الأربعاء, 23 يناير 2019

كيف تجلت المهانة العربية مجدداً في عين الأسد؟

في الرابع والعشرين من شهر شباط (فبراير) من العام 2012، احتضنت تونس الدورة الأولى لاجتماعات مجموعة أصدقاء سوريا أو الشعب السوري. كانت الفكرة فرنسية بالأصل بحث لها نيكولا ساركوزي والغرب على أرض عربية للتنفيذ حتى يبدو الأمر يقظة في الضمير العالمي، دعما لشعب اختار الثورة فواجهه الحاكم المستبد بالبراميل المتفجرة وبالحديد والنار. وقتها كانت تونس/ الثورة قد قررت طرد السفير السوري، وإغلاق تمثيليتها بدمشق بالنظر إلى إسراف قوات النظام الأسدي في تقتيل الشعب ومناضليه. 

أشار البيان الختامي للمؤتمر إلى التزام المشاركين بـ «اتخاذ الخطوات المناسبة لفرض القيود والعقوبات على النظام السوري وأعوانه». وشملت العقوبات المقترحة «حظر السفر على أعضاء النظام وتجميد أرصدتهم، ووقف شراء النفط والاستثمارات في سوريا والمعاملات المالية معها، وخفض مستوى التمثيل الديبلوماسي». كما أعلن المؤتمر أن «مجموعة الأصدقاء تعترف بالمجلس الوطني السوري كممثل شرعي للسوريين الساعين إلى إحداث تغيير ديمقراطي سلمي». 

كانت الجزائر حاضرة هناك ومعها المغرب وموريتانيا وليبيا والعراق والأردن والكويت وعمان وقطر و»ثلاثي القرح العربي» مصر والإمارات والسعودية والملحقة التابعة البحرين.

لم تمر إلا سنوات قليلة حتى هرول الرئيس السوداني عمر البشير إلى دمشق زائرا كأول رئيس عربي منذ العام 2011، تلاه إعادة فتح السفارة الإماراتية المغلقة منذ ثماني سنوات، ومعه السفارة البحرينية بالمناسبة، في انتظار اكتمال نصاب الرباعية على يد مصر والسعودية، التي كان وزير خارجيتها السابق ينتشي بالحديث عن أن لا مكان للأسد في العملية السياسية بسورية الجديدة. 

غادر الجبير مضطرا منصبه بالرغم من تغير لهجته، صدى أسياده، فالدول العربية صارت تطمح إلى «استعادة دمشق إلى الحضن العربي» في إطار الترتيبات الإقليمية الساعية إلى محاصرة الإيرانيين. وليس أدفأ من حضن من جامعة الدول العربي،ة بعد أن تخلصت دولها من توابع «ربيع» كاد يقضي على أنظمة جاثمة على صدور الشعوب، ولا تزال في الجمهوريات قبل الممالك والإمارات.

في تونس، التي شهدت انطلاق مؤتمر الأصدقاء وقبلها انطلاقة «الربيع»، سيتكرس انتصار مشروع الثورة المضادة بدخول «الأسد» إلى قاعة الدورة القادمة للـ «قمة» العربية، مسدلا الستار على فصل كامل من التاريخ العربي الحديث، وعن طموحات شعوب فشلت في تحقيق النصر في مواجهة المستبدين وداعميهم من الشرق والغرب على حد سواء. 

قبلها يطمح النظام السوري في العودة إلى «الحضن العربي» عبر بوابة القمة الاقتصادية التي ستشهدها لبنان نهاية الشهر الجاري. جبران باسيل قال إن لبنان «ليس صاحب القرار» في دعوة سورية للقمة الاقتصادية «لكن بإمكانه المبادرة إلى والعمل من أجل حضورها.. ومصلحة لبنان تكون بوجود سوريا في الجامعة العربية». 

من نفس المحبرة الجديدة صرح المبعوث الرئاسي التونسي المكلف بدعوة ميشيل عون للـ «القمة» قائلا: «أمر سوريا لا يتعلق بتونس بل بالجامعة العربية، وإذا كانت الجامعة سترفع التعليق فنحن سنكون مسرورين جدا بأن تنضم سوريا إلى الأمة العربية؛ لأن سوريا لا يمكن أن تكون خارجها». مطارات تونس سبقت القرار العربي وبدأت في استقبال الطائرات السورية وسائحيها في وقت تدرس فيه الإمارات الخطوة ذاتها. 

الأكيد أن قرارات الأنظمة العربية، التي لا تقل شراسة عن النظام الأسدي في قمع شعوبها، لم تكن يوما قرارات سيادة. كما أن إعادة العلاقات لن يكون أيضا قرارا سياديا ففاقد الشيء لا يعطيه. 

الحديث عن خطة خليجية إسرائيلية، بأدوات من شمال أفريقيا وبقية مناطق الخصاص والحاجة في الجغرافيا العربية، يؤكد أن الأوامر صدرت وفق ترتيبات القوى العالمية المؤثرة والممسكة بزمام الأمر في سوريا وغيرها، بتحريك البيادق وفق المصالح الأجنبية في المنطقة دعما للقرار الأمريكي بسحب القوات، وما سيتلوه من إعادة ترتيب أوراق النفوذ داخل سوريا وإعادة تأهيل رئيس، كان إلى وقت قريب «حيوانا» و»سفاحا» منبوذا، قبل أن يتحول إلى مفتاح من مفاتيح الحل الذي طال انتظاره ولم يأت لا بدعم المعارضة المسلحة، ولا بدخول داعش طرفا رئيسيا في المعادلة ولا بغير ذلك من التحركات الجماعية والفردية، التي انكسرت على صخرة الكفيلين الروسي والإيراني بقواته النظامية ومليشياته المسلحة.

يعتقد كثيرون أن رحلات «الحج» المتتالية إلى دمشق ومعها دعوات تطبيع العلاقات انتصار للنظام الأسدي، وهي فعلا كذلك. لكن ما جدوى «الانتصار» على جثة بلد تمزقت أوصاله ودمرت بنيته التحتية ومدنه وتفسخت علاقات مكوناته الإثنية والاجتماعية والدينية؟ قد يعود الأسد إلى الجامعة العربية وإلى غيرها من المنظمات الإقليمية، لكن سوريا هي التي لن تعود يوما «سيدة» على ترابها ومستقلة بقرارها. عندما قصفت طائرات إسرائيلية قبل أسابيع ضاحية دمشق، لم نسمع غير وزارة الخارجية الروسية تحتج على أن الأمر «انتهاك صارخ لسيادة سوريا». لن تجد الأبواق المؤيدة للنظام من حرج فما بين سوريا وروسيا أعمق بكثير من ترتيب حروف،  ومن أجل «عيون الأسد كل شيء يهون.

في عين الأسد بالضبط تجلت المهانة العربية مجددا، حيث تبين أن السيادة لم تكن يوما مجرد شعار للمناكفات، بل ممارسة على الأرض تفتقدها أنظمة «العار العربي». قبل ساعتين فقط من وصول الكفيل الأمريكي، علمت السلطات العراقية بزيارة الأخير للقوات المسلحة المرابضة هناك. لم يستطع دونالد ترامب المغامرة بالخروج من المعسكر الأمريكي للقاء أركان العراق «الحر» فهو الأدرى بحقيقة الأوضاع.

في عين الأسد بالضبط تجلت المهانة العربية مجددا، حيث تبين أن السيادة لم تكن يوما مجرد شعار للمناكفات بل ممارسة على الأرض تفتقدها أنظمة «العار العربي».

المهانة كانت أكبر من أن تحتمل، لكن رئيس الوزراء العراقي وجد في بلاغة اللغة العربية ما يعوضه عن حقائق العجز والارتهان، فصدح أن ما جرى «موضوع أصولي يعبر عن السيادة العراقية». تنقل سيادة رئيس الوزراء لمقابلة الرئيس الأمريكي داخل معسكرات تؤم قوات أجنبية، جوهر السيادة الوطنية لدى حكام بغداد، أما استباحة العراق جوه وبره، طوله وعرضه فمجرد تفاصيل.

لم يخطئ سعد الصغير حين اختار إحدى الكاباريهات بدمشق لينشد بأعلى صوته «أنا الأسد أهو…» تمجيدا لبشار لأنها المكان الأمثل ليصدح فيها بأسماء كل هذه الأسود، التي تحكمنا على طول جغرافيا أوطان يتأكد يوما عن يوم أنها فعلا بلا سيادة.

 

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
بين هزيمتين.. ولنا عودة
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
كيف تجلت المهانة العربية مجدداً في عين الأسد؟