الأربعاء, 23 يناير 2019

الليلة الأولى لجاري «عبدالمولى» بعد موت أمه بالسرطان!

«مازال البيت مظلما . هذا يعني أن أمي لم تستيقظ بعد.»

ماذا لو أضحى البيت هنا كناية عن الحياة برمتها. وكان تأخر استيقاظ الأم دلالة على غفوة أبدية، إعلاناً برحيل لا رجعة منه لأسمى ما وُهب الإنسان: الأم. ليس سوى حرفين ضئيلين في اللسان، عظيمين في ميزان الوجود اللامتوازن بدونها.  عندما ننادي الأم وننطق حرفيها المقدسين، فإنهما يخرجان كترنيمات روحانية تُسرعُ خفقان الأفئدة، وتُشرعُ الباب لوابل من لواعج الروح غير القابلة للتوصيف. فالأم كائن لازم للفرد، وهي ركن أصيل من أركان الحياة، التي لا يُجبر غيابها لا بالدم ولا بالدمع.

دارت في خلدي هذه المناجاة العابرة وأنا أرقبُ مشهداً غير مصنف في مدارج التراجيديا البشرية. بمجرد ما نظرته عايشته، عاش في داخلي كذكرى، فعاث في جوارحي ألماً وحسرة.

صورة عبد المولى. جاري الشاب اليتيم حديثاً وهو يجلس القرفصاء في الثلاثين من عمره، تنبئُ ملامحهُ أنه ولج لتوه قفص الشيخوخة بروح مُتيبسة، والسبب نزوة سرطانية أخذت روح أمه إلى سدرة المنتهى دون سابق استعداد أو استئذان. مُخلفة خراباً نفسياً لا ينفع معه عزاء أو دعاء أو بكاء. كيف يكون والغائب هنا أمه. في العشر الأواخر من رمضان حيث أيام الله وخليقته، تأخذ كامل زينتها لاستقبال العيد وبهرجته.

مررتُ بجانبه أمشي على عجل. خجلاً، ووجلاً من أن أنبش جرحاً غائراً لم يلتئم بعد، ولن يفعل. خشيتُ عليه من نوبة ألم حادة حين ينظر في عيني ليرى أو يتوهم سعادتي بوجود أمي معي وقد أعدّتْ «كُسْكُس» يوم الجمعة: وقد كان حدسي هذا مبرراً لأن الأشخاص في حالته يصبح لهم معيار وحيد في تصنيف البشر المحيطين به. فلا يأبه لسلطتهم، لمالهم أو بنيهم أو وجاهتهم الكاذبة في المجتمع. بل يستفسر فقط خاطره المُهشم إلى شظايا: هل هذا الشخص مازال يملكُ أُماً؟ يجيبه الأخير على استحياء. للأسف ولحسن الحظ: نعم. ولقد غمرته بدعوات الرضا والسداد هذا الصباح.

آنئذ يغرقُ صاحبنا في غياهب الحنين لذكرى قريبة في الزمن. مستحيلة الإمكان في الوجود القادم، وهو يستحضر صورة والدته بتبتلها لله أن يعينه على كسب رزقه، أن يجنبه رزايا الدهر و بلايا شر البشر المستطير. تدعو له مزهوة في ظاهرها وفي خاطرها غصة مُرَة، بأن يفكر في فكرة زواج طال أجله وبعُد تأجيله، أملاً منها في رؤية أحفادها. ولكن لا مستجيب.

في لحظات مُكابدته لهذا النحيب الداخلي الصامت، ألقيت عليه سلاماً باهتاً. لم ينتبهْ. ولم يرُدْ كأن به مساً من الذهول. أو لعل صوتي اختلط عليه وسط ألوف الأصوات التي يسمع رنينها و طنينها في رأسه دون تمييزها أو إدراكها بوضوح: أهي حقيقية أم خيال واه. أكيد أنه أُصيب بعمى الأصوات ممزوجة بمعمعة من المشاعر لا قبل له بتحملها وتفسيرها.

هذا ما وقع له وهو الذي اعتاد وتعود حد الإدمان على صوت امرأة واحدة، منذ صرخته الأولى في هذه الفانية. هي التي قالت له جميع الأشياء خالصة بلغة القلب إن نطق أو أنطقه العلماء والشعراء يوماً ما. بل قامت بها بتفان لا نظير له في سلالم العلاقات الإنسانية: بدءاً من «إن الطعام جاهز يا عبد المولى» الماء ساخن، والثياب مغسولة والأحذية لامعة.. «لقد تأخر الوقت يا عبد المولى»..

 ألقيتُ عليه نظرة باردة. وجدتهُ  كأعمى مركزاً نظره في ظلام دامس عله يجد نقطة بيضاء، يتراءى له من خلاله طيف والدته، حتى يبصر الحياة مرة أخرى. تطلع بحاجبيه للسماء، كأنه يطلب منها إعداد قهوة المساء له، تنسيه ولو لحظة حرقة العيش اليتيم الموحشة والتي لم يستأنس بها بعد. لكن دون جدوى. إنه في مرحلة كمون وجداني. يكابد أنين الحنين ويختبر مستلزمات الصبر الأكثر قساوة، حينما تهب مع ضراوة حر الفقدان الحارقة.

انفرجتْ أساريرهُ بعد ذلك. ليست أمارات التأقلم طبعاً. بل تذكر في لحظة إشراق انقذفتْ بخلده أن الله كتب لنا الفراق الثقيل وقدره علينا، ليُبرهن ونقتنع بأنه وحده يملكُ قانون وحق الأبدية في قلوبنا. فلا شيء ولا أحد يزاحمه يدوم. على الأقل هذا ما تمنيتُ أن يفكر فيه جاري اليتيم، حتى يُهون عليه من هول وحدته الجارحة، التي بالتأكيد، ستزيد حدتها ومرارتها مع اكتساح الظلام لأفق الكون. آنذاك، سيشتد الحنين ويعزُ الأنيس، وتطغى ذكرى الأم على حفيف النسمات الباردة النابعة من ليل طويل.

تركتهُ منتشياً بانتصار نفسي صغير ربما توهمته لا غير، وانقلبت على عاقبي أُداري ما عاجلني من أمر اليتم وأحوال الحياة القاسية. أجرُ بجدارة ذيول الهزيمة المكشوفة أمامها. أخمن كيف كانت ليلة عبد المولى الأولى بدون روح أمه الملائكية الحارسة.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
بعد العشرين.. كل مفاهيم الحياة تغيرت
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
الليلة الأولى لجاري «عبدالمولى» بعد موت أمه بالسرطان!