الأربعاء, 16 يناير 2019

يوم أن أكملتُ الثلاثين من عمري!

لحظة فارقة في حياتك! يأتيك هذا اليوم، يوم ميلادك، ولكنه ليس كسائر الأيام، فهو ذلك اليوم الذي فتحت فيه عينيك لترى العالم وأنت تبكي ولا تعلم شيئاً! ولكن ميلادك في عقدك الثالث له هذا الوقع العصيِّ على التفسير، والمخيف إلى حد ما، أما أنا فاخترتُ ألّا آبه لهذا الشعور بالمرة، وأن أبتعد عن لحظة الحزن هذه التي يخبرها المعظم حين تمضي أعمارهم، ولكنني رجعت بزمني، ورجعت إلى تفاصيل حياتي قبل هذا الموعد، بكيت يا سادة، وشرعت في كتابة هذه الخواطر.

 

رجعتُ إلى طفولتي وإلى براءتي، رجعتُ إلى بكائي إن لم يشترِ لي والدي لعبةً كنت قد لمحتها في متجر ما أثناء تسوُّقه مع والدتي، رجعتُ إلى حبي لتملّك الأشياء ورميها بعد ذلك، رجعتُ إلى العصير الذي كنتُ أعشقه، وإن قامت والدتي بسكب الماء لي، فاشهد يا أخي بكاءً ما بعده بكاء، وحالةً من الحزن والتراجيديا البريئة؛ لأن الماء لم يكن ملوناً، فأنا أريد العصير، أما هذا الماء فلن يشبع رغباتي، التزمت الصمت قليلاً، وعصرت الذاكرة أكثر فأكثر؛ لأصل إلى والدي وطبق الأرز، فلم أكن من الثلة التي تعشق الأكل كثيراً في صغرها، وإكمال طبق الطعام حتى آخره لم يكن في قاموسي، فرجعت لوالدي ولحنانه الفيَّاض، فلم يكن ديكتاتوراً يجبرني على إكمال الطبق باستخدام الترهيب والصراخ، وإنما كان يشكل الأرز على شكل دائرة، ويأخذ من هذه الدائرة ملعقة تلو الأخرى، وفي أثناء هذا كان يداعبني ويقول لي: (يلّا يلّا هينا خلصنا وصغرت الدويرة).

 

رجعتُ إلى أمي مرةً أخرى، وإلى فترة رضاعتي منها والتي تعدَّت السنتين، ورجعت إلى تعلُّقي الشديد بها، حتى إنها كانت تقول لي: «ضليت تنام في غرفتي لمرحلة متأخرة جداً لشدة هذا التعلق»، قفزت في ذاكرتي إلى أبي أثناء هذا الصمت والتأمل، وكيف كان يأخذنا عند بداية كل فصل دراسي، وذلك من أجل شراء الأدوات المدرسية وما إلى ذلك، وكم كانت تغمرني السعادة في كل مرة نذهب فيها لقضاء هذه الحاجات، ويا إلهي كم أفتقدها وأتبعثر في مكاني قطعاً كلما خطرت على بالي!

وفي فضاء هذه الذاكرة، تشع شمس إخوتي، وعلى رأسهم أختي الكبيرة «رانيا» فكم كنت أحبها وكم كانت تحبني أيضاً، أذكر اللحظات التي أخذتني فيها إلى السينما، وقد كانت أول مرة أحضر فيها فيلماً، واشترت لي حينها بعض الحلوى والفيشار أيضاً، وقد أحسستُ بكمّ الحنان الموجود في داخلها، أخذتني أيضاً إلى سكنها الجامعي، وعرفتني على صديقاتها، فأنا هذا الأخ الصغير المدلل! ومن بعدها أقبلت «رزان» صاحبة الإحساس المرهف، التي كانت تملك قدرةً هائلة على إضحاك من حولها، وقد كانت مديرة كل ما يخص العائلة من تنسيق وتقديم للمشاريب الساخنة والحلوى، فلا أحد يتعدى على منطقتها البتة.

 

 

بطل الذاكرة والحكاية هو أخي الكبير «رشيد» الذي ترك أثراً في حياتي لازمني لهذه اللحظة، كان ذلك الإنسان القوي والشجاع، وأنا في صغري لم أكن كذلك، تعريفي للإحساس بالأمان عندما أكون بجانبه، وما زلت أذكر ذلك العراك مع بضعة من الأولاد، انقضّ أخي عليهم كالنسر، وأنا أشاهد ما يحدث! لم يحطّمهم أو لم ينتصر، وإنما كان هذا الشرر في عينيه يقدح قدحاً، لم يكمل عامه الرابع عشر -إن لم تخُنّي الذاكرة- ومع هذا كان مقداماً وكالفارس المغوار في نظري حينذاك، عضضت أصابعي ندماً كيف لم أشاركه وأدافع بالمثل، ولكنه أصبح درساً وأثراً تركه في داخلي وإن كان لا يدري في وقتها، تعلمت منه الجرأة في كل شيء، وعيبها الوحيد هو الانفعال في حالة احتدام الصراع في بعض المواقف، ولكن، وعلى الرغم من هذا بقي هذا الأثر ليتطور بعدها إلى شيء من الثورية والتمرد في داخلي، ويبقى هو صاحب الفضل من بعد الله جلَّ وعلا.

 

سيطرت ذاكرتي على العائلة في المقام الأول، ولكنها لم تنكر بعض الأشخاص أيضاً، وتحديداً شيخي في المسجد المجاور لمنزلنا، الذي كان يدعى (أبو محمود) ولكن اسمه الحقيقي كان (سيزار) وقد سمّي بهذا جراء نذر كان قد نذره والده المقيم في البرازيل، وعلى كل حال، انتقلت إلى دروس ما بعد صلاة المغرب التي أذكر معظمها، وتحديداً مناقشة كتاب الأستاذ فتحي يكن، هذا الكتاب الذي يوضح المنهج الدعوي على أصوله وببساطة عجيبة، فلشيخي الأثر الكبير في زرع هذه البذرة الصالحة، ولله الحمد أولاً وأخيراً، وتسخير أشخاص كهذه هو من لطف الله بك ورحمته.

 

كرة القدم بعد صلاة الفجر، وتنس الطاولة، والأوراد القرآنية كل يوم والتكثيف منها إبان فترة الصيف والعطل المدرسية، مضت بي الأيام والسنون، وابتعدت عن شيخي، وهو ابتعد في المقابل لأسباب لا أستطيع الإشارة إليها هنا، وصلت إلى الثانوية وأحداثها والتي لم تكن جيدة مقارنةً بما سبقها، ففترة المراهقة هذه أحياناً تعطيك حماساً أرعنَ لا داعي له في المجمل، ولكنه سبب أيضاً في إرجاعك لجادة الصواب والحق، ففي نهاية المطاف كل حدث فيه حكمة وإن لم تكن تدركها في ذات اللحظة.

 

بدأت المرحلة الجامعية، وبدأت رحلة التضارب في عقل العبد الفقير، ابتعدت عن تعاليم ديننا برهةً ليست ببسيطة، ولكنها كانت بيني وبين نفسي، كنت أصارع اثنين؛ الأول الذي تربى على يد الصالحين وأهل الدعوة، والثاني الذي يقرأ في الفلسفة وتوظيف العقل ورفض النقل، وكي لا أطيل انتهى بي الأمر ملتزماً، ولكن لم تذهب الوجبة الدسمة الفلسفية التي تجرَّعتها، وصرتُ أحاول -وما زلت- أن أعطي صورةً تربط بين الدين والفلسفة وهذا على غرار الكثيرين ولعل بيغوفيتش هو عرَّابهم!

 

إحدى الصواعق التي صادفتني هي عبارة وجَّهها لي أحد أصدقائي في الجامعة، ومع أنها كانت قاسية وجارحة، إلا أنها جعلتني ما أنا عليه الآن، جعلت منّي أحاول بشتى السبل، ولعل الكتابة هي خلاصي ورسالتي لأخرج من قوقعتي التي لازمتها طويلاً، فقد قال لي: (ومن تظن نفسك يا فتى، أنت ستظل قابعاً مجهولاً ودعك مما تقول)، هذا القدح المفاجئ في وجهي، ومن دون رحمة كان السبب كي أنهض بنفسي متحدياً ما قاله! ويكفي الإنسان أن يحاول فيما يرى نفسه جيداً فيه، ولعله يأتي هذا اليوم وأكون قد وصلت إلى ما أطمح إليه، نافعاً أمة محمد عليه الصلاة والسلام.

 

قلت في البداية إنني سأبتعد عن حزن هذا الموقف، وعن حزن الثلاثين هذا! وقلت لنفسي إن الأجدر بي أن أكتب هذه الومضات السريعة لأذكر فيها نفسي بما فعلت، وهل أنا كما أردت أن أكون؟ لا أظن ذلك، وما زال أمامي الكثير إن شاء الله لي! طفولتي وعواطفها، أبي وأمي، إخوتي، شيخي، وأصدقائي الصالح منهم والطالح، كل هؤلاء كانوا أبطال هذه الذاكرة، وهذا المقال، كانوا هم كتاب ثلاثين سنة من حياتي، هم من أعطوا النصوص، وأنا الذي تصرفت معها بما آتاني الله، وقد قال ألدوس هكسلي يوماً: «الخبرة ليست بعدد السنين، وإنما بما فعلته في هذه السنين وكيف تصرفت خلالها».

أشكر ذاكرتي التي لم تخُني أثناء الكتابة، وفي ختامها سأسألها: «هل أنا حقاً أنا؟».

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
يوم أن أكملتُ الثلاثين من عمري!