أنا الذي قتل هشام بركات..!

عدد القراءات
1,390
عربي بوست
تم النشر: 2019/02/25 الساعة 15:56 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2019/02/25 الساعة 15:56 بتوقيت غرينتش
النائب العام الذي تم اغتياله "هشام بركات" /Getty Images

"إدّيني صاعق كهربا وقعّدني مع أي واحد في القاعة وهخلّيه يقولك: أنا اللي قتلت السادات.. معانا كهربا تقضّي مصر عشرين سنة". هذه العبارة التي خاطب بها محمود الأحمدي القاضيَ، في قضية مقتل النائب العام هشام بركات، يجدر بها أن تبقى في الأذهان مطولاً. أي واحد منا، لو شاءت المصادفة أن يولد مصرياً وصاحب موقف، لكان عرضة للاتهام في قضية من هذا النوع.

 

حجم المهزلة الدامية يقول ذلك، قبل نطق الأحمدي به، إذ يكفي القول إن عدد المتهمين في قضية تفجير سيارة النائب العام بلغ 67 متهماً، ثم في الثاني والعشرين من يوليو/تموز 2017، حكمت محكمة مصرية بإعدام 28 متهماً، ومعاقبة 38 آخرين بالسجن مدداً تتراوح بين 10 و25 سنة، قبل أن يستقر الأمر على إعدام الشبان التسعة. أقل ما يُقال في هذه الأرقام أنه يجب تخليدها في سجلّ غينيس للأرقام القياسية، فلم يحدث بالتاريخ أن شارك عدد مماثل في عملية إرهابية تقتضي الحرص والسرية، ولا تتطلب بطبيعتها هذا العدد من المشاركين تخطيطاً أو تنفيذاً.

 

خلال مسار القضية، كانت السلطات الأمنية المصرية قد قدّمت بعض الروايات عن حادثة الاغتيال، وحتى عن مقتل الضالعين فيها ضمن مداهماتها! مهلاً، يبدو تعبير السلطات الأمنية المصرية مضللاً، فالأحرى أن السلطة المصرية برمتها أصبحت سلطة مخابراتية. مثلاً، لقد أصبح من الماضي ذلك الهامش الضيق من الحريات الذي كنا باعتبارنا سوريين نغبط المصريين عليه، وكذلك الهامش الضيق من استقلالية القضاء أو الهامش الممنوح للإعلام. في دولة السيسي لا وجود سوى لـ"سيسيين" صغار، مهمتهم الأسهل هي التصفيق لِلَّغو الذي يتفوه به كبيرهم. كان ثمة فكرة شائعة لدى قسم من السوريين المهتمين بالسياسة، مفادها أن مصر تتقدم على سوريا بعشر سنوات، الآن تبدو الأسدية هي الأفق الذي تسعى إليه مصر السيسي.

 

في العمليات التي نفّذها داعش في أوروبا مؤخراً سنجد بالإعلام الغربي تحليلاً لما يُسمى ظاهرة "الذئاب المنفردة"، وسنجد معلومات عن منفّذ الهجوم لا يندر بينها ما يشير إلى بنية نفسية ووضع اجتماعي أهّلا ذلك الانتحاري للوقوع في فخ داعش. طبعاً لا يندر أن نعثر في أوساط اليمين المتطرف على أولئك الذين يتجاهلون العوامل كافة، ليصوبوا على الإسلام وعلى المسلمين بوصفهم دواعش جميعاً. في محاكمة المتهمين باغتيال هشام بركات سنجد القاضي يرد على أحد المتهمين، عندما يتحدث الأخير عن وضعه النفسي، بأن عفريتاً قد ركبه. هذا القاضي، مع الفهم العامّي للموضوع النفسي والفهم اللاأخلاقي حتى للتعامل مع من يُنظر إليهم اجتماعياً باعتبارهم حاملي عفاريت، هو الذي نطق بحكم الإعدام.

 

المقارنة ذاتها تصحّ مع أولئك "المتنورين" الصامتين على وحشية الإعدام، فهم يقدّمون أنفسهم بوصفهم الأكثر حداثة، والأقرب إلى المعايير الغربية. والحق أننا إذا حكّمنا المعايير الغربية ذاتها، فإن أول وصف يمكن أن ينالوه هو العنصرية، جراء تجاهلهم حقوق الآخرين في التعبير وصولاً إلى حقهم في الحياة. يجوز لهذا النوع من المتنورين أن يقدّم نفسه باعتباره امتداداً لأكثر نزعات اليمين الأوروبي عنصرية ووضاعة، لكنه سيقابَل بازدراء حتى من قِبل اليسار الغربي الذي لم نتوقف عن انتقاد مواقفه من الثورات العربية. ولعل أردأ مفارقة هي التي تجلت بوجود مواقف متضامنة مع الناشر المصري خالد لطفي على خلفية الحكم عليه بالسجن 5 سنوات، وهو يستحق التضامن بالتأكيد، في حين لم يتضامن أصحابها مع ضحايا الإعدام، ولا يُستبعد أن يكون التضامن مع لطفي مستبطناً ما هو مسموح به في دولة السيسي. على أية حال، إذا تجاوزنا الاعتبار الأخلاقي، وإذا اعتبرنا موقف هذا الصنف يندرج في إطار النكاية السياسية الرخيصة، فسنكون إزاء بديهية بسيطة أثبتتها العقود الماضية من حكم العسكر، وهي أن غياب العدالة والديمقراطية ينمّي التطرف ومنطق الثأر.

 

الذين حكموا على الشبان المصريين وأنصارهم يعرفون ما سبق، وهم يعوّلون على واحد من احتمالين: إما تأديب الشعب بحيث لا يحلم بتكرار ثورته على مبارك، وإما تغذية التطرف بحيث يُستغل باعتباره بديلاً محتملاً لهم، يتم التخويف به داخلياً وخارجياً. إننا نخطئ عندما لا نؤكد بنية هذه الأنظمة باعتبارها مصنعاً للوحش، سواء أكان الوحش الخاضع لإمرتها، أم ذاك الذي تحرّضه في نفوس خصومها. لقد قيل من قبل، لمناسبة ثورات الربيع العربي، إن النظام القديم نجح إلى حد كبير في استيلاد معارضة تحمل كثيراً من شوائبه. مع التوحش الذي يرافق عودة النظام القديم، أغلب الظن أن دورة العنف الماضية ستكون بمثابة بروفة متواضعة على حمام الدم المقبل.

 

لا ننسى في هذا السياق أن الجيل الجديد من النظام القديم جيل خارجي تابع بالمطلق، السيسي مثلاً لا يخفي تبعيته لدول في الخليج تملك أموالاً "زيّ الرز"، مثلما لا تخفى تبعية بشار المطلقة للإيراني والروسي، أو تبعية المتصارعين في ليبيا واليمن. التبعية لمصدر القوة الخارجي كشف وسيكشف عن آليات توحش جديدة، لأن هذا النمط من التابعين لن يقيم أدنى وزن لداخل منقطع عنه، ولا يستمد منه أدنى شرعية لبقائه. ربما علينا الاستعانة بأصحاب نظريات المؤامرة، ليشرحوا لنا هذا الانحدار المطلق في أحوال بلدان مثل مصر والعراق وسوريا، بلدان كانت فيما مضى تُعدّ مركز ثقل بالمنطقة على المستويات كافة، ولا يُستثنى منها لبنان، الذي أصبح رهينة حزب الولي الفقيه.

 

الدمار الذي تسبب النظام القديم بطبعته الأولى، وما يُتوقع من طبعته المستجدة، ينسجم تماماً مع إعدام 9 شبان مصريين، كدفعة جديدة على الحساب ليس إلا، ولو بدت لا تقارَن بعشرات آلاف المعتقلين السوريين الذين أُعدموا بلا محاكمة. ولا يمكن أن نعزو إلى المصادفة أن البلدان المذكورة راحت تخلو من جيل الشباب، حيث تتوزع نسبة كبيرة منه بين معتقل ومنفي، أو مهاجر وراغب في الهجرة، من دون أن ننسى في المقلب الآخر الشبان الذين تحولوا إلى وحوش في خدمة الوحش الكبير. إعدام المستقبل القريب يتم الآن، بما للتعبير من معنى فيزيائي لا معنوي فحسب. أما المستقبل الأبعد، فقد لا يكون أفضل مع طفل نبتت أولى أسنانه وأبوه وراء القضبان قبل إعدامه، وقد يلاحقه مشهد أمه وهي تشير إلى أبيه بذلك بقية حياته.

تم نشر هذه المقالة في موقع المدن

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علامات:
عمر قدور
كاتب روائي سوري
تحميل المزيد