الأربعاء, 23 يناير 2019

حينما طلبوا مني المشاركة في الانتخابات الأمريكية رغم أني مواطن مصري!

في الانتخابات التشريعية التي أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية في شهر نوفمبر الماضي والتي حقق فيها الديمقراطيون فوزاً يعتبره البعض جيداً ويراه الآخر ليس كذلك، ولكل وجهة نظره التي تحترم، لكن دعني عزيزي القارئ أذهب بك بعيداً إلى أمر ليس له علاقة بالنتائج، بل له علاقة بالسباق الانتخابي.

دعاني أحد أصدقائي الكرام ممن له علاقة بالعمل المجتمعي هنا في الولاية التي أعيش فيها في الولايات المتحدة الأمريكية، وللأمانة فهي ولاية تعد من أقل الولايات في أمريكا من حيث مستوى المعيشة والتعليم والصحة، ولكن تمهّل عزيزي القارئ فأنا أرى خيالك قد ذهب بعيداً بعيداً، وبدأت تظنني أحدثك عن ولاية فقيرة كالمحافظات الفقيرة في مصر التي تنقصها المرافق الأساسية، كلا عزيزي، عندما أقول لك من أقل الولايات في أمريكا فإنني أقصد مقارنة بغيرها من الولايات، ولا يمكن أن تقارن حتى بعواصم معظم الدول العربية فهي أفضل بكثير من معظمها.

 

لكن ليس هذا هو المهم عزيزي القارئ، المهم أن الشخص دعاني بحكم عملي كقيادي ديني للجالية المسلمة في هذه الولاية، حاولت أن أشرح لصديقي أنني ربما لست معنيّاً بهذه الانتخابات حيث إنني لا أحمل الجنسية الأمريكية، وبالتالي لا يحق لي التصويت في هذه الانتخابات، فقال لي صديقي (وهو مهاجر قديم إلى الولايات المتحدة، وحاصل على الجنسية) إن الأمر لا علاقة له بكونك تحمل الجنسية الأمريكية أو لا، بل الأمر له علاقة بأصواتنا التي يجب أن يسمعها المسؤولون هنا، فقلت له وتُرى عن أي شيء تريد أن تتحدث في هذا اللقاء أو المؤتمر الانتخابي، فقال نريد أن نتحدث عن أمرين مهمين: الأول منهما، الأطفال وحقهم في التعليم المجاني المبكر لمرحلة ما قبل الصف الأول الابتدائي، إذ إنه يتوجب عليك الدفع إن أردت إلحاق ابنك بحضانة أو نحوها، والأمر الثاني هو أن الشباب الذي يكون في مرحلة الثانوية العامة يحتاج إلى برامج تثقيفية حول كيفية اختياره تخصصاً ما في الجامعة، وكذلك يحتاج الطالب في هذه المرحلة المتغيرة من حياته لبرامج متخصصة لانتشاله من الضياع والمخدرات والاكتئاب والجريمة ونحوها، إذ إن الطالب يُنهي الثانوية ولا يدري ما التخصص الذي يريده، كذلك يمر في هذه المرحلة بتغيرات في سلوكياته وطباعه تودي به في الغالب إلى الضياع وربما غياهب السجون.

 فقال لي صديقي نريد أن تصل أصواتنا للمسؤولين ليعلموا أنه لا غنى لنا عن الاستثمار في أولادنا وانتشالهم مما قد يؤثر على مستقبلهم وحياتهم الطبيعية، فهم مستقبل هذا البلد ومِنْ غيرهم لن تقوم للأمة قائمة.. فنظرت إليه نظرة حزن وأسى، وبدأت أسترجع في ذهني وفي خاطري حال شبابنا في مصر وما نرجوه لهم من الحكومة والمجالس التشريعية، وما يرجوه هم لأنفسهم من بلدهم التي سيصبحون مستقبلها يوماً ما.

 

تأملت شبابنا وهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: قسم متفائل يحب أن يرى بلده في خير مكان، ويأمل أن ينتشلها من ظلمات الجهل والتخلف والقمع والفساد، ومعظم هؤلاء يقضي ريعان شبابه في السجون، نعم عزيزي القارئ في السجون، شاب في الثامنة عشرة وفي التاسعة عشرة من عمره تكافئه بلده بالسجن، لماذا؟ هل لأنه سرق؟ أو اغتصب؟ أو تعاطى المخدرات؟ كلا والله بل لأنه حاول أن يحلم بمستقبل أفضل لبلده، حاول أن يشارك ولو بفكرة أو رأي، حاول أن يعترض، حاول أن يعبر عن رأيه سياسياً فقط، أو حاول ممارسة حقوقه التي كفلها له الدستور والقانون، كالتظاهر والكتابة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

أعرف شاباً منهم أنهى الثانوية العامة في السجن! لماذا لأن قناة معارضة عرضت عليه أن يعمل مراسلاً لها، فرفض الشاب العرض، خوفاً من أن يُتهمَ من بلده بالخيانة والعمل مع العدو! قام هذا الشاب بتصوير بعض اللجان الانتخابية وهي فارغة من الناخبين في المسرحية الهزلية التي سُميت انتخابات الرئاسة التي جرت في أوائل العام الجاري، فألقي القبض عليه ومازالت النيابة تجدد له ٤٥ يوماً في ٤٥ يوماً منذ 7 أشهر.. وهَلُمَّ جراً، يقضي شهوراً بين المجرمين والجنائيين من دون تهمة.

 

تحطيم للشباب وإنهاء لمستقبلهم وصناعة فشل لهم باقتدار، ثم يخرج علينا رئيس الدولة يسأل عن سبب فشل الشباب وعدم مشاركتهم في تحمل المسؤولية..

يحدثنا عن أن المصريين يكذبون، كما قال في احتفال المولد النبوي الأخير، يحدثنا عن سلبياتنا وكأننا قدمنا من عالم آخر، ولم يعتقد ولو لمرة واحدة أنه سبب كبير هو ومن سبقوه من العسكر في هذه السلوكيات بسبب القمع، ولكن إن عرف السبب بطل العجب.

وقسم من الشباب يرى في منافقة السلطة مستقبلاً باهراً، تتحقق لك فيه المنفعة، وتصل لأعلى المراتب في الدولة، تحصل على وظيفة أو ترقية أو منحة أو علاوة، إن رأيت أحداً يتحدث ضد الرئيس أبلغ السلطات عنه فوراً، لا تكن من أعداء الوطن، يتم استضافتك في مؤتمرات الشباب ومؤتمرات التكنولوجيا ومؤتمرات اسأل الرئيس.

 

وقسم ثالث من الشباب أصبحت لا تعنيه البلد في شيء، محبط مكتئب معتزل لكل ما هو أمر عام، ينظر لمجتمعه بسلبية، لو نشب حريق أمام عينيه لأغمض عينيه وولى مدبراً، لو سمع صراخ مستغيث لأغلق أذنيه، لو رأى فساداً لأدار له ظهره وكأن شيئاً لم يكن، مبدؤه (ابعد عن الشر وغني له).

هذان الصنفان الأخيران تحبهما الحكومة وتبني عليهما رؤيتها وسياستها، تتمنى من الشباب أن يسيروا على نهجهما، هم أحبة للوطن، وغيرهما (هم العدو فاحذرهم).

قال لي صديقي هل ستأتي معي إلى المؤتمر الانتخابي فنظرت إليه بنظرة أمل وتفاؤل وقلت له نعم، سأوصل صوتي للمسؤولين في بلد أعتبره بلدي وأطمح أن أكون جزءاً منه في المستقبل.

ذهبنا بعدها بأيام وتلك قصة أخرى لا يتسع المقام لذكرها في هذا المقال، فهي ما سأقصه عليك عزيزي القارئ في الجزء الثاني من هذا المقال.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
أنقذوا أختي لجين من سجون السعودية
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
حينما طلبوا مني المشاركة في الانتخابات الأمريكية رغم أني مواطن مصري!