جاء بيان وزارة الخزانة الأمريكية، مساء يوم الأربعاء الماضي بتوقيت واشنطن، بشأن المباحثات بين الجانب المصري والإثيوبي والسوداني حول تشغيل سد النهضة، والتي استضافتها الخزانة، ليضيف غموضاً حول مصير المفاوضات المعلن انتهاؤها بالفشل في بداية أكتوبر/تشرين الأول الماضي بين الجانبين المصري والإثيوبي. فالبيان لم يطرح جديداً سوى المفاوضات والاجتماعات الفنية بين الأطراف مع وجود الجانب الأمريكي والبنك الدولي بصفة مراقبين على أن يجتمع الأطراف مرتين في واشنطن على مدى الشهرين القادمين لبحث التقدم في تلك الاجتماعات الفنية، على أن تعلن النتائج في منتصف يناير/كانون الثاني القادم، والتي إن فشلت فإن الاحتكام سيكون إلى المادة العاشرة من اتفاق المبادئ الموقع في مارس/آذار عام 2015، والتي بدورها لا تتحدث إلا عن النوايا الحسنة والاحتكام لرؤساء الدول أو رؤساء الحكومات، أي أنها لا تحسم شيئاً ولا تحتكم إلى شيء ملموس، وكأنهم فسروا الماء بعد الجهد بالماء.
وجاءت لغة الجانب الأمريكي بعد الاجتماعات امتداداً للغة التي تبناها منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لغة لا تنحاز لأي طرف ولا ترجح كفة على أخرى ولا تدعم سوى المسار التعاوني التوافقي من أجل التنمية والازدهار للجميع.
ومن هنا جاء التساؤل الرئيسي: مَن المستفيد من هذه الواسطة والمباحثات؟ وما الأهداف الكامنة لدى كل طرف؟ وهل بالفعل يوجد حل عملي على مائدة التفاوض تخفيه لائحة النقاشات الفنية حول السد التي قُتلت بحثاً ولا يبدو أن ثمة جديداً بشأنها في الأفق؟
تبدو الحلول العملية نادرة جداً في ظل تمسك الجانب الإثيوبي في كل المباحثات بأحقيته في استثمار السد بأسرع وقت ممكن من أجل احتياجاته العاجلة للكهرباء ولمشاريع التنمية التي يستهدفها، في ظل إصرار مصري على أن التأجيل لن يضر إثيوبيا كثيراً، ولكنه سيلحق الضرر البالغ بمصر.
لذا فقد طرحت هذا التساؤل على مصدر سياسي كان قد حضر اجتماعات في وزارة الخارجية التقى فيها بدبلوماسيين على علاقة بالشرق الأوسط، قبيل الاجتماعات وأجاب قائلاً إن "أحد الحلول المطروحة على الطاولة هو أن تقوم مصر بدفع تعويض مادي للجانب الإثيوبي يعوضها الوقت الذي ستُبطئ فيه مدة ملء خزان السد بالمياه"، إلا أنه لم يوضح أي جانب سيقوم بتمويل هذه الفكرة، لاسيما أن مصر اقتصادياً غير قادرة بمفردها على الإقدام على حل كهذا.
هذا الحديث قد يُفضي إلى سيناريوهات خاصة بتطبيق هذا الحل، إذا قبل به الجانب الإثيوبي، إذ إن واشنطن والبنك الدولي يعملان كوسيطان بصفة مراقب وليس لأي منها صفة تنفيذية.
أحد هذه السيناريوهات أن تقوم مصر بالاقتراض بدعوى أنه الحل الوحيد لإنقاذ الموقف في مصر من الانزلاق للفوضى بسبب الآثار المترتبة على النقص الحاد في المياه، أو يقوم الجانب الأمريكي بالضغط على دول الخليج لتمويل مشاريع تنموية في إثيوبيا في فترة تباطؤ ملء الخزان يشرف عليها البنك الدولي.
ولعل هذا قد يفسر النقطة اللافتة والمتعلقة بأن تكون وزارة الخزانة بقيادة ستيفن مونتشي وزير الخزانة الأمريكي وليس وزارة الخارجية الأمريكية، هي المستضيفة لهذه المباحثات رغم أنها مفاوضات بين وزراء خارجية دول أجنبية، مع حضور البنك الدولي للمفاوضات بصفة مراقب على الرغم من رفض إثيوبيا سابقاً اتخاذه وسيطاً بينها وبين مصر.
أما على مستوى الاستفادة، فكل الأطراف الرئيسية في هذه المباحثات تبدو مستفيدة سياسياً رغم عدم التقدم العملي على أرض الواقع.
بالنسبة لترامب فقد حضرت الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها وسيطاً في واحدة من أعقد المشكلات في الشرق الأوسط وإفريقيا، الأمر الذي لن يسمح بإحداث فراغ سياسي لصالح دول أخرى كروسيا والصين يُلام عليه ترامب كما جرى في شمال سوريا، لا سيما بعد القمة الروسية – الإفريقية التي جرت الشهر الماضي، والتي أراد فيها الجانب الروسي أن يتصدر المشهد بوصفه راعياً لمفاوضات أو نقاشات بين الجانب المصري والإثيوبي خاصة بعد تصريحات آبي أحمد الإشكالية أمام البرلمان الإثيوبي عن استعداد بلاده لحشد مليون إثيوبي إذا استدعى الأمر قتالاً مع مصر.
يُضاف إلى ذلك أن ترامب سيظهر بأنه لم يتخلَّ عن حليفه في الشرق الأوسط الذي طالما امتدحه خاصة مع دعم اليمين الأمريكي للسيسي، وفي نفس الوقت فإن هذه الرعاية لن تكلف الولايات المتحدة الأمريكية شيئاً ولن يترتب عليها أي مسؤوليات سياسية كما كشف دور المراقب الذي ستلعبه.
وقد ظهر واضحاً أن البيت الأبيض لن ينوي اتخاذ خطوات أكبر من رعاية المفاوضات بين الجانبين دون انحياز واضح لأي طرف يجبر الطرف الآخر على اتخاذ مواقف ليس راضياً عنها، خاصة أن إثيوبيا تعد حليفاً عسكرياً في إفريقيا للولايات المتحدة، كما تهدف الأخيرة أن تكون شريكاً استثمارياً في المشاريع التنموية المستقبلية في إثيوبيا والتي من الواضح أن الصين ستزاحمها فيها.
أما على الجانب المصري، فعبدالفتاح السيسي يمر بالفعل بمأزق حقيقي بعد إعلان فشل المفاوضات والتي حمَّله الرأي العام في مصر سببها بسبب اتفاق المبادئ الذي وقَّعه ثم اعتماده على قسَم رئيس الوزراء الإثيوبي ورفضه للإنصات للخبراء في مصر حينها، ومن ثم فهو يرغب أن يظهر في موقف المدعوم دولياً من قِبل القوى الكبرى، وكأنها منحازة لصفه أو موقفه، فضلاً عن كسب الوقت سياسياً أمام الشارع، ليؤكد له أن يعالج أزمة ليس سبباً فيها، كما أشار في خطاباته حينما حمَّل ثورة يناير مسؤولية بناء سد النهضة.
وقد حاول سامح شكري، وزير الخارجية، أن يروج لتلك الصورة بلقائه عدداً من نواب الكونغرس الداعمين للسيسي ومن حلفاء ترامب كلينديسي غراهام وجون بارسو، لكنها بالنهاية لم تتعدَّ في تأثيرَيها المقابلات الدبلوماسية والتي لا يتوقع أن يكون لها انعكاس عملي على مجمل موقف الكونغرس من تلك القضية حتى الآن، والمتمثلة أيضاً بعدم الانحياز.
لذا فإن السيسي بمعاييره ومعايير المأزق الذي يمر به، فقد حقق انتصاراً سياسياً جزئياً لنفسه بتمديد أمد التفاوض، لعل الحل العملي المذكور سابقاً يكون مخرجاً له ولمصر من تلك الورطة.
أما الجانب الإثيوبي، فقد حقق انتصاراً سياسياً أيضاً بعد تصريحات آبي أحمد عن الحشد العسكري، رغم فوزه بجائزة نوبل للسلام مؤخراً، فقد أظهر للعالم أنه أبدى مرونة تفاوضية برعاية أكبر دولة في العالم وبرعاية أكبر مؤسسة تنموية أيضاً، وهي البنك الدولي، دون أن يكون ملزماً بأي قيد أو شرط، فالعمل في بدء تشغيل السد وملئه مستمر بلا توقف، والنقاط الفنية سبق أن أجهد الطرف المصري حول نقاطها الخلافية، ومن ثم لا ضرر من الذهاب لهذه المفاوضات من أجل التقاط الصور التي تدعم موقفه بأنه غير متعنت وأنه باحثٌ عن السلام.
إذن فخلاصة القول أن سد النهضة بفكرة عمله وخطة تشغيله الحالية لن ينهار في واشنطن أو على أعتاب البيت الأبيض، كما أراد أن يصور النظام في مصر، وستخرج الأطراف الرئيسية فائزة سياسياً على مستوى القيادات متجملين بالصور الملتقطة، بينما تغيب صور الفقر والجفاف والقتال والنزاع المحتمل عن الأنظار. فهل تدفع مصر الثمن نقداً لتأخير التشغيل أم تدفع ثمن نتائج تأخرها في الدفاع عن حقها؟
مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.