الأحد, 20 يناير 2019

أنقذوا أختي لجين من سجون السعودية

حين يزور وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو المملكة السعودية يوم الأحد 13 يناير/كانون الثاني، من المتوقَّع أن يناقش قضايا اليمن وإيران وسوريا وأن «يطلب آخر الأخبار عما وصل إليه التحقيق في مقتل الصحفي جمال خاشقجي».

وقد أذهلني ما لم يكن مُدرَجاً في خط رحلة بومبيو: الناشطات الشجاعات في السعودية، اللائي يُحتَجَزن في سجون المملكة لمطالبتهنَّ بالحقوق والكرامة. وأنا أعتبر لامبالاة بومبيو أمراً شخصياً بالنسبة لي لأن إحدى أولئك النساء المحتَجَزات، لُجين الهذلول، هي شقيقتي. لقد عملَت بلا كللٍ ولا مللٍ للحصول على حق النساء السعوديات في قيادة السيارات.

أنا أعيش في إقليم بروكسل العاصمة البلجيكية. وفي يوم 15 مايو/أيار الماضي، تلقَّيت رسالةً من عائلتي مفادها أن لُجين قد أُلقِي القبض عليها داخل منزل والدَيَّ في الرياض، حيث كانت تقطن. فأُصِبت بصدمةٍ وارتباكٍ لأن حظر قيادة النساء السعوديات للسيارات كان على وشك أن يُرفَع.

 

وعجزنا عن معرفة سبب اعتقالها ومكانه. ويوم 19 مايو/أيار، اتهمتها وسائل الإعلام السعودية هي وخمس نساءٍ مُعتَقَلاتٍ أُخرَياتٍ بالخيانة. ونقلت صحيفةٌ مواليةٌ للحكومة تصريحاتٍ من مصادر تتنبأ بالحُكم على هؤلاء النسوة بالسجن لما يصل إلى 20 سنةً، أو حتى بالإعدام.

وكانت لُجين قد أُلقِي القبض عليها للمرة الأولى في ديسمبر/كانون الأول من عام 2014، بعد أن حاولت قيادة سيارةٍ من الإمارات إلى السعودية. ثم أُفرِجَ عنها بعد حجزها أكثر من 70 يوماً ومُنِعَت من السفر لعدة أشهرٍ.

وفي سبتمبر/أيلول 2017، أعلنت الحكومة السعودية عن رفع الحظر على قيادة النساء للسيارات في يونيو/حزيران التالي. وتلقَّت لُجين اتصالاً قبل الإعلان من أحد المسؤولين في البلاط الملكي ينهاها عن التعليق أو حتى الحديث عن الأمر على وسائل التواصل الاجتماعي.

ثم انتقلت لُجين إلى الإمارات وبدأت كتابة رسالة ماجستير في الأبحاث الاجتماعية التطبيقية بمقرِّ جامعة السوربون في أبوظبي. ولكن في مارس/آذار أوقفها بعض ضباط الأمن أثناء قيادتها سيارتها، ووضعوها على متن طائرةٍ ونقلوها إلى سجنٍ في الرياض، العاصمة السعودية. وبعد بضعة أيامٍ أُخلِي سبيلها، ولكنها مُنِعَت من السفر إلى خارج المملكة وتلقَّت تحذيراً من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

 

ثم جاء القبض عليها في مايو/أيار الماضي. وكنت آمل أن يُطلَقَ سراح لجين يوم 24 يونيو/حزيران، تاريخ رفع الحظر عن قيادة النساء للسيارات. وقد هلَّ هلال ذلك اليوم المجيد، وكنت مبتهجةً برؤية النساء السعوديات وراء عجلات القيادة.

لكن لم يُطلَق سراح لجين. والتزمت الصمت، أملاً في أن يحميها صمتي. وفي تلك الفترة، أدهشني وجود توجُّهٍ مُظلِمٍ على وسائل التواصل الاجتماعي في السعودية. إذ كان يُلَقَّب بالخيانة أي مَن ينتقد أو يُعَلِّق على أي شيءٍ مرتبطٍ بالسعودية. ومع أن السعودية لم تَشهَد طوال تاريخها ديمقراطيةً، فهي لم تكن دولةً بوليسيةً كذلك.

كتمت أفكاري وغمِّي لنفسي. ومن مايو/أيار حتى سبتمبر/أيلول، وُضِعَت لجين في الحبس الانفرادي. وأثناء المكالمات الهاتفية القصيرة التي سُمِحَ لها بإجرائها أخبرتنا بأنها محتَجَزةٌ في فندقٍ. سألتها: «هل أنت في ريتز كارلتون؟» فضحكت وقالت: «لست بمكانة الاحتجاز في ريتز، ولكنه فندق».

 

وفي منتصف أغسطس/آب، رُحِّلَت لجين إلى سجن ذهبان في جدة، وسُمِحَ لوالدَيَّ بزيارتها مرةً في الشهر. ورأى والداي أنها كانت ترتعد دون توقفٍ، عاجزةً عن تمالُك نفسها، ولا السير ولا الجلوس بصورةٍ طبيعيةٍ. وألقت شقيقتي القوية الصبورة باللوم على مكيِّف الهواء وحاولت طمأنة والديَّ على أنها ستكون بخيرٍ.

وبعد مقتل جمال خاشقجي في أكتوبر/تشرين الأول، قرأت تقارير تزعم أن عديداً من المُحتَجَزين بأمر الحكومة السعودية بفندق ريتز كارلتون الرياض يتعرَّضون للتعذيب.

وراح أصدقائي وأقاربي يهاتفونني ويراسلونني يسألون إن كانت لُجين هي الأخرى قد تعرضت للتعذيب. فصُعِقتُ من هذه الفرضية. وتساءلت كيف للناس أن يظنوا أن امرأةً قد تتعرض للتعذيب في السعودية. واعتقدت بأن الأصول الاجتماعية في السعودية لن تسمح بهذا.

ولكن بحلول أواخر نوفمبر/تشرين الثاني، كتبت منظمتا Human Rights Watch وAmnesty International تقارير عن أن كُلاً من النشطاء السياسيين والحقوقيين الإناث والذكور يتعرضون للتعذيب في السجون السعودية. وذكرت بعض التقارير وقوع حوادث اعتداءٍ جنسيٍّ.

 

وفي ديسمبر/كانون الأول، زار والداي لجين في سجن الذهبان. وسألاها عن تقارير التعذيب، فأجهشت بالبكاء. وقالت إنها تعرضت للتعذيب بين مايو/أيار وأغسطس/آب، حين لم يكن مسموحاً لأحدٍ بزيارتها.

وأبلغتهما بأنها وُضِعَت في حبسٍ انفراديٍّ، وضُرِبَت، وعُذِّبَت بالماء، وبالصواعق الكهربية، وتعرَّضَت للتحرُّش الجنسي، وهُدِّدت بالاغتصاب والقتل. ثم رأى والداي أن فخذيها مسودَّان من أثر الكدمات.

وقالت لجين إن سعود القحطاني، أحد كبار المستشارين الملكيين، كان حاضراً في مراتٍ عدةٍ أثناء تعذيبها. وأحياناً كان القحطاني يضحك عليها، وأحياناً كان يهدد باغتصابها وقتلها والإلقاء بجثتها في المجارير. وتابعت بأن القحطاني، برفقة ستةٍ من رجاله، عذَّبوها طوال الليل في شهر رمضان، شهر الصيام عند المسلمين. فأرغم لجين على تناول الطعام معهم، حتى بعد بزوغ الفجر. وسألتهم إن كانوا سيستمرون في تناول الطعام طوال النهار في رمضان. فأجاب أحد رجاله: «لا أحد يعلونا منزلةً، ولا حتى ربنا».

 

وبعد نشر التقارير عن تعذيبها، زارها وفدٌ من هيئة حقوق الإنسان السعودية. وأخبرت الوفد بكل ما تعرضت له. وسألتهم إن كانوا سيحمونها. فكان ردُّ الوفد: «لا نستطيع».

وبعد بضعة أسابيع، زارها مُدَّعٍ عامٌّ لأجل تسجيل شهادتها عن التعذيب. وبعد مقتل خاشقجي، جادلت السعودية بأن المسؤولين يرتكبون الأخطاء ويسيئون استغلال سلطتهم في بعض الأحيان. ومع ذلك فما زلنا بانتظار تحقيق العدالة.

كنت لأفضِّل كتابة هذه الكلمات بالعربية، في صحيفةٍ سعوديةٍ، ولكن بعد القبض عليها نشرت الصحف السعودية اسمها وصورَها ولقَّبتها بالخائنة. وقد تستَّرت الصحف ذاتها على أسماء الرجال الذين قد يُحكَم عليها بالإعدام لقتل خاشقجي وصورهم.

حتى اليوم، أنا حائرةٌ بين الكتابة عن لُجين، والخوف من أن يعرِّضها الحديث عن محنتها لأذى. لكن هذه الأشهر الطوال وانعدام الأمل لم ينتج عنها إلا أن زاد يأسي في أن أرى إلغاء حظر السفر المفروض على والدَيَّ المقيمَين في السعودية، وأن أرى إطلاق سراح شقيقتي الشجاعة.

 

– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Times الأميركية.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
يوم أن قابلتُ لجين الهذلول وزوجها فهد البتيري في لوس أنجلوس
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
أنقذوا أختي لجين من سجون السعودية