هل تنجح قمة إسلامية بدون مصر؟

عربي بوست
تم النشر: 2019/12/09 الساعة 12:21 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2019/12/09 الساعة 17:37 بتوقيت غرينتش
رؤساء الدول الخمس المشاركة في القمة الإسلامية بماليزيا

سألتني سيدة لا أعرفها هل تنجح قمة إسلامية بدون مصر ؟

كان صوتها جاداً يوحي بأنها متحمسة لتلك القمة، لكن نبرات صوتها الجادة لم تخفِ خوفها من أن تلقي هذه القمة مصير الـ١٤ قمة إسلامية السابقة، فمنذ يوم ٢٥ مايو/أيار ١٩٦٩ ورداً على حرق المسجد الأقصى عقد في الدار البيضاء أول قمة إسلامية في التاريخ، وتوالت بعدها -وعبر نصف قرن- ١٤ قمة إسلامية، كان آخرها القمة الإسلامية التي عُقدت في مكة المكرمة مايو ٢٠١٩، طافت الوفود ودار الزعماء من بلد لبلد ومن عاصمة إلى أخرى، ودارت معهم ماكينات الطباعة لتطبع الآلاف من الأوراق والبيانات والنتائج والإدانات، ولم يتغير شيء، كانت قمة ٦٩ صرخة تعلن للعالم كله أن المسلمين يقفون صفاً واحداً ضد الاعتداء على أولى القبلتين وأن ما حدث لن يمر مرور الكرام، وبعد حوالي نصف قرن عقدت القمة الإسلامية الرابعة عشرة في مكة المكرمة بعد أن أعلنت إسرائيل القدس نفسها القدس عاصمة لإسرائيل.

من نصف قرن كنا نبكي على حريق ستة أفدنة هي حرم المسجد الأقصى، وبعد نصف قرن صرنا نبكي على القدس كلها، فهل كانت القمم الأربعة عشر حرثاً في الماء؟ عناوين القمم الماضية كانت نارية وحماسية، كانت القمم مجرد أغانٍ وطنية تعلن الكفاح المسلح والزحف المقدس من داخل أستوديو إذاعي عبر حناجر المطربين وأصابع العازفين الذين يتقاضون أجورهم بعد تسجيل تلك الأغاني. فهل تنجح القمة القادمة؟ وما الجديد إذاً؟ ما الذي تضيفه قمة إسلامية في أجواء التطبيع المزدهر مع الكيان الصهيوني من بلاد رفعت راية الإسلام لمدة قرن كامل؟ ولماذا لا تحضر مصر مثل هذه القمة؟ وهل عدم حضورها شهادة فشل لقمة إسلامية لم تبدأ بعد؟

في هذه القمة هناك تحديات لابد أن تقف عندها حتى لا تتحول إلى مجرد رقم إحصائي. يجب أولاً أن نقف على نقاط القوة في هذه القمة.

أولى نقاط القوة هي أنها جاءت بدعوة من مجموعة من الزعماء أتوا إلى كراسي السلطة في بلادهم بشكل شرعي، لم يرثوا المناصب ولم يأتوا إليها على ظهور الدبابات، وبالتالي ليس عليهم فواتير لأية قوة خارجية.. مهاتير محمد رئيس وزراء، ماليزيا رجب طيب أردوغان رئيس تركيا، عمران خان رئيس وزراء باكستان.

هذه أسماء لها سُمعة طيبة في العالم الإسلامي عبر تاريخ طويل من أعمارهم السياسة ووقوفهم أمام المشكلات التي يواجهها العالم الإسلامي، وكلهم جاء بانتخابات شرعية حرة، لكن هذه النقطة تحديداً رغم أنها نقطة قوة إلا أنها تحمل في طياتها عوامل الخطورة، ذلك أن مشروعهم مبني بشكل أساسي على أسمائهم، فالخوف من غياب المشروع كله حال غيابهم أو غياب أحدهم كما حدث مع تجمع دول عدم الانحياز الذي مات تقريباً بوفاة عبدالناصر وتيتو ونهرو. ولعل القمة القادمة في ماليزيا تكون بداية لمعالجة هذا الخطر، خاصة أن الزعيم الماليزي مهاتير محمد يردد دائماً أنه يؤمن بالبدايات الصغيرة على حد قوله، فلعل هذه القمة تكون بداية صغيرة لمشروع أكبر يعالج سلبيات القمم الإسلامية الـ١٤ الماضية.

نقطة القوة الثانية هي القوة البشرية والاقتصادية التي تمتلكها الدول المؤسسة للمشروع باكستان ماليزيا قطر تركيا وإيران وإندونيسيا وهي الدول التي تبنت فكرة القمة الإسلامية، هي دول تمتلك قوة اقتصادية جبارة وكذلك قوة بشرية مهمة تعادل قوة الاتحاد الأوروبي، الناتج المحلي لباكستان مثلاً ٣٠٥ مليارات دولار، عدد سكانها جاوز المليار طبقاً لإحصاء ٢٠١٧، أما عن تركيا فعدد سكانها جاوز ٨٠ مليوناً وترتيب قوتها العسكرية في المرتبة التاسعة وميزانيتها العسكرية ٨ مليارات دولار، أما عن قطر فهي أكبر منتج ومصدر للغاز المسال في العالم ومن المتوقع أن تحقق إيرادات نفطية تقدر ٦٤ مليار دولار.

نقطة القوة الثالثة هي أن القمة القادمة خرجت تماماً من عباءة منظمة العمل الإسلامي التي امتلأت بموظفين رسميين حولوا تلك القمم إلى فرصة للسفر والمكافآت. بعد ١٤ قمة يجب أن نتفق على أن منظمة العمل الإسلامي أصبحت كياناً مريضاً متخماً بالمشاكل السياسية متأثراً بسياسات إسلامية بعضها فاشل وبعضها غير متطور على حد تعبير مهاتير محمد، ولذلك كان آخر اهتمام القائمين عليها هو علاج مشاكل الأمة، وكان طبيعياً أن تفشل تلك القمم في عمل سوق إسلامي مشترك أو تكوين مظلة تجمع الأمة الإسلامية سياسياً واقتصادياً أو حتى عسكرياً وكان من نتيجة ذلك أن ضاعت القدس وتآكلت الآمة كلها. كما أن القمة الأخيرة في مكة انحاز بيانها للحكام ضد الشعوب، ساند البيان حكومة سعد الحريري في لبنان، كما ساند البيان حكومة عادل عبدالمهدي في العراق، وكلا الحكومتين أطاحت بهما مظاهرات شعبية بعد أشهر قليلة من بيان القمة.. وهذان المثالان يعطيانك إشارة واضحة على أن منظمة التعاون الإسلامي أصبحت حدائق خلفية لأنظمة عربية متسلطة تتمسح بالإسلام ومشاكل المسلمين.


يتبقى الآن سؤال مهم: لماذا تغيب مصر عن تلك القمة؟ وهل غيابها يؤثر في نجاح أو فشل هذه القمة؟ المعلومات تقول إن الدول الخمس صاحبة الفكرة أرسلت دعوات لكل الدول الإسلامية للمشاركة، لكن مصر رفضت قبول الدعوة بينما السعودية والإمارات والكويت فضلت أن يكون تمثيلها في المشاركة على مستوى ضعيف، وهذه نقطة كاشفة، نحن أمام دول تسعى بجدية للتطبيع مع الكيان الصهيوني، وهي دول لا تملك من أمرها شيئاً، ونسبة سيادتها على أرضها وقرارها ضعيف، وعنوان القمة التنمية ودورها في تحقيق السيادة الوطنية.

** عنوان القمة وصف لحال بعض الدول الإسلامية الآن

وهو ما لخصه مهاتير محمد بقوله: غالبية الدول الإسلامية ليست دولاً متطورة، وبعضها أصبح دولاً فاشلة.

ويبدو أن الدول غير المتطورة اختارت المشاركة بتمثيل ضعيف، أما سؤال: هل رفض مصر الدعوة للمشاركة في هذه القمة يؤثر في فشلها أو نجاحها؟ فعلينا أن نعكس السؤال: هل مشاركة مصر يمكن أن تسهم في نجاح القمة؟

مصر بعد انقلاب الثالث من يوليو/تموز أصبحت دولة وظيفية تؤدي دوراً مطلوباً منها سواء إقليمياً أو دولياً، فرعون مصر الآن عليه فواتير لمن وضعوه على الكرسي يجب أن يدفع تلك الفواتير، والشخص المثقل بالديون ليس صاحب قرار ولا سيادة وحتى الآن لم نرَ من نظام السيسي لا تنمية ولا سيادة ولا وطنية، فما الدور المنتظر من نظام لا يملك شرعية ولا سيادة؟ فحسناً فعل السيسي برفضه المشاركة في القمة.

ختاماً ليس أسهل من اليأس سبيل، ولكن حركة التاريخ علمتنا أن الأحلام الكبيرة التي غيرت الدنيا بدأت بأفكار صغيرة في عقول معدودة واجهتها تحديات رهيبة ولكنها غيرت الدنيا وقلبت موازين القوى، فلعل القمة الإسلامية القادمة تكون واحدة من تلك الأحلام.

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

محمد ناصر
إعلامي مصري
تحميل المزيد