صبايا، أنا أنفي شكلوا كتير بشع!

عربي بوست
تم النشر: 2019/10/10 الساعة 14:53 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2019/10/10 الساعة 14:53 بتوقيت غرينتش
الوجع الكبير الذي يتبع عمليات التجميل ما ثمنه؟

ضمَّتني إحدى الصديقات إلى مجموعة على الفيسبوك، فدخلتها لأكتشفها ولأعرف المغزى حول قيامها.

وإذ بي أرى منشوراً يتحدث كالتالي: "صبايا، أنا أنفي بشكل كتير حلو، بس عندي مشكلة كتير أزعجتني.. عندي فتحة أنف أكبر من التانية، وين ممكن زبطتن ليصيروا ذات القياس"!

وصبية أخرى تنتحب: "بنات، أنا بكره شي اسمو خدود، وخدودي المعبايين مابطيقن.. ولا تقلولي حلوين.. أنا ملاقيتن لاغيين كل ملامح وجهي الحلو".

والصاعقة الأخيرة فتاة تسأل: "كتير حلوة هي المؤخرة، وين ممكن أعمل متلها عند أي دكتور".

فغَرتُ فاهي! ظننتهن يمزحن، لكنني كنت كما لو أنني من أهل الكهف، واستيقظتُ فجأةً من سباتي لأرى المهازل الحاصلة في زمننا، وبلدنا الذي كنت مبتعدة عنه.

كانت المجموعة ضخمة تضم نحو مئة ألف شخص.. محورها عمليات التجميل فقط!

المدهش أن المنضَمّات إلى هذه المجموعة والأطباء الذين يتم النصح بهم موجودون في بلد الحرب والتشرد والفقر! في سوريا.. سوريا التي الآن وصلت لذروة الضعف على الأصعدة كافة؛ من تعليم للأمان للحالة الاجتماعية المتردية.. للفقر الذي نخر بعظْم الشعب.

تظهر هذه الفئة مستخفَّة بنكبات بلدها وشعبها وأهلها.. تبحث عن عمليات تجعلها أبهى، أكمل، أكثر إثارة وفتنة! ومن يجاورها ببعض كيلومترات يموت "فعلياً" إن لم يكن من الجوع، فهو ميت من القهر.

هذه الثلة في الحقيقة أكثر من يستحق الشفقة، فمرآتهم لا تُظهر لهم العطب الكبير في ضميرهم… فليتهم يعون ما آل إليه ضميرهم من الصمم والبكم، علهم يعالجونه مما هو فيه من تردٍّ وسوء.

ولئن سألنا أنفسنا: من / ما المسؤول عن هذا الإقبال القوي على عمليات التجميل عديمة الفائدة؟ نجد أن هناك عدة عوامل اشتركت في تجسيد هذا الواقع البائس، منها البرامج التافهة التي تشجع على تغيير الشكل وتجعله إنجازاً، وكذلك القدوات الدونيات..

العالم الرقمي يتحمل مسؤوليته أيضاً، فهو الذي جمع وجمّل كل المشهورات، وجعلهن على مرأى كل العالم، وهن موجودات على منصات التواصل الاجتماعي كافة.

كما أن الغيرة هي المحرك الأساسي، فكل واحدة منهن تسعى إلى أن تطغى على كل جميلة تراها عيناها.

من المؤسف أن العالم عوض أن يدعو إلى تقبُّل كل منا شكله فهو على العكس يضخم له عيوبنا الصغيرة، طامعاً في ملء جيوبه من مالنا، كما يقول المثل الشعبي: "رزق الهبل على المجانين".

وهذا العالم بلغ به الجنون منتهاه، فهو يطمح إلى جعل الناس بلا عقل ولا وعي، وبهذه الحالة يسهل عليه الضحك عليهم، والنيل منهم بتحقيق غايته من إقناعهم بالوسائل والطرق كافة، فتصبح الدعايات أفكارها أبسط وعقل المشاهد أصغر، وهكذا يقتنع الرائي بسهولة ويتم توجيهه كيفما يشاء له عالم الدعاية والتجارة..

سؤال آخر: علامَ كل هذا الصراع لنيل شكل أجمل؟ والوجع الكبير الذي يتبع عمليات التجميل ما ثمنه؟ أهو زوج ثري؟ أم وظيفة تستغل الملامح الجذابة والتضاريس اللافتة؟! أم هي شهرة على عالم السوشيال ميديا؟ أم صورة فاتنة تضعها على صفحتها الشخصية لتحصل بعدها على جميل الإطراء وكثير من الإعجابات، علَّ نرجسيتها تُروى وتتغذَّى من عذب كلماتهم؟

إن كانت الإجابة بالزوج الثري، فغالباً الأثرياء زمرة الواعين لا يترصدون الوقوع بامرأة فاتنة للغاية، لأنهم يعلمون أنها تحاول جذب انتباههم، لا لشخصهم إنما لمالهم ولثرائهم.

وإن كانت الغاية هي الوظيفة التي تستغل الجسد، فمن تختار هذا الخيار تكون قد باعت جسدها بثمن بخس.

وإن كانت هي الشهرة، فإن أكثر المشاهير هم السفهاء، في حين أن من يستحق الشهرة لا وقت لديه، فهو منشغل بالخير وبالعمل لا بالتنظير والظهور وراء الشاشات.

وإن كان لأجل وضع صورة لافتة جميلة ولنيل الإطراءات، فالأَولى لمن يبحث عن ذلك أن يتوجه مباشرة إلى طبيب نفسي يعزز ثقته بنفسه ويعالجه مما فيه من نرجسية وعجب.

آن لنا أن نعي أن ليس كل ما نراه هو مطلق الحقيقة، هناك تفاصيل تغيب عن نظرنا، لكنها موجودة.

نحن لا نرى الهواء، لكننا نعلم أنه يوجد نحو 11 غازاً في الجو المحيط بنا، وكذلك مرآتنا لا تعكس جمالنا الحالي والمرئي فقط، فهناك جمال آخر.. وهو جمال روحٍ ونفسٍ وخُلقٍ.

فلنعمل على تزكية هذه الروح وتجميلها، فهي الخالدة، في حين أن الجسد مآله إلى زوال واندثار.

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علامات:
إيناس الغزولي
كاتبة سورية
فارسة أمتطي صهوة قلمي ،وأواصل السعي ناحية هدفي.. خريجة بكالوريوس نظم معلومات إدراية بالإضافة لدبلوم دراسات إسلامية متطوعة في فريق ملهم التطوعي منذ عام ٢٠١٦ أعمل في ما أحب : الكتابة .. كتبت مئات القصص أقوم بتحويل بيانات الحالات الطبية والأيتام لقصص مؤثرة تعمل على الوتر الحساس لدى القارئ .. فتجني كلماتي ثمارها بكفالة الحالة عندها أبلغ منتهى أملي ،وأجني سعادة لا حد لها .. قمت بنشر مقالاتي في : مجلة الدوحة جريدة الشرق القطرية مدونات الجزيرة وغيرها .. وكذلك أعمل بتدريس اللغة العربية والقرآن الكريم .
تحميل المزيد