الأربعاء, 23 يناير 2019

لماذا تساعد شبكة Netflix على تمكين الحملة القمعية التي تفرضها السعودية على حرية الصحافة؟

أثار قرار شبكة Netflix بالامتثال لطلب المملكة العربية السعودية منعَ الحلقة الثانية من سلسلة حلقات البرنامج الإبداعي ”دليل الوطنية السريع“ Patriot Act -الذي يتناول فيه الفنان الكوميديّ حسن منهاج الأخبار العالمية بالتعليق- القلقَ، وذلك لأنه يمثّل سابقةً قد يُحتذى بها، بالإضافة إلى الإشارة الرمزية التي يرسلها إلى الحكام المستبدين في جميع أنحاء العالم.

وبتمكين مثل هذا النوع من الرقابة في المملكة العربية السعودية، بعد أشهر قليلة فقط من مزاعم إصدار ولي العهد محمد بن سلمان الأمرَ بقتل الصحفي جمال خاشقجي، فإنّ الشبكة تقيِّد بذلك أحدَ أهم الوسائل للحصول على المعلومات حول قضية ذات أهمية كبيرة في واحدة من أشد الدول التي تفرض رقابة في العالم. كما يُعد ذلك بمثابة إشارة إلى الدول القمعية الأخرى بأن الشبكة ستمتثل لطلبات فرض الرقابة وقوانين مكافحة الجرائم الإلكترونية الغامضة التي لا تمتثل للمعايير الدولية.

وفقاً لما وثّقته لجنة حماية الصحفيين (CPJ)، التي أعمل بها، تُستغَلّ قوانين مكافحة الجرائم الإلكترونية لقمع التقارير المستقلة والنقدية والتعبير عن الآراء حول حدث أو موقف ما في جميع أنحاء الشرق الأوسط وأماكن أخرى من العالم. أصدرت شبكة Netflix تصريحاً متداولاً جاء فيه: ”نحن ندعم بقوة حريةَ الإبداع الفني في جميع أنحاء العالم، وقمنا بإلغاء عرض هذه الحلقة في المملكة العربية السعودية فقط بعد أن تلقّينا طلباً قانونياً صالحاً، وامتثالاً للقانون المحلي“.

بُثّت الحلقة الثانية من برنامج Patriot Act (التي تضمّنت انتقاداً قاسياً -مدته 27 دقيقة- لفساد المؤسسة السياسية السعودية بشأن حادثة قتل خاشقجي) في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2018، ولكن شبكة Netflix لم تذعِن وتُقدِم على إزالتها إلّا بعد مرور شهرين من قبولها لطلبٍ رسميّ من السعودية. وفقاً للتقارير، فقد استندت هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات السعودية في طلبها إلى الشبكة على المادة السادسة من قوانين المملكة للجرائم الإلكترونية.

وتنصّ المادة على أن أيَّ شخص يُدان باستخدام شبكات الحاسب الآلي للمساعدة على الاتجار بالجنس البشري وإنشاء المواد والبيانات المتعلقة بالشبكات الإباحية وأنشطة الميسر أو الاتجار بالمخدرات والمساس بالنظام العام أو الآداب العامة، يُعاقَب بالسجن مدة لا تزيد على 5 سنوات وبغرامة لا تزيد على ثلاثة ملايين ريال (ما يساوي 800 ألف دولار).

غالباً ما يُبرَّر استخدام قوانين الجرائم الإلكترونية باعتبارها وسيلةً لمنع الإرهاب وحماية الأطفال، ولكنها تُستخدم أيضاً لتقييد الأنشطة المشروعة المتعلقة بنقل الأخبار والتعبير عن الرأي، لا سيما عندما تكون حرجة أو محرجة لمَن هم في السلطة. ووفقاً للتقرير الإحصائي السنوي لأولئك الصحفيين الذين تعرَّضوا للسجن بسبب عملهم في عام 2018، والذي أعدّته ”لجنة حماية الصحفيين“، فإن ما لا يقل عن 130 من الصحفيين البالغ عددهم 251 الذين تعرّضوا للسجن على مستوى العالم، كانوا يعملون على شبكة الإنترنت. وقد سُجِن جميعُهم تقريباً بسبب اتهامات مناهضة للدولة، مثل انتهاك القوانين الغامضة بشأن الجرائم الإلكترونية أو بموجب إجراءات مكافحة الإرهاب.

يُستخدَم قانون الجرائم الإلكترونية في نيجيريا، لمضايقة وتوجيه الاتهامات إلى الصحفيين الذين ينتقدون النخبة السياسية والاقتصادية. وفي الأردن، تقدَّم وزير المالية عمر ملحس بشكوى جنائية بموجب قانون الجرائم الإلكترونية ضد صحفيّين تحدّثوا عن مزاعم تهرُّبه من الضرائب. أمّا في فيتنام فيقيِّد تشريع الأمن الإلكترونيّ -الذي دخَل حيّز التنفيذ في الأول من يناير/كانون الثاني هذا العام- بشدّة حريةَ التعبير على الإنترنت ويسمح للحكومة بإجبار شركات التكنولوجيا العاملة هناك على الكشف عن المعلومات الشخصية لمستخدميها وبفرض الرقابة على المعلومات عبر الإنترنت عند الطلب.

بالإضافة إلى قوانين الجرائم الإلكترونية، تواجه الصحافة التقليدية في الخليج الكثير من القيود الشديدة من خلال مجموعة متنوعة من الطرق الأخرى، وفقاً لبحثٍ أجرته ”لجنة حماية الصحفيين“. وبالتالي، يعتمد المواطنون هناك على منصاتٍ بديلة لمعرفة الأخبار. وقد عانَيتُ شخصياً من الرقابة المشددة في المنطقة عندما فقدتُ وظيفتي في قناة ”العربية“ الفضائية السعودية، بعد أن نشرتُ تقريراً حول مشاكل السلامة في شركة الطيران الإماراتية الوطنية. أُجبرت على إزالة التقرير من الموقع، لكنني نشرت القصة على مدونتي بعد أن غادرتُ البلد.

كشف بحث أجرته ”لجنة حماية الصحفيّين“ CPJ أنّ منصاتٍ من قبيل YouTube وFacebook تعتبر منافذ مهمّة لتناول القضايا المثيرة للجدل وتوثيق الأحداث التي لا تغطّيها وسائل الإعلام السعوديّة. وكشف تقرير لشركة الاستشارات الإدارية McKinsey، تمكنت صحيفة The New York Times من الحصول على نسخةٍ منه، أنّ تغطية Twitter لمجموعة من إجراءات الإصلاح الاقتصاديّ التي أعلن عنها وليّ العهد قد فاقت التغطية التي قامت بها وسائل الإعلام التقليدية أو المدونات بمقدار الضعف، وأنّ المشاعر التي ظهرَت على وسائل التواصل الاجتماعيّ كانت سلبيّة إلى حد كبير.

تحظى وسائل الإعلام بالقليل من الاستقلاليّة الصحفيّة في المملكة العربيّة السعوديّة، ويتعرض كل مَن يحاول كتابة تقارير عن أمور مثل حقوق الإنسان أو الفساد إلى الاعتقال والسجن؛ بل حتى قد يواجه التعذيب حسب بعض التقارير. ومنذ أقلّ من سنة، حُكِم على الصحفيّ صالح الشيحي بالحبس لمدّة خمس سنوات لكتابته بعض المقالات وظهوره على التلفاز يتّهم الديوان الملكيّ بأنه مصدر الفساد. وأُلقِي القبضُ أيضاً على المدوِّنتين إيمان النفجان ونوف عبدالعزيز، اللتين تناوَلتا إنهاء حظر قيادة السيارة على النساء والتوسّع في إعطائهن حقوقهن، قبل شهرٍ واحدٍ فقط من رفع الملك سلمان لهذا الحظر.

رغم المستويات المفزعة من القمع والرقابة في المملكة العربيّة السعوديّة، فقد سعت شبكة Netflix إلى تفادي الآثار الأوسع لقرارها. فباستخدامها تعبير ”حريّة الإبداع الفني“ في بيانها، بدَت الشركة وكأنّها تحاول أن تنأى بنفسها عن استجابتها الإشكاليّة لقوانين تقيّد حريّة تناول الأخبار وطرح الآراء. إلّا أنّ الشبكة لا يمكنها الزعم أنّ خدماتها لا تشمل محتوى صحفيّاً لأنّ الواقع هو أنّها تعرض العديد من الأفلام الوثائقيّة، وقد أضحت منصّة إخباريّة إثر قرارها تمويل إنتاج واستضافة برامج حواريّة، مثل Patriot Act، والتي تعتبر برامج صحفيّة بطبيعتها.

يوضح قرارها بحجب الحلقة الثانية من برنامج Patriot Act أنّها متورّطة في فرض الرقابة على الصحافة وطرح الآراء في قضايا ذات أهميّة للرأي العام في دولةٍ ظهرت فيها مؤخّراً بوحشيّة بالغة مستوياتُ القمع الشديد، إثر حادث مقتل الصحفيّ جمال خاشقجي في القنصلية السعوديّة بمدينة إسطنبول.

لا يبدو أنّ شبكة Netflix تتعقّب طلبات الحذف المقدمة من قبل الحكومات، على الأقل لا تقوم بهذا علناً؛ لذا فليس من الواضح مدى شيوع طلبات الرقابة هذه. ورغم كونها إحدى أكثر منصّات البث شعبيّةً على مستوى العالم، فإن الشركة لا تُصدِر تقريراً للشفافية. وقد رفض المتحدّث باسمها الإجابة عن سؤال وجّهته ”لجنة حماية الصحفيّين“ حول ما إذا كانت الشركة لديها أو ستقوم بإصدار أي نوع من تقييمات حقوق الإنسان.

منذ عام 2010، نشرت أكثر من 70 منصّة تقنيّة أخرى تقارير شفافية، ومن الواضح أنّ الوقت قد حان لأن تقوم Netflix بالمثل أيضاً. يجب على Netflix أن تتصالح مع حقيقة أنّها منصّةُ بثٍّ ومنتجٌ للمحتوى الصحفي في نفس الوقت، وعليها تبنّي وتوفير ضمانات لحماية المحتوى ذي الأهمية للمصلحة العامة من الخضوع للرقابة في الدول القمعيّة.

 

 

 

 

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
كيف تنبأ أفلاطون بفكرة الفيسبوك الحمقاء؟
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
لماذا تساعد شبكة Netflix على تمكين الحملة القمعية التي تفرضها السعودية على حرية الصحافة؟