الاحترام والندّية.. لماذا على الدول العربية الاقتداء بتجربة قطر في إفريقيا؟

عربي بوست
تم النشر: 2019/12/09 الساعة 15:35 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2019/12/09 الساعة 15:35 بتوقيت غرينتش
صورة أرشيفية لأمير اقطر مع الرئيس الصومالي

إن إقامة الدول العربية علاقات جيدة مع القارة الإفريقية، التي تضم أكثر من 50 دولة، لها منافع إيجابية كثيرة ولعل من أهمها الاستفادة من ثقل دول القارة وأصواتِها في المحافل الدولية لأجل مناصرة القضايا العربية ومؤازرتها كما ينتفع بها دول أخرى، لاسيما أن الأفارقة القاطنين جنوب الصحراء معروفون بالوقوف مع الأصدقاء العرب في الظروف الصعبة فقد وقفوا مع الكويت بعد الغزو العراقي فأدانوا الاحتلال العراقي فور وقوعه، كما قام كل من النيجر والسنغال بإرسال ٥٠٠ جندي للمشاركة في حرب تحرير الكويت واستشهد منهم أكثر من 90 سنغالي. 

كذلك وقف الأفارقة مع ليبيا وكسروا الحصار المفروض عليها من قبل مجلس الأمن في التسعينيات في قضية لوكربي حين رفض الزعيم معمر القذافي قرارات مجلس الأمن المتعلقة بتسليم المتهمين الليبيين بإسقاط طائرة ركاب أمريكية في قرية لوكيربي لمحاكمتهم في إسكتلندا. فبعد حصار جوي شديد على الشعب الليبي قررت منظمة الوحدة الإفريقية كسر الحصار الجوي المفروض على ليبيا من جانب واحد ودعت كل الدول الأعضاء إلى عدم تطبيق قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالحصار الجوي على ليبيا، اعتباراً من بداية شهر سبتمبر عام 1998، إذا رفضت بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية الطلبَ الليبي المتعلق بمحاكمة المتهمين الليبيين في دولة محايدة غير المملكة المتحدة وأمريكا. وقد رفض قادة الدول الإفريقية الدعوات الأمريكية المتكررة لإلغاء قرار منظمتهم بل وكسروا الحصار في أول سبتمبر/أيلول عام 1998، حين استقل أربع رؤساء أفارقة طائراتهم الخاصة وهبطوا في مطار طرابلس الدولي تضامناً مع الشعب الليبي. وقد خرقَ زعماء أفارقة آخرون هذا الحصار الجوي كالرئيس السابق لجنوب إفريقيا نيلسون مانديلا، وفي النهاية قبلت أمريكا وبريطانيا مطالبَ الأفارقة ووافقوا على محاكمة المتهمين الليبيين في دولة محايدة وهي هولاندا، وبعد المحاكمة انتهى حصار ليبيا كلياً. 

وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس السابق لمصر حسني مبارك أراد أن يستقل طائرته إلى طرابلس كوسيط بين أمريكا وليبيا، فاستأذن من الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، لكنه رفض طلبه ولم يطر إلى العاصمة الليبية.

ومن جهة أخرى فقد نشر عدد من الصحف اليومية الإفريقية قبل عدة أسابيع مقالات عن رغبة دولة قطر الاستثمار في إفريقيا في مجالات مختلفة كالزراعة والبنية التحتية ابتداءً من ثلاث دولٍ وهي نيجيريا والكاميرون والسنغال. وقد استضافت قطر عدداً من الصحفيين الأفارقة وشاهدوا بأنفسهم الإنجازات القطرية الهائلة في مجالات متعددة.

ولعل أكثر ما يلفت انتباه المراقبين والصحفيين الأفارقة هو رؤية دولة قطر الإيجابية للقارة الإفريقية، حيث عَبَّر غير واحد من مسؤوليها عن احترامهم لهذه القارة التي يَعُدونها مستقبلَ العالم لما تكتنز من ثروات وإمكانيات متعددة ومتنوعة. وهذه الرؤية المستقبلية قلّما تُخَيَّل بها إفريقيا التي تُوصف غالباً بالفقر والتخلف، تلك الصورة النمطية السلبية الخاطئة التي لازمتها منذ فترة طويلة. فالرؤية القطرية الإيجابية للقارة السمراء يُعِيرُها الأفارقةُ اهتماماً كبيراً لأنهم يناضلون منذ عدة عقود لرسم صورة حقيقية وإيجابية لقارتهم العزيزة عليهم.

أضف إلى ذلك أن دولة قطر تخطط للاستثمار في مجالات تحتاج إليها إفريقيا في مسيرتها التنموية الشاملة، وهذه خطة استثمارية جديدة في حد ذاتها، حيث تَعوّدَ معظم الدول الغربية الاستثمارَ في إفريقيا منذ فترة طويلة، لكن في مجالات لا تحتاج إليها الأفارقة بل المردود الإيجابي لاستثماراتهم تعود إلى الغرب كلياً. وكذلك دأبت دول عربية غنية منحَ الأموال لحكومات إفريقية ولقادة أفارقة لكن الشعب الإفريقي لا ينتفع بها إطلاقاً.

فالسياسة الاستثمارية القطرية في إفريقيا تتطابق مع رؤية الجيل الجديد من القادة الأفارقة الذين يفضلون الاستثمار الأجنبي الذي ينتفع به المستثمِر والقارة في آنٍ واحد بدلاً من استثمارات تعود عوائدها إلى المستثمِر كلياً، أو قبول هبات ومنح مالية ترسخ الصورة النمطية السلبية لفقر إفريقيا وحاجتها إلى مد الأيادي لقبول الصدقات والزكوات. فالقارة تحتاج إلى أن تنظر إليها بعين الاحترام والندّية حيث إن أبناءها الذين وُلِدُوا بعد الاستقلال والذين تخرجوا في أحسن الجامعات العالمية عازمون على تسريع نهضتها وازدهارها مع مستثمرين ذوي رؤى مستقبلية وإيجابية للقارة كما هو الحال مع القطريين.

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علامات:
عبدالعزيز غي
أستاذ في جامعة ولاية بنسلفانيا الأمريكية
كندي الجنسية، حاصل على الليسانس والماجستير والدكتوراه في الدراسات العربية والإسلامية من جامعة جنيف بسويسرا، وعلى دبلوم عالٍ في تدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها، وشهادة الليسانس في اللغة العربية. عاش 5 سنوات في الشرق الأوسط، و12 سنة في أوروبا، وأكثر من نصف عقد في أمريكا الشمالية. مهتم بحوار الأديان والثقافات والشعوب، وحالياً يعمل أستاذاً لدراسات الأديان واللغة العربية في جامعة ولاية بنسلفانيا وفي كلية نازاريث في أمريكا.
تحميل المزيد