تركتني بين شقيّ الرحى!

عربي بوست
تم النشر: 2019/03/26 الساعة 16:15 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2019/08/06 الساعة 09:45 بتوقيت غرينتش
Pop art blonde woman seat and keep a diary. Comic girl hold a pen and write in a book. Vintage hand drawn vector illustration isolated on blue halftone background.

لم يكن بمقدوري تخيل جملة من الأحداث التي عايشتها برهة من الزمن، بعدما أدركت للوهلة الأولى أني تجاوزتها حتى النهاية، أيقنت تماماً أني كنت أتنفس الصعداء، في كل حدث أو تجربة مرّت عليّ.

أصبحت في حالة من الذهول، والاستغراب، والدهشة، وساورني سؤال: يا إلهي ألهذا الحد كان الأمر عصيباً؟

أحداث ذات إيقاع سريع تشبه موسيقى الروك الصاخبة، فلقد كانت تقيم احتفالاً في رأسي، وكانت كفيلة بأن تفقدني صوابي، وأن تودي بحياتي إلى الجحيم، كدت لا أستطع إدراك ماهية ما يجري حولي، ولا أعرف الفرق بين الحقيقة والخيال!

ولعل أكثر ما أحزنني هو فقداني لشغفي بالكتابة، فلم يكن باستطاعتي تدوين أي نصوص أو حتى عبارات صغيرة.

لقد فقدت إلهامي في الكتابة حقاً، شعرت وكأن ملكة الكتابة غادرتني كامرأة متسكعة لا تكترث لأمري، لقد كانت تزورني على عجلٍ بين الفينة والأخرى.. لكنها رحلت بعيداً، وكأنها انحرفت عن مسارها داخل عقلي، وخذلت بنات أفكاري، وقطعت حبل الوصال بيننا.

كنت كلما أُهم بتدوين مجريات أحداثي اليومية، التي تجتاحني لم أستطع التعبير عنها، وأراني أفقد السيطرة على قلمي، أشعر بعجزي وضعفي كطفل مبتدئ، محاولاً كتابة موضوع تعبير بلغة ركيكة، إلى أن تركت الكتابة فترة، واستسلمت لخوض جميع الأحداث المتسارعة، المتلاحقة دون تدوينها وتوثيقها.

 

كنت أرغب في الحديث عن قصة صديقتي التي أصيبت بالسرطان وكفاحها مع المرض وكيف قاومت واستطاعت التغلب عليه بعد معاناة طويلة، لكنه سرعان ما عاد إليها ذلك اللعين الخبيث.

وكنت أرغب في الحديث عن تعب ومرض أمي، وعن كثرة شكواها وعن تمرّدها أمام واقع قذر لا يرحم قلبها الضعيف، حيث كانت إلى الموت قاب قوسين أو أدنى.

 

كنت أرغب في الحديث عن سخافات وتفاهات ارتكبها صديق بعد تجربة حب فاشلة، أصبح بعدها أقرب إلى الجنون، جعلته يتصرف كالحمقى لا يأبه لهراء هذا العالم، ويواجه فشله بحالة من التيه والتخبط، ولم يمنح حياته أي قيمة، كان يقابل البكاء بالضحك، ولا يبالي.. وفي جوفه يصرخ: تباً لهذا الواقع.

كنت أرغب في الحديث عن قصص سيدات مغمورات، لكن بفعل الحرب أصبحن بطلات ملهمات، بفضل إصرارهنّ على تحدي المستحيل ومحاربة كل شيء حتى الرمق الأخير، من أجل أن ينعمن بروح وحياة جديدة.

 

وكنت أرغب في الحديث عن منغصات ومكدرات الحياة، كلما اشتدت تجعل دائرة علاقاتي تضيق حتى تصل إلى حد العزلة وعن ظروف قاهرة، وتجارب مؤلمة كلما كبرت جعلت هذا العالم البائس، يصغر بعيني إلى حد التلاشي!

وكنت أرغب في الحديث عن جانب أشرق بحياتي، عن قصة نجاحي في تحقيق حلمي، وعن كوني فخورة بنفسي، وعن قدرتي في تجاوز التحديات والصعاب، وعن شعوري بالنصر الذي منحني قدرة على التحليق إلى أعالي السحاب، لكني لا زلت أتضور جوعاً للشهرة، وأركض بشراهة إلى النجاح، وعن شغفي المفرط لتحقيق أمنيات لا تزال معلقة بالأفق!

 

كنت أرغب في الحديث بشدة عن كل شيء، عن الحب والحياة والفقد والفقر والألم والأمل، والحزن والفرح، لكن لم يكن بمقدوري الكتابة عن تفاصيل هذه المشاعر، فلقد تأخرت ملكتي كثيراً في العودة إلى سريرتي!

لكني كنت أدرك تماماً أنه لا بد من عودتها، وبعد مرور الكثير من الأيام، ومكنوناتي فارغة دونها، فقد باغتتني كعادتها في وقت حرج، زارتني في ساعات متأخرة بعد منتصف الليل، لكن لا بأس، طالما عادت، فعودتها تعني لي الكثير.

ملكتي.. كم أحبك عندما تكوني حاضرة في جوفي وخاطري، فأنتِ ملاذي الآمن، وأنا بك غنية بمفردات وتراكيب لغة عظيمة، ومن دونك لا أستطيع أن أجاور حرف الألف بآخر.

ملكتي.. لا تتركيني بين شقي الرحى، حائرة، تائهة، كطفل صغير يبحث عن أمه، كم أتمنى ألا ترحلي مجدداً، دعيني أتشبث بك، فلدي الكثير في جعبتي كي أبوح به.

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علامات:
تحرير مرتجي
صحفية وكاتبة فلسطينية
صحفية وكاتبة فلسطينية
تحميل المزيد