان خبر وفاته على طريقة "اذكروا محاسن موتاكم" في وقت انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي شهادات فردية لأشخاص يحكي كل منهم عن مظلمته لدى مبارك واجتمعوا أن اليوم هو يوم الشهادة على مبارك أمام الديان الذي لا يظلم عنده أحد.

"لن أقطع على نفسي وعداً لا أستطيع تنفيذه، ولن أخفي على الشعب حقيقة، ولن أتهاون مع الفساد الفوضوي"، كانت هذه هي كلماته الأولى عقب توليه رئاسة الجمهورية بعد اغتيال الرئيس المصري الراحل أنور السادات عام 1981، ثم كانت هذه كلماته الأخيرة في آخر خطاب له قبل التنحي في فبراير 2011: "سيحكم التاريخ بما لنا وما علينا"، وما بين الخطابين تحكي الأرقام والأوضاع التي عاشها المصريون طيلة ثلاثة عقود ما يكفي لنعلم هل يشهد التاريخ له أم عليه، حسني مبارك الذي قال يوماً لأحد الفلاحين: "أنت بتركب عبارة من اللي بيغرقوا؟"، في سخرية من أحد أبشع الكوارث الإنسانية التي عاشها المصريون في عهده، يوم غرق 1400 مصري في حادثة عبارة السلام وتجمّدوا من برد شتاء يناير القارس في الوقت الذي كان فيه حسني مبارك رفقة قرينته سوزان داخل استاد القاهرة يحتفلون بفوز مصر بكأس الأمم الإفريقية 2006.

لم يتوقف العمل بقانون الطوارئ طيلة فترة حكمه وعادت مصر مرة أخرى لأجواء دولة الخوف البوليسية التي أنشاها جمال عبدالناصر، وأطلق العنان للشرطة في تعذيب المعارضين وعرضهم أمام نيابة أمن الدولة العليا، ووفقاً لما صدر عن منظمات حقوقية مصرية ودولية فقد تراوحت أعداد المعتقلين في عهده إلى مئات الآلاف ومات أكثر من 200 مصري نتيجة التعذيب داخل الزنازين ومقار الاحتجاز، أصبح أمين الشرطة في عهد مبارك وحشاً يتغذى على آهات وآلام المعتقلين، وتحول الأمر رويداً رويداً إلى مرض السادية الذي انتشر داخل جهاز الشرطة، فشاهدنا فيديوهات تعذيب عماد الكبير وآخرين بطرق وحشية وغير آدمية، وبلغ الأمر ذروته بقتل خالد سعيد وسيد بلال بوحشية كبيرة.

أصدر مبارك قانون الأعمال 203 لسنة 1991، الذي أفضى لبيع شركات القطاع العام، بثمن بخس لحفنة من المستثمرين، وما صاحبه من تشريد عشرات الآلاف من العمال، والفصل التعسفي لآلاف آخرين، وتدمير الصناعات المصرية، وتكبيد الدولة خسارة ملايين الجنيهات لتوقف هذه الصناعات وغلق الشركات، أضف إلى ذلك ما فعلته سياسات مبارك ووزرائه وعلى رأسهم يوسف والي في زراعة القطن بمصر، حيث بدأ بتنفيذ سياسات زراعية لتحرير زراعة وتجارة القطن بداية من عام 1994، وهو ما خفض المساحة المزروعة قطناً من مليوني فدان إلى 280 ألف فدان، وهي أقل مساحة للقطن زرعتها مصر على مدار 200 عام، كما انخفضت إنتاجية الفدان إلى 6 قناطير فقط، وهو ما أدى إلى تدمير صناعة الغزل والنسيج التي تشغّل وحدها 25% من العمالة في مصر.

في عام 2005 وقع مبارك ونظامه على أكبر كارثة اقتصادية في التاريخ المصري، وهي ما ندفع ثمنها حتى الآن بتوقيعه على اتفاقية تصدير الغاز الطبيعي المصري إلى إسرائيل، والتي قضت بتصدير 1,7 مليار متر مكعب لمدة 20 سنة بسعر من: 70 سنتاً إلى 1,5 دولار للمليون وحدة حرارية، على الرغم من أن تكلفة الإنتاج تصل إلى 2,65 دولار، ما أدى إلى خسارة خزينة الدولة المصرية 231 مليون دولار، وصلنا بعد سنوات من هذه الاتفاقية إلى استيراد الغاز من إسرائيل بموجب اتفاقية أخرى ستمتد إلى عام2035، والشيء بالشيء يذكر فقد أقام مبارك دولة رجال الأعمال بامتياز وحصّنها ببرلمان مزور كان يفصل القوانين على مقاس الصفقات التجارية التي يريد رجال أعمال مبارك إبرامها.

في عهد مبارك احتلت مصر الصدارة في نسب الإصابة بالأمراض والأوبئة، وبلغت الأولى في العالم في نسبة التلوث، ومع إفساد الزراعة والمواد المسرطنة التي توطنت في أطعمة المصريين، بلغ عدد المصابين بالسرطان والفشل الكلوي وفيرس سي ملايين المصريين، في الوقت الذي كان هو يسافر ألمانيا وفرنسا للعلاج على نفقة المصريين إذا ما ارتفع ضغطه فجاة، كان مئات الآلاف من المصريين ينامون على أرصفة المستشفيات العامة والحكومية لا يجدون دواء أو رعاية صحية، وتراجع مركز مصر في مؤشر الفساد من المركز 77 في عام 2004 إلى المركز 105 في عام 2007، ثم احتلت المركز 115 في عام 2008، على مستوى 180 دولة بحسب تقرير منظمة الشفافية الدولية، وتم تهريب أكثر من 300 مليار دولار من أموال المصريين في عهده إلى خارج البلاد ولا زال البحث عنها جارياً.

وعاش أكثر من 41% تحت خط الفقر، و45% من الشعب لاذوا بالعشوائيات لتكن مأوى لهم، وتزاحمت القاهرة بـ 35 منطقة عشوائية، وارتفعت معدلات البطالة إلى 29%، وأصبح 5 ملايين شاب بلا عمل، وبات الطريق أمامهم مقسوماً ما بين الانتحار، حتى وصل لـ 3 آلاف محاولة سنوياً.

هذا غيض من فيض في كشف حساب المخلوع الراحل حسني مبارك، الذي طالب التاريخ بالشهادة له فشهد عليه، وما أظن أبداً أن دماء ألف من المصريين الذين ثاروا ضده من أجل ذلك يمكن أن تشهد بغير ما شهدنا به.

اليوم يرحل فرعون من الفراعين ظن أن مانعته حصونه وشرطته وجيشه، فأتاه شعبه من حيث لا يدري ولا يعتبر، والعاقبة لمن تربى على يده ووصل إلى حكم مصر الآن ولا يريد التعلم من درس مبارك.

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

أسامة جاويش
مذيع بقناة الحوار
مذيع بقناة الحوار