من «معشوق الجماهير» إلى «المنبوذ».. الخزري يصب المزيد من الزيت على النار

عربي بوست
تم النشر: 2019/11/06 الساعة 16:25 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2019/11/13 الساعة 07:54 بتوقيت غرينتش

تحوَّل اللاعب الدولي التونسي وهبي الخزري، في ظرف 6 أشهر فقط، من معشوق جماهير فريق سانت إيتيان الفرنسي إلى منبوذها، حتى لا نقول عدوها الأول. يتحمل التونسي جزءاً كبيراً من المسؤولية عن تغيُّر موقف الأنصار تجاهه، وذلك بسبب مزاجه الصعب وتصريحاته المثيرة للجدل، أضف إلى ذلك التراجع الرهيب لأدائه في بداية الموسم الجاري، مقارنة بالموسم الماضي.

قبل الدخول في تفاصيل أزمة قائد المنتخب التونسي، دعنا نعُد إلى الجذور. وُلد وهبي الخزري بمدينة أجاكسيو في جزيرة كورسيكا الفرنسية، يوم 8 فبراير/شباط 1991، من أبوين تونسيَّين تعود جذورهما إلى ولاية جندوبة التونسية. وقد بدأ ممارسة رياضة كرة القدم ضمن مدرسة نادي أجاكسيو الفرنسي من 1995 إلى 2004، قبل أن يلتحق بفريق الناشئين للنادي الثاني لكورسيكا، ونعني به باستيا، الذي تدرج ضمن فئاته الشابة إلى غاية انضمامه إلى الفريق الأول وتوقيعه على أول عقد احترافي في عام 2009.

بدأت بعدها رحلة من التنقل والتجوال، حيث التحق الخزري بنادي بوردو الفرنسي في 2014، ثم حزم حقائبه إلى سندرلاند الإنجليزي في 2016، الذي أعاره بدوره إلى نادي رين الفرنسي في موسم 2017-2018. وبعد موسم جيد للغاية رفقة رين، قرر نادي سانت إيتيان التعاقد مع الخزري نظير 10 ملايين يورو.

يحمل وهبي الخزري الجنسيتين الفرنسية والتونسية، وقد تردد كثيراً في حسم موقفه من الجنسية الرياضية، بحيث يعتبر من اللاعبين القلائل بالعالم الذين حملوا ألوان المنتخبات الشابة لبلدين مختلفين، إذ لعب في صفوف منتخبات فرنسا لأقل من 17 سنة، وأقل من 19 سنة، وأقل من 21 سنة، ومنتخبي تونس لأقل من 18 سنة و 20 سنة، وذلك قبل أن يختار نهائياً ورسمياً اللعب لمنتخب بلد آبائه وأجداده، تونس، في عام 2013.

هذا التردد من الخزري في حسم قراره النهائي فيما يخص مشواره الدولي، يعتبر مؤشراً على الشخصية المثيرة للجدل للنجم التونسي، المتميز بأدائه المتذبذب من موسم إلى آخر، سواءٍ مع مختلف الأندية التي لعب لها أو مع منتخب "نسور قرطاج"، والتي سنتأكد منها من خلال ما سيأتي في هذا المقال.

أفضل لمسات وهبي الخزري مع فريقه الحالي سانت ايتيان

الخزري، الذي ينشط كمهاجم أو متوسط ميدان هجومي، انتظر حتى الجولة الـ11 من الدوري الفرنسي لكرة القدم للموسم الجاري (2019-2020)، ليسجل هدفه الأول في المسابقة، وكان ذلك يوم 27 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، في لقاء فريقه سانت إيتيان مع نادي أميان والذي انتهى بالتعادل 2-2، وهو ما يعني أن المهاجم التونسي بقِي صائماً عن التهديف في "الليغ1" 6 أشهر ونصف الشهر، أي منذ ذلك الذي سجله في مرمى نادي بوردو (3-2) يوم 14 أبريل/نيسان الماضي، لحساب الجولة الـ32 من مسابقة الموسم الماضي (2018-2019).

التصريح صبَّ الزيت على النار

وبدلاً من أن يكون هذا الهدف بمثابة "الديكليك"، أي فك العقدة بالنسبة للخزري، تسبب في سخط جماهير سانت إيتيان على اللاعب التونسي، بسبب تصريحاته عقب نهاية المباراة حين قال: "لقد تعرضت لعديد من الانتقادات منذ بداية الموسم. وقد كنت مُصمّماً على إخراس الأفواه وإظهار ما أُجيد القيام به منذ 10 سنوات، وأنني لاعب كرة قدم جيد".

ولم يتأخر عدد كبير من أنصار فريق سانت إيتيان في الرد والتعليق على تصريحات الخزري، وقد وصلت الردود في بعض الأحيان إلى حد الاستهزاء والسخرية، على غرار تلك التي نقلتها الصحافة الفرنسية، حيث قال أحدهم: "أتفهم غضبه، لكني لا أفهم اختياره التوقيت لإظهار هذا الغضب.. عندما تكون لاعب كرة قدم يجب عليك تقبُّل الانتقادات، خاصة عندما تكون مبررة. فالنسبة لي لم يقم بإسكات أي أحد، بالعكس هذه التصريحات صبت مزيداً من الزيت على النار. أرى أنّ تصريحاته لم تأتِ في وقتها، خاصة أنّها جاءت بعد تعادل فقط مع أميان".

وقال آخر: "أعتقد أنّ رد الخزري على النقاد كان متسرعاً بعض الشيء. فيجب عليه التركيز على الميدان، وسوف تُغلَق الأفواه تلقائياً إذا كان جيداً".

وأشار مناصر آخر: "قد يكون الرجل قد تعرض لبعض الانتقادات في الصحافة ويريد إثبات وجوده، ولكن أكثر من انتقده هو مدربه كلود بويل".

وفعلاً فإنّ مدرب فريق سانت إيتيان، الفرنسي كلود بويل، كان قد أطلق تصريحاً نارياً تجاه وهبي الخزري قبل مباراة أميان، حين قال عنه: "أنا لا أطلب من الخزري المشي فوق الماء، كل ما أطلبه هو الركض فوق أرضية الميدان".

ما قاله كلود بويل فيه كثير من الحقيقة، فالخزري بطيء الحركة فوق الميدان، يعطيك انطباعاً بالكسل، كما أنه يعاني زيادة الوزن؛ وهو ما أدى إلى تراجع فاعليته الهجومية مقارنة بالموسم الماضي، عندما  أنهى موسمه كهداف لفريقه برصيد 13 هدفاً، محتلاً المركز السابع في ترتيب هدافي البطولة.

الثبات على التذبذب

تباين أداء الخزري بين الموسمين الماضي والحالي، ليس بالشيء الجديد بالنسبة للملاحظين ومتتبعي الكرة العالمية، اذ تؤكد الأرقام أنّ الخزري يعاني تذبذب المستوى منذ بداية مشواره الاحترافي.

على سبيل المثال، شارك التونسي خلال موسم 2008-2009، في 13 مباراة مع فريق باستيا بدوري الدرجة الثانية الفرنسي، سجَّل خلالها 3 أهداف فقط، وقدَّم تمريرة حاسمة واحدة. كما شارك في موسم 2011- 2012 في 33 مباراة مع الفريق نفسه وفي المسابقة ذاتها، سجّل خلالها 9 أهداف وقدَّم 7 تمريرات حاسمة، واختير خلال ذلك الموسم ضمن التشكيلة المثالية لدوري الدرجة الثانية الفرنسي، وصعد رفقة ناديه الكورسيكي إلى دوري الدرجة الأولى.

لكنه اكتفى خلال موسم 2013-2014 بتسجيل 6 أهداف وصناعة هدفين آخرين في 32 مباراة رفقة باستيا في الدرجة الأولى. في حين سجل 9 أهداف وقدم 4 تمريرات حاسمة في 32 مباراة خاضها مع نادي بوردو في موسم 2014-2015 للمسابقة نفسها، ثم سجَّل 5 أهداف وصنع 7 أخرى في 20 مباراة مع الفريق نفسه خلال النصف الأول للموسم الموالي 2015-2016، لينتقل بعدها إلى نادي سندرلاند الإنجليزي.

ويمكن القول إن تجربة وهبي الخزري رفقة نادي سندرلاند كانت فاشلة على طول الخط بحيث سجَّل هدفين في 14 مباراة خلال النصف الثاني من موسمه الأول في الدوري الإنجليزي الممتاز، ثم سجَّل هدفاً واحداً فقط في 21 مباراة خلال موسمه الثاني (2016-2017) الذي شهد سقوط فريقه إلى دوري الدرجة الأولى ( تشامبيون شيب)، وهو ما جعل النجم التونسي يعود إلى الدوري الفرنسي في موسم 2017-2018، من بوابة نادي رين على شكل إعارة والذي استعاد رفقته بعض بريقه بتسجيله 9 أهداف وصناعته هدفين آخرين في 24 مباراة، ليجلب اهتمام نادي سانت إيتيان، الذي تعاقد معه في صيف 2018 لمدة 4 سنوات.

ولم يجلب الخزري اهتمام مسؤولي سانت إيتيان من خلال أدائه مع رين الفرنسي فقط، بل أيضاً بفضل تألُّقه ضمن منتخب تونس خلال نهائيات مونديال روسيا لكرة القدم 2018، حيث سجَّل هدفين اثنين، في دور المجموعات أمام كل من بلجيكا (2-5) وبنما ( 2-1).

"نسور قرطاج" يستحقون ما هو أكثر 

ومثلما كان أداؤه متذبذباً مع مختلف الأندية التي لعب لها، فإنَّ الأمر كان كذلك مع منتخبه الوطني، حيث شارك رفقة "نسور قرطاج"، منذ 2013 إلى غاية الآن، في 51 مباراة، سجل خلالها 16 هدفاً فقط، وفشل في منح الإضافة التي كانت منتظرة منه خلال مختلف الدورات النهائية لكأس أمم إفريقيا لكرة القدم التي خاضها، إذ صام عن التهديف في بطولة أمم أفريقيا 2015 في جنوب افريقيا وسجل هدفاً واحداً في بطولة  2017 بالغابون وهدفاً وحيداً في البطولة الأخيرة التي أقيمت في  مصر.

وأتى تألقه الدولي في مناسبة واحدة فقط، كانت مونديال روسيا 2018، بتسجيله لهدفين خلال دور المجموعات مقدماً أداءاً جيداً للغاية، لكن دون أن تعبر بلاده دور المجموعات.
عدم استقرار أداء وهبي الخزري من موسم إلى آخر ومن لقاء إلى آخر وحتى خلال المباراة نفسها، يطرح التساؤل حول ما إذا كان اللاعب ظالماً لنفسه وأنه ضيَّع مشواراً احترافياً أفضل مما سار عليه إلى حد الآن. وأنّه ربما كان يستحق اللعب في نادٍ أوروبي كبير، خاصة في موسم 2015-2016، عندما غادر بوردو نحو سندرلاند خلال الميركاتو الشتوي، حيث كان في أوج عطائه، وكان مطلوباً من بعض الأندية الشهيرة التي تشارك في المسابقات القارية بانتظام على غرار إشبيلية الإسباني.

مشوار احترافي كبير .. لم يحدث

ويمكننا الإجابة عن هذا السؤال ونقول: "نعم، لقد ضيع الخزري مشوراً احترافياً كبيراً "، وذلك لأنّ الشيء الوحيد الخارج عن إرادته والذي كان من الممكن أن يعرقل استقرار مستواه أو تحسينه هو تعرُّضه للإصابات الخطيرة، ولكن بالعكس فإنَّه لم يتعرض لهذا "البلاء" أو "الابتلاء " ولم يعانِ في السنوات الست الأخيرة سوى بعض المشاكل العضلية أو الالتواءات البسيطة، وهو ما يؤكد القوة البدنية المميزة لوهبي، التي بدلاً من استغلالها في تطوير أدائه فإنّه يهدرها من حين إلى آخر، بعدم المحافظة على وزنه المثالي؛ ومن ثم يفقد الخفة والسرعة فوق الميدان، إذ من المعروف عن وهبي قدراته الفنية العالية التي يُعجب ويتمتع بها المشاهدون حينما يكون في لياقته البدنية كاملةً، ولكنها تختفي بمجرد تعرضه للكسل وزيادة الوزن.

ولعل ما يؤكد أيضاً تحمُّل وهبي الخزري مسؤولية تضييع مسار احترافي أفضل هو مزاجه العصبي فوق الميدان، واحتجاجه المبالغ فيه على قرارت الحكام، وهو ما يعرضه لمعدل 8 بطاقات صفراء وطردٍ واحد في كل موسم رياضي. وقد يقول البعض إنّ هذه هي طبيعة لاعبي شمال إفريقيا. فنردّ عليهم بأنّ الأمر يتعلق بلاعب محترف في أوروبا، وهو مطالَب بالانضباط داخل الميدان وخارجه، إذا ما أراد النجاح وبلوغ العالمية، خاصةً إذا كان الأمر يتعلق بلاعب يملك القدرات الفنية والبدنية لتحقيق ذلك الهدف. وما المصري محمد صلاح والجزائري رياض محرز وما بلغاه من مستوى عالمي، إلا مثالاً على ذلك الانضباط والمثابرة. 

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

مراد حاج
صحفي وكاتب جزائري
صحفي وكاتب جزائري