الأربعاء, 16 يناير 2019

أعدموها بالمقصلة.. «شارلوت كورداي» الجميلة التي اغتالت قاطع رؤوس الفرنسيين داخل غرفته!

ملخص «تقديم»: هي فتاة في ربيع عمرها زاهدة بكل شيء عدا وطنها.. في لحظة غضب وحمية تأخذ قراراً مصيرياً. فما هو هذا القرار؟

من هي؟

فتاة الثورة، ابنة الثورة، الفتاة التي غيرت مجري الثورة. كلها مسميات وألقاب أطلقت على تلك الفتاة، فمن هي؟ إنها (شارلوت كورداي) ذات الخمسة والعشرين ربيعاً، كانت من الريف الفرنسي، من مدينة كاين غربي فرنسا، كانت جميلة كباقي فتيات الريف الفرنسي، إلا أنها كانت أجملهم ولا يسعني أن أصف جمالها إلا بكلمة واحدة، ملائكي.

ولكن. لم تنشأ (شارلوت) وسط قريتها ومجتمعها الريفي، فقد أرسلها والداها في صغرها ومنذ نعومة أظفارها إلى دير مدينة كاين، نشأت وتربت فيه. وكان لذلك عظيم الأثر عليها، إذ إن تربيتها الرهبانية تلك، أدت إلى إثراء وعيها الثقافي والديني بصورة مختلفة عن باقي أبناء طبقتها الريفية في مجتمعها.

وبقيت (شارلوت) في الدير حتى قررت الجمعية التشريعية التي تكونت عقب اندلاع الثورة الفرنسية إغلاق الأديرة، فعادت إلى قريتها، ولكنها استمرت كما كانت في الدير، مكبة على المطالعة ودراسة النظريات والمناهج الفلسفية والثورية الموجودة وقتها والتي كان لها السيادة في ذلك العصر. وبقيت تتبع أحداث الثورة بغاية الاهتمام والحماسة، إذ كانت منذ نشأتها جمهورية النزعة، تمجد حكومة الجيرنديين وتتحمس لها وتعجب برجالها، فلما تقدم اليعاقبة إلى الميدان وتسببوا في إعدام الملك، امتلأت نفسها سخطاً عليهم واشمئزازاً منهم، وازداد إعجابها بكياسة الجيرنديين واعتدالهم.

قرار مصيري

جاء ذلك اليوم الذي اتخذت فيه (شارلوت) القرار الذي لن يغير من مصير الثورة فقط، إنما من مصير فرنسا بالكامل. قرارها نبع من داخلها بثقة وإيمان واقتناع تام بضرورته، بعدما رأت أيدي اليعاقبة التي لوثها دماء الملك تمتد إلى أعناق الجيرنديين أنفسهم، فزادت كراهتها لهم واشتد مقتها لزعمائهم وأخصهم (مارا) شيطان الثورة وجلادها وبطل مذابحها. فكانت تحقد عليه وتكرهه بقدر ما كانت تعجب بزعماء الجيرنديين وتحبهم.

وأخيراً وفدَ جماعة من نواب الجيرنديين الذين فروا من السجن إلى مدينة كاين، فذهبت شارلوت إليهم مسوقة بعامل الاعجاب والإكبار وحب التقرب منهم والتعرف إليهم، وهناك سمعت أحاديثهم عن (مارا) ووحشيته وتعطشه للدماء وأنه صرح أخيراً بأنه يجب قتل جميع أفراد العائلة الملكية والحاشية المحيطة بهم وأنصار الملكية في جميع ربوع ومقاطعات فرنسا ولأجل ذلك فإن (مارا) وجماعته يرون أن عدد الرؤوس التي يجب قطعها ليستتب السلام في فرنسا ينبغي أن لا يقل عن 260 ألفاً، فهالها ما سمعت وارتاعت لهذا الخبر والتهب صدرها بغضاً لذلك الطاغية السفاح، فعقدت (شارلوت) نيتها على أن تفتدي برأسها تلك الآلاف الكثيرة من الرؤوس البريئة التي كان يريد (مارا) قطعها!

وحدث يوماً أن وقف (باربارو) -أحد أولئك الزعماء الفارّين- يخطب فشرح الحالة السيئة التي أصبحت عليها فرنسا ثم اندفع في حماسته وقال: «إنه إذا لم تظهر (جان دارك) جديدة، وإذا لم ترسل السماء نجدة سماوية، وإذا لم تحدث معجزة خارقة فعلى فرنسا السلام».

فوقعت هذه الكلمات في النفس الطاهرة بتلك الفتاة المحبة لوطنها وثورة شعبها موقع السهم، وشعرت أنها مقصودة بهذا النداء وأن العناية الإلهية ساقت إليها ذلك الخطيب لينبهها إلى الواجب الذي خلقت له، بعد تلك الخطبة وخلال ثلاث أيام، كانت تقضي وقتها في التأمل والتفكير وتدبير ما يلزم للقيام بذلك العمل الخطير الذي ندبت له، وأخيراً قرّ قرارها فأجمعت أمرها واعتزمت الرحيل.

في طريقها إلى باريس

في عصر يوم الثلاثاء التاسع من يوليو في عام 1793 استقلت (شارلوت كورداي) عربة البريد المتجهة إلى باريس، فانتحت ناحية فيها ولم تشترك مع المسافرين في أحاديثهم حتى لا يعرفها أحد ولا يشك بها أحد، حيث كانت تحدث ذاتها طيلة الطريق وتقول: «لم يحن وقت المقصلة بعد».

وسارت بها العربة ليلة الأربعاء وطوال يوم الأربعاء وفي ضحى يوم الخميس دخلت بها مدينة باريس الواسعة المزدحمة المتكدسة، فنزلت الفتاة إلى خان هناك، حيث استأجرت غرفة وألقت بنفسها في فراشها فنامت بقية اليوم واسترسلت في نومها طوال الليل، ثم استيقظت في صباح الجمعة، فزارت قاعة المؤتمرات في مقر الجمعية التشريعية ورأت فيها اليعاقبة وحزبهم كيف يكون ولكنها لم ترَ وجه (مارا)، الذي كان رجاله يقولون إنه لا يستطيع أن يأتي لظروف مرضه.

وفي الساعة الثامنة من صباح يوم السبت خرجت من خانها، فابتاعت نصلاً طويلاً حاداً، ثم استأجرت عربة وأمرت سائقها أن يذهب بها إلى شارع مدرسة الطب رقم 44. حيث كان يقيم غريمها الذي أقبلت تسعى إليه من غرب فرنسا إلى شرقها. كان (مارا) يسكنه في منزله الذي يعرفه جميع الباريسيين، كان كالقلعة الحصينة المدججة بالرجال حول أسوارها، وعندما طلبت (شارلوت) مقابلته، جاءها الرد من أحد خدم المنزل بأن (مارا) ليس متفرغاً الآن لمقابلة أحد.

فارتدت الفتاة على أعقابها وأرسلت إليه من خانها الرقعة الآتية: «لقد جئت من كاين مقر العصيان، وأرغب في رؤيتك فوراً لأمكّنك من القيام بخدمة عظيمة لفرنسا».

ولبثت تنتظر الرد ولكن ذهب انتظارها سدى، فاعتزمت أن تذهب بنفسها إليه مرة أخرى.

أما (مارا) فكان مريضاً حقاً، وكان محموماً يعاني أقسى الآلام، فأي مرض ترى ذلك الذي يقعد بهذا المارد المتوحش وأي عاهة تلك التي تناسب روحه الجبارة؟!

لعله غضب من الرب، حتى يذيقه بعضاً من ويلات العذاب التي عانى منها الفرنسيين تحت سطوته.

لقد كان يشكو أكلة حادة في جلده، لعلها هي التي كانت تهيج أعصابه وتثير إحساسه وتكسبه تلك الضراوة التي امتازت بها قسوته وشدته، ويعزى إليه أن السبب في هذا المرض أنه كان له أعداء يطاردونه ويطلبون دمه، ففر منهم والتمس الخلاص لنفسه بالاختفاء عن أبصارهم، فاحتمى في مجرى من مجاري القاذورات، فتآكل فيه جلده وخرج منه بعد ذلك وهو يقول: لا مساس!

وظل بقية عمره يقضي أكثر وقته في حوض مملوء بالماء ليخفف بعض آلامه، وكانت له على صفحة الماء لوحة من الخشب قد جعل فيها ورقاً يلوث أديمه بأفكاره وخواطره ويخط فوقه أسماء من يريد أن يقذف بهم تحت سكين المقصلة.

في منزل مارا

خرجت (شارلوت) من خانها تقصد دار (مارا) من جديد وكان ذلك في الساعة السابعة من مساء الثالث عشر من يوليو، يوم عيد الحرية والاحتفال بالثورة الذي تضطرب له باريس وتموج.

قرع الباب وسمع (مارا) وهو في حوضه صوتاً رقيقاً يعارض صوت (سيمون افرار) وهي المرأة التي كانت يصاحبها (مارا)، إذ يقول الصوت: «لابد لي أن أراه»، فتقول (سيمون) محتدة: «ولكنه لا يرى أحداً»، وعندها عرف (مارا) أن تلك الزائرة هي صاحبة الرسالة التي وردته من يومين، الفتاة التي تريد أن تقدم لفرنسا خدمة عظيمة، فخرج من حوضه وارتدى معطفه وأذن لها بالدخول، وصحبها إلي غرفة مكتبه الذي تطل أحد نوافذه على كاتدرائية نوتردام العريقة، وعند دخولهم الغرفة وقف (مارا) عند مكتبه وسكب بعض النبيذ الفاخر في كأسه ووقف ينظر من خلال النافذة التي تطل على الكاتدرائية إلى الألعاب النارية التي كانت تغطي سماء باريس احتفالاً بعيد الحرية، أما (شارلوت) فكانت واقفة خلفه ببضع خطوات، تنظر هي الأخرى إلى الألعاب النارية، لا تشعر بشيء إلا النصل المخبأ في ثيابها، أرادت طعنه في تلك اللحظة، ولكنها انتظرت، فهي تريد أن تطعنه في قلبه وأن تجعله يرى اللحظة التي ستسلب حياته فيها.

وأثناء تطلعه على هذا المشهد شرع (مارا) في التحدث قائلاً: «منذ أربع سنوات، في مثل هذا اليوم، كنت أقف مع الثوار أمام الباستيل كنا بالآلاف نصيح في حامية السجن أن تفرج عن السجناء وتنزل إلينا وتسلم سلاحها، كانوا مدججين بالبنادق، والمدافع موجودة في أعلى سور السجن، ونحن لم يكن معنا سوى بضع بنادق استولينا عليها من مواجهات سابقة مع الحرس السويسري وبعض جنود الملك، والأغلبية مننا يحملون إما نصلاً أو منجل أو سيف، والبعض الآخر يحملون الحجارة، كنا نعلم أنه فور أن نقتحم بوابة هذا السجن سيموت لنا أكثر من نصف الثور بلمح البصر، لكننا كنا مصممين، مصممين يا فتاة».

للحظة عابرة حل النسيان ضيفاً علي ذاكرة (شارلوت)، فلم تعلم لما هي في هذا المكان؟ كل ما تتذكره هو ذاك اليوم الذي كانت فيه في الدير عندما سمعت عن اقتحام سجن الباستيل، كانت السعادة تغمرها، لكنها ما لبثت وسمعت عن الضحايا من الثوار حتى بكت، وأشعلت كل الشموع في الدير رحمةٌ على أرواحهم.

«يبدو أنكِ في عالم آخر» قالها (مارا)، ثم ترد عليه (شارلوت) بسرعة عقب عودتها من رحلة الماضي الخاص بها ويدور بينهم الحديث التالي:

– آسفة، لقد شردت.

– أجل، يبدو أنكِ تأثرت بحديثي.

– صحيح.

– ما اسمك يا بنيتي؟

– شارلوت كورداي.

– شارلوت، للحظة ظننتك شخص آخر تشبهينه.

– حقاً، ومن هو؟

– الدوقة جابرييل دي بوليناك.

ابتسمت (شارلوت) وقالت: «يا له من شرف أن تراني أشبه صديقة الملكة الفضلة».

 يضحك (مارا) بصوت عال ويقول: «حقاً. صديقة الملكة، يبدو أنكِ فتاةٌ لبقة وذكية»، وذهب ليجلس على مكتبه وأحضر قلماً وورقة وقال:

– أخبريني الآن، ماذا يفعل الخونة في كاين؟ ومن هم النواب الذين هناك؟

– (باربارو) و(بيتيون)

– لا تقلقي يا فتاة لن تبقي رؤوسهم فوق أكتافهم بعد 15 يوماً، سأرسل حملة إلى كاين حتى تطهر من رجس هؤلاء الخونة، من أيضاً هناك؟

غير أن الفتاة كانت قد انتهزت هذه الفرصة التي انكب صاحبنا فيها على لوحته يكتب أسماء فرائسه، فاستلت نصلها من تحت ثيابها وأغمدته في صدره بكل قوتها فصاح الطاغية:

«إليّ يا عزيزتي.. إليّ».

ولم تجد النجدة بعد تلك الطعنة النجلاء، مال رأسه الدميم المتهالك إلي الوراء وأسلم السفاح روحه الآثمة غير مأسوف عليه. وملأت (سيمون) الدنيا بصراخها، وغصّ المكان بالحراس، وحاول الحراس أن يصلوا إلى (شارلوت) ولكنها قلبت بعض الأثاث الذي بالغرفة وتحصنت خلفه، حتى أقبلت الشرطة، فأسلمت نفسها إليه بكل هدوء.

بين يدي الجلاد

لم تكن تشك الفتاة قط في مصيرها، فكانت مثال للثبات في قاعة المحاكمة واعترفت بكل فخر واعتزاز بنفسها، كما كانت مثالاً للشجاعة عند اقتيادها إلى جلاد المقصلة، وعندما تقدم أحد مساعدين الجلاد حتى يقيد قدميها، امتنعت بإباء ظناً منها أن في هذا العمل إهانة لها، فلما تكلم معها مساعد الجلاد وأفهمها أن تقييد قدميها إحدى تقاليد المقصلة، مثل قص شعر رأسها، فاعتذرت في رقة وخفر، ولما امتدت يد الجلاد لينزع المنديل الذي كان حول جيدها، علت وجهها ونحرها حمرة الخجل، وكانت لاتزال صفحة خدها مشرقة بهذا اللون الوردي عندما رفع الجلاد رأسها المقطوع حسب عادته ليريه للناس!

 وهنا تنطوي صفحة شارلوت كورداي ذات الخمسة والعشرين ربيعاً، ليحفظ التاريخ لهذه الفتاة الجريئة أنها هدمت أصلب أركان الثورة، وأنها صاحبة الطعنة الأولى في قلب الإرهاب والقائمين به، ولتسجل لها الإنسانية شكرها اعترافاً بتضحيتها الخالدة، ونزولاً على ارادتها في ندائها الشهير الذي كتبته قبل فعلتها بأيام وهي تقول فيه:

«يا وطني! إن مصائبك تمزق قلبي، وليس في وسعي أن أهبك سوى حياتي، وإني أحمد الله الذي وهبني حرية التصرف فيها، أريد أن يكون من زفرتي الأخيرة خير لأبناء الوطن، وأن يكون رأسي المحمول فوق رمح في طرقات باريس علم الاتحاد لكل أنصار القانون، وأن يرى اليعاقبة المخذولون حتفهم مكتوباً بدمي، وأن أكون آخر فرائسهم، وأن يعلن العالم الذي انتقمت له أنني خليقة بشكر الإنسانية!».

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
أعدموها بالمقصلة.. «شارلوت كورداي» الجميلة التي اغتالت قاطع رؤوس الفرنسيين داخل غرفته!