السبت, 19 يناير 2019

سيناريو «الأسد الجيد»

غنيّ عن الذكر أن التصورات المطروحة لمستقبل سوريا لا تأخذ في الاعتبار تطلعات السوريين أنفسهم، وحتى إذا أخذنا في الحسبان الانقسام السوري فإن التصورات المطروحة لا تكترث بالوصول إلى تسوية تضمن مصالح الجماعات السورية الكبرى. الإبقاء على بشار، وفق هذا المعيار، وإن حقَّق رغبة مؤيديه إلا أنه يأتي ضمن حسابات خارجية ليس إلا، ولن يكون من أجل مصالح المؤيدين، هذا إذا افترضنا زوراً أن بشار نفسه يكترث بها.

لقد اكتمل فعلياً طرد السوريين من ساحة الصراع، من خلال مصادرة مشروع التغيير، ومن خلال الاستيلاء الحثيث عليهم وتحويلهم إلى أدوات في الصراع الدولي والإقليمي. وإذا برزت خلال السنوات الأولى ما تُسمى «عقدة بشار» فقد تم تصفيرها منذ بدء التدخل الروسي، إنما على قاعدة النيل من قوته الذاتية لصالح حلفائه ومصادرة قراره، حيث أصبح معتاداً إطلاق المواقف بالأصالة عنه من موسكو أو طهران. ما تتفق عليه السيناريوهات المطروحة، والمتصارعة، هو الإبقاء على بشار بعد نزع مخالبه، بالتزامن مع تمكينه من السيطرة على كافة المناطق السورية.

السيناريو الروسي يطمح إلى استئناف وتطوير تصور إيراني سابق، تبقى فيه هيكلية السلطة الأمنية «الجيش والمخابرات» خاضعة لقبضة مركزية، على أن تكون هذه القبضة تحت سيطرتها. في المقابل يمكن إدخال تعديلات على الجانب المدني، لجهة تطوير مفهوم الإدارات المحلية، وأيضاً لجهة الاعتراف بالحقوق الثقافية والدينية لبعض المكونات. ذلك يتضمن إرضاء الأكراد على سبيل المثال، إلا أنه يتضمن أيضاً إرضاء بعض التنظيمات الإسلامية بإعطائها بعض الميزات في بعض المناطق، فضلاً عن تكريس مبدأ مشاركة جميع الأطراف في الحكومة المركزية التي ستبقى ضعيفة ما دامت هي مجردة من صلاحيات الإشراف على الجيش والمخابرات.

«الأسد الجيد» من وجهة نظر دول الخليج الأخيرة هو الخارج عن النفوذ الإيراني، ووجهة النظر هذه داعمة إجمالاً للتصور الروسي، باستثناء معارضة إعطاء مكاسب للتيار الإسلامي. ما تسرب إعلانه من مواقف تلك الدول ينص أيضاً على إبعاد بشار عن صفقة محتملة مع أنقرة، أي أن المطلوب منه الاكتفاء بالوصاية الروسية، على أن تتولى الأخيرة إبعاد أنقرة سلماً أو حرباً، لقاء جزرة إعادة الإعمار التي لا يوجد من يتكفل بها سوى الأموال الخليجية.

واقعياً، الأسد الجيد من وجهة النظر هذه هو نفسه بشار ما قبل عام 2011، أي ما قبل استنجاده بالإيرانيين، والوقوع تحت سطوتهم المباشرة، رغم وجود نفوذ إيراني في تلك المرحلة. الفكرة الأساسية التي تحكم هي محو آثار ثماني سنوات من الصراع، وكأنه لم تكن هناك ثورة أصلاً، فلا توجد مطالب أخرى من الأسد، باستثناء ما يلوّح هو نفسه بقبوله، أي إشراك أشخاص احتُسبوا على المعارضة في الحكومة، مع الاحتفاظ المطلق بالقرار الأمني. تعوّل دول الخليج التي بدأت التقارب مع بشار على شهيته العارمة إزاء أموال إعادة الإعمار، مع إدراكها أن مصيرها سيكون كمصير المساعدات القديمة التي قدّمتها له ولأبيه من قبل. الفهم الأساسي وراء ما يُسمى «إعادة الإعمار» هو شراء الولاء ممّن عُرف بفساده، على أمل أن يدرك «بعد انتهاء حاجته إلى الميليشيات الشيعية» انسداد الأفق للتكسب من الاقتصاد الإيراني الضعيف كما كان الأمر أثناء الصراع العسكري.

لا يختلف الأسد الجيد أمريكياً، أو بالأحرى ترامبياً، عن التصور الخليجي الذي سبق، باستثناء التركيز الأمريكي التقليدي على المصالح الإسرائيلية. واشنطن تريد بقاء بشار لكن خارج المظلة الإيرانية، وأيضاً مع تحجيم النفوذ التركي ما أمكن. لا حسابات خاصة لواشنطن في سوريا، ولا اشتراطات لديها على شكل الحكم القادم، ولا رغبة خاصة لديها في تعويم بشار خارجياً بناء على تجميل نظامه، فهي لا تريد منه سوى العلاقة الاستخباراتية القائمة تقليدياً «التي ربما لم تنقطع» جراء انخراطه المزدوج في ملف الإرهاب. أما إسرائيلياً فالعلاقة الدافئة بين تل أبيب وموسكو تريح واشنطن من عبئها، والوجهة الأهم فيها تحجيم قوة حزب الله بعد أن استُنزف في الحرب على السوريين.

ثمة «أسد جيد» تركياً أيضاً، رغم تفضيل أنقرة رحيله، وربما أملها أن يضطر بوتين إلى ذلك لاحقاً. الهواجس التركية تتمحور حول الفرع السوري من حزب العمال الكردستاني الذي تصنّفه إرهابياً، وتتمحور تالياً حول عدم استفادة أكراد سوريا من أي تغيير على منوال مكاسب إقليم كردستان العراق، إثر التدخل الأمريكي. ما تريده أنقرة من الأسد السماح لها بحرية التحرك ضد الجناح السوري لحزب العمال، على غرار حريتها في التحرك أثناء السنوات الأخيرة من حكم صدام حسين، أو أن يتولى هو إقفال هذا الملف الذي ساهم أصلاً في تنشئته، ومن ثم تمكينه بعد الثورة للضغط على تركيا.

بدرجة أقل أهمية تريد حكومة أردوغان استئناف مشروعها القديم بالمصالحة بين الأسد والإخوان، على قاعدة إشراك الإخوان في السلطة، وتعتبر أن من حقها المقايضة بورقتين هما الفصائل التابعة لها التي تحولت من قتال الأسد إلى قتال الأكراد، وورقة اللاجئين الذين تستضيف العدد الأضخم منهم.

ما تتفق عليه الأطراف السابقة جميعاً تفضيلها «الاستقرار» على التغيير، ولنا أن نتذكر سؤال «البديل عن الأسد» الذي ظل يُطرح هنا وهناك حتى انتفى موضوعياً بقضاء أصحاب السؤال على الفكرة من أساسها.

الحق أننا إذا نحينا اعتبارات الأخلاق والعدالة فلن نجد بديلاً موضوعياً عن بشار سواه، فالتأسيس اليوم هو لمرحلة من الصراع على النفوذ أو اقتسامه، تستدعي تفريغها من إرادة السوريين، وتستدعي وجود مقاول محلي متحفز لإرهاب السوريين وقمع إراداتهم، بمشاركة أدنى من قبل مقاولين صغار لدى قوى إقليمية مثل الخليج وتركيا. إلا أن الفشل قد لا يكون قدَر السوريين وحدهم، وإذا نظرنا شرقاً وغرباً إلى التجربتين اللبنانية والعراقية فسنرى عجز الخارج عن تحقيق الاستقرار الذي ينشده رغم فائض النفوذ في الحالتين، فكيف سيكون الحال سوريّاً مع فائض غير مسبوق من الجريمة؟

المدن

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
سيناريو «الأسد الجيد»